كنائس أوكرانيا تحت النار.. قبة القديس يوحنا تنهار و164 موقعًا تضرر منذ بداية الحرب
الإثنين 28/سبتمبر/2026 - 11:33 ص
طباعة
روبير الفارس
لم تكن كنيسة ميلاد القديس يوحنا المعمدان الأرثوذكسية في كراماتورسك، شرقي أوكرانيا، هدفًا عسكريًا معلنًا في الضربة الروسية التي استهدفت المدينة، لكنها خرجت من الهجوم بأضرار جسيمة طالت جدرانها وسقفها وقبتها وهيكلها المعدني، لتتحول الكنيسة مرة أخرى إلى شاهد على الوجه الآخر للحرب: تدمير أماكن العبادة والذاكرة الدينية والثقافية للمجتمعات المحلية.
وبحسب الشرطة الأوكرانية، تعرضت كراماتورسك في ذلك اليوم لهجوم بالقنابل الجوية، بينها قنابل من طرازي FAB-250 وFAB-500 مزودة بأنظمة توجيه، إلى جانب هجمات بطائرات مسيرة. وأسفرت الضربات عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين، كما تضرر نحو 70 منشأة مدنية، بينها عشرات المنازل والمحال وسيارات ومنشآت أخرى، إضافة إلى الكنيسة.
وأظهرت الصور التي نشرتها الجهات الكنسية والأوكرانية حجم الدمار الذي أصاب كنيسة القديس يوحنا المعمدان؛ فقد انهارت أجزاء من الجدران والسقف، وتضررت القبة، بينما أدى ضغط الانفجار إلى التواء الهيكل المعدني للمبنى وتناثر الركام في محيطه.
واللافت في هذه الواقعة أن المصادر الأوكرانية لا تقدم دليلًا على أن الكنيسة كانت الهدف المباشر للقصف. فالشرطة قالت إن الضربات أصابت الجزء القديم من المدينة، بينما كانت الكنيسة واحدة من المنشآت المدنية التي تضررت نتيجة الهجوم.
الكنيسة وسط مدينة تتعرض للقصف
تكشف واقعة كراماتورسك طبيعة الخطر الذي تواجهه الكنائس الواقعة في المدن القريبة من خطوط القتال. فالضرر لا يحتاج بالضرورة إلى إصابة مباشرة للمبنى؛ قوة الانفجار وحدها يمكن أن تحطم النوافذ والأسقف والقباب والجدران، وتؤدي إلى تشوه الهياكل المعدنية وتضرر الأيقونات والمذابح والممتلكات الكنسية.
وهذا ما حدث في كراماتورسك، حيث لم تكن الكنيسة المبنى المدني الوحيد المتضرر، وإنما جاءت أضرارها ضمن نطاق واسع من الدمار الذي خلفه القصف في الجزء القديم من المدينة.
لكن بالنسبة إلى المجتمع المحلي، لا يمثل تدمير الكنيسة خسارة عقارية فحسب. فالكنيسة الأرثوذكسية في المدن والقرى الأوكرانية تؤدي أدوارًا دينية واجتماعية وتاريخية، ولذلك فإن فقدانها أو تعطيلها يعني أيضًا فقدان مساحة للصلاة واللقاء والتضامن، وهو ما يزداد أهمية في المناطق التي يعيش سكانها تحت القصف والنزوح.
164 موقعًا دينيًا تضرر في أوكرانيا
وتضع اليونسكو حادثة كراماتورسك في سياق أوسع بكثير. فحتى 23 سبتمبر 2026، وثقت المنظمة تضرر 560 موقعًا ثقافيًا في أوكرانيا منذ بداية الحرب، بينها 164 موقعًا دينيًا، إضافة إلى 283 مبنى ذا قيمة تاريخية أو فنية و43 متحفًا و33 نصبًا تذكاريًا و24 مكتبة و8 مواقع أثرية و5 أرشيفات.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المواقع الدينية دُمرت بالكامل، وإنما تشمل المواقع التي تحققت اليونسكو من تعرضها لأضرار بدرجات مختلفة. وتوضح المنظمة أنها تعتمد على تقاطع المعلومات الواردة من مصادر متعددة، وتعمل على تطوير آلية مستقلة لتقييم الأضرار، بما في ذلك استخدام صور الأقمار الصناعية، في إطار اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
وهذا يجعل الكنائس جزءًا من خسارة أوسع تطال التراث الثقافي الأوكراني، وليس مجرد منشآت دينية منفردة.
ومن أبرز الأمثلة خلال العام الحالي تعرض مجمع دير كييف-بيتشيرسك لافرا، أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في أوكرانيا، لأضرار خلال الضربة الروسية الواسعة على كييف في 15 يونيو 2026.
وأكدت اليونسكو أن الضربة ألحقت أضرارًا كبيرة بكاتدرائية رقاد السيدة العذراء، كما طالت منشآت تاريخية مجاورة داخل المجمع، وهو موقع مدرج على قائمة التراث العالمي ضمن "كييف: كاتدرائية القديسة صوفيا ومباني دير كييف-بيتشيرسك لافرا".
وكانت الضربة جزءًا من هجوم روسي واسع على عدد من المدن الأوكرانية، شمل مئات الطائرات المسيرة وعشرات الصواريخ، وفق وكالة أسوشيتد برس. وبينما قالت روسيا إن الهجمات استهدفت منشآت مرتبطة بالإنتاج العسكري، فإن الأضرار طالت أيضًا مواقع مدنية وثقافية ودينية.
الكنائس تدفع ثمن حرب طويلة
ومنذ بداية الغزو الروسي الشامل في فبراير 2022، تعرضت المؤسسات الدينية الأوكرانية لضغوط وأضرار على مستويات مختلفة، من القصف المباشر وغير المباشر إلى تدمير المباني والنزوح وتعطيل الحياة الرعوية.
وتزداد المخاطر في مناطق دونيتسك وخاركيف وخيرسون وزابوريجيا وغيرها من المناطق القريبة من الجبهة، حيث يمكن أن تقع الكنائس ضمن مناطق القصف الذي يستهدف المدن والبنية التحتية المدنية.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: توثيق تعرض كنيسة للضرر نتيجة هجوم عسكري، وإثبات أن الكنيسة كانت الهدف المقصود للهجوم الأول يمكن إثباته من خلال الصور وتقارير الشرطة والجهات الكنسية، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة تتعلق بنوع السلاح ومسار الضربة وموقعها والهدف العسكري المحتمل وغيرها من عناصر التحقيق.
وهذا التمييز مهم في حالة كراماتورسك تحديدًا، لأن المصادر المتاحة تثبت تعرض الكنيسة لأضرار بالغة، لكنها لا تثبت حتى الآن أنها كانت الهدف المباشر للقصف.
أكثر من مبانٍ مهدمة
وتكتسب الخسارة بعدًا إضافيًا عندما يتعلق الأمر بكنائس قديمة أو مواقع مرتبطة بذاكرة المدن والمجتمعات المحلية. فإعادة بناء الجدران أو السقف قد تكون ممكنة، لكن إعادة بناء جزء من الذاكرة التاريخية التي ارتبطت بالمكان عبر أجيال ليست مسألة هندسية فقط.
ولهذا تصر اليونسكو على أن حماية الممتلكات الثقافية أثناء الحرب ليست قضية جمالية أو سياحية، وإنما مرتبطة بحق المجتمعات في الثقافة والتعليم والهوية والقدرة على التعافي بعد انتهاء النزاع. وقد أدانت المنظمة استهداف الممتلكات الثقافية في أوكرانيا، مؤكدة أن تضررها يحرم المجتمعات من مساحات أساسية للتعافي والتماسك الاجتماعي.
كراماتورسك.. كنيسة أخرى في قائمة طويلة
تأتي كنيسة ميلاد القديس يوحنا المعمدان إذن كحلقة جديدة في سلسلة الأضرار التي أصابت المؤسسات الدينية الأوكرانية خلال الحرب. وبينما يستمر القتال والقصف، لا تقتصر الخسائر على الأرواح والمنازل والمستشفيات، وإنما تمتد إلى الكنائس والأديرة والكاتدرائيات التي ظلت لعقود، وأحيانًا لقرون، جزءًا من المشهد الروحي والتاريخي للمدن الأوكرانية.
وفي كراماتورسك، لا تزال مهمة تقييم الأضرار الكاملة للكنيسة وتحديد إمكانية ترميمها مستمرة. لكن الصور التي التقطت بعد الهجوم تكفي لإظهار أن الحرب تركت جرحًا جديدًا في مبنى ديني كان يفترض أن يكون مكانًا للصلاة، لا ساحة من ساحات الحرب.
