بابا الفاتيكان في فرنسا.. زيارة دينية برسائل سياسية تعيد سؤال العلمانية إلى قلب الجمهورية
الإثنين 28/سبتمبر/2026 - 11:35 ص
طباعة
روبيرالفارس
لا تبدو زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى فرنسا، الممتدة من 25 إلى 28 سبتمبر 2026، مجرد رحلة رعوية إلى واحدة من أقدم الكنائس الكاثوليكية في العالم. فالبرنامج نفسه يكشف أبعادًا تتجاوز الصلاة والقداسات فتضم لقاء مع الرئيس إيمانويل ماكرون في الإليزيه، وخطاب أمام السلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي، وزيارة إلى اليونسكو، لقاءات مع الشباب، ثم لورد، وأخيرًا ميتز حيث يتحدث البابا عن جذور أوروبا والسلام والوحدة.
وتأتي الزيارة في توقيت سياسي شديد الحساسية؛ ففرنسا تستعد للانتخابات الرئاسية المقبلة، والجدل حول الهوية والهجرة والدين والعلمانية يحتل مساحة واسعة من النقاش العام. وفي هذا السياق، يبدو أن لاون الرابع عشر اختار أن يتحدث إلى فرنسا من داخل لغتها السياسية نفسها: الحرية والمساواة والأخوة، لكنه أعاد تفسير هذه القيم من منظور ديني وأخلاقي.
الكنيسة لا تطلب إلغاء العلمانية
ربما كانت أكثر الرسائل السياسية وضوحًا تلك التي وجهها البابا بشأن العلمانية الفرنسية.
ففي خطابه أمام السلطات الفرنسية في الإليزيه، قال البابالاون الرابع عشر إن العلمانية الصحيحة لا تعني إقصاء الدين من المجال العام أو التعليم، وإنما قيام الدولة والمؤسسات الدينية بالحوار والعمل المشترك من أجل الصالح العام.
هذه العبارة مهمة لأنها تضع الفاتيكان أمام أحد أكثر المفاهيم حساسية في الجمهورية الفرنسية.
فالعلمانية الفرنسية ليست مجرد فصل إداري بين الكنيسة والدولة، وإنما مبدأ دستوري وقانوني تشكل تاريخيًا، خصوصًا منذ قانون 1905 الخاص بفصل الكنائس عن الدولة. ولذلك أثارت الزيارة قبل بدايتها نقاشًا حول حدود الترحيب الرسمي بالبابا، وما إذا كان حجم المراسم والمساحات العامة المخصصة للزيارة يتناسب مع مبدأ العلمانية.
وطرح مجلس الشيوخ الفرنسي هذا السؤال صراحة: هل زيارة البابا تتعارض مع العلمانية؟ وتناول الجدل إقامة قداس ضخم، وإغلاق أجزاء من المجال العام، ومشاركة مؤسسات الدولة والبلديات في ترتيبات الزيارة.
لكن رد ماكرون كان واضحًا أيضًا: العلمانية الفرنسية، بحسب قوله، ليست إنكارًا للدين. وربط الرئيس بين الدفاع عن العلمانية ومكافحة الأعمال المعادية للأديان، مشيرًا إلى أن المسيحيين واليهود والمسلمين جميعًا تعرضوا لمثل هذه الاعتداءات.
وبالتالي، لا يبدو أن الزيارة تهدم العلمانية الفرنسية، وإنما تفتح نقاشًا حول أي علمانية تريدها فرنسا: علمانية تستبعد الدين من المجال العام، أم علمانية تضمن حياد الدولة مع السماح للأديان بالمشاركة في النقاش العام؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي للزيارة.
صدام مع بعض خيارات الجمهورية
في الإليزيه لم يكتف البابا بالحديث عن القيم العامة، بل دخل إلى ملفات فرنسية شديدة الحساسية.
فقد انتقد تأجير الأرحام، والتلاعب الجيني، والاتجار بالأعضاء، وما وصفه بـ"تقديم موت مبرمج"، في إشارة مباشرة إلى قانون المساعدة على الموت الذي أقره البرلمان الفرنسي قبل شهرين. كما أكد أن حماية الحياة في جميع مراحلها تمثل أساسًا للحقوق الإنسانية الأخرى.
وهنا تظهر المفارقة السياسية للزيارة: الجمهورية الفرنسية تستقبل البابا رسميًا، لكنها في الوقت نفسه تسير في ملفات تشريعية تتعارض مع الموقف الأخلاقي الكاثوليكي.
لذلك لا تبدو الزيارة محاولة لإعادة فرنسا إلى دولة كاثوليكية، وإنما محاولة من البابا لإعادة إدخال الصوت الديني والأخلاقي في النقاش حول معنى الإنسان والحرية والتقدم العلمي.
مواجهة القومية والهوية الدينية
الأكثر حساسية سياسيًا هو أن البابا لاون الرابع عشر لم يقدم نفسه باعتباره صوتًا دينيًا يمكن توظيفه بسهولة في خطاب قومي مسيحي.
فالبابا حذر من القومية، ودعا فرنسا وأوروبا إلى التمسك بالحوار والدبلوماسية والتعددية، كما شدد على الحوار بين أصحاب الخلفيات الثقافية والدينية المختلفة.
وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في فرنسا، حيث أصبح جزء من الكاثوليك أكثر انفتاحًا على التصويت لأحزاب اليمين المتطرف، وفق ما رصدته تغطية "لوموند" للزيارة.
وهنا يمكن فهم جانب مهم من رحلة البابالاون الرابع عشر حيث يحاول أن يفصل بين الدفاع عن المسيحية والدفاع عن القومية المسيحية.
وهذا ليس تفصيلًا لاهوتيًا فقط، بل له انعكاس سياسي مباشر في فرنسا.
ماذا يعني ذلك لليمين المتطرف؟
الزيارة تحمل بالنسبة لليمين المتطرف الفرنسي إشارة مزدوجة.
من ناحية، حضور البابا في فرنسا يعيد الدين المسيحي والرموز المسيحية إلى المجال العام بصورة ضخمة، وهو ما يمكن أن تستفيد منه التيارات المحافظة التي ترى المسيحية جزءًا من الهوية التاريخية والثقافية الفرنسية.
ومن ناحية أخرى، فإن مضمون خطاب البابا لاون الرابع عشر لا يتطابق ببساطة مع الخطاب القومي والهوياتي.
فالخطاب البابوي يتحدث عن الوحدة والحوار والتعددية والسلام، ويرفض تحويل الإيمان إلى أداة قومية. كما أن البابا لم يقدم خطابًا يقوم على مواجهة المهاجر أو المسلم باعتباره خصمًا للمسيحية، بل دعا إلى الحوار بين أصحاب الخلفيات الدينية والثقافية المختلفة.
وهذا ما يجعل محاولة توظيف الزيارة سياسيًا أكثر تعقيدًا.
وقد ظهر داخل الوسط الكاثوليكي نفسه جدل حول هذه المسألة. ففي مقال نشرته "لوموند"، انتقد أعضاء من تجمع كاثوليكي ما وصفوه بمحاولات التيارات القومية والهوياتية ربط الكاثوليكية باليمين المتطرف، معتبرين أن تحويل المسيحية إلى هوية قومية يتعارض، من وجهة نظرهم، مع الرسالة الإنجيلية. وهذه رؤية جماعة كاثوليكية محددة وليست موقفًا رسميًا للفاتيكان.
وماذا عن اليسار؟
أما اليسار الفرنسي، فيواجه الزيارة من زاوية مختلفة هي الدفاع عن العلمانية وحدود تدخل المؤسسات الدينية في المجال العام.
واللافت أن بعض المسؤولين المحليين المحسوبين على اليسار تعاملوا مع الزيارة بمنطق "الاستقبال الجمهوري" مع الحفاظ على مسافة رمزية من النشاط الديني.
ففي سان دوني، حيث أقيمت صلاة للشباب في استاد فرنسا، اكتفى رئيس البلدية بالاستقبال الجمهوري قبل الفعالية الدينية، بينما حرص عمدة باريس "إيمانويل غريغوار "على إبراز المسافة بين موقع البلدية والمكان الديني في نوتردام.
وهذا يكشف أن اليسار ليس بالضرورة أمام خيار "رفض البابا أو قبول البابا"، وإنما أمام سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن لدولة علمانية أن تستضيف شخصية دينية عالمية، وتحترم حرية المعتقد، من دون أن تمنح الدين وضعًا مؤسسيًا خاصًا؟
هل تغير الزيارة العلمانية الفرنسية؟
من المبكر القول إن زيارة البابا ستغير العلمانية الفرنسية نفسها.
القانون لم يتغير، والدستور لم يتغير، ومبدأ حياد الدولة تجاه الأديان لم يتغير.
لكن الذي تغير هو مساحة ظهور الدين في النقاش العام
فوجود البابا في الإليزيه، وخطابه أمام المسؤولين، وزيارته لليونسكو، والقداس الجماهيري، والآلاف الذين احتشدوا لاستقباله، كلها تعكس أن المجتمع الفرنسي، رغم عقود من العلمنة، لم يتحول إلى مجتمع خالٍ من الدين أو الرموز الدينية.
والأرقام التي عرضتها وكالة أسوشيتد برس تكشف مفارقة لافتة: الكنيسة الفرنسية تشهد تراجعًا طويل الأمد في الممارسة الدينية، لكن عدد البالغين الذين يعتنقون الكاثوليكية ارتفع بصورة واضحة، إذ تجاوز عدد المعمدين البالغين في عيد الفصح 2026 نحو 13 ألف شخص، بعد أن كان عددهم قد تضاعف أكثر من ثلاث مرات منذ 2016. وفي الوقت نفسه، انخفض إجمالي المعموديات في فرنسا من 513 ألفًا عام 1980 إلى 186 ألفًا في 2024.
إذن نحن أمام تراجع مؤسسي طويل الأمد للكاثوليكية، يقابله تجدد جزئي ومحدود في بعض قطاعات المجتمع
وهذا ربما يفسر الاهتمام الكبير بالبابا رغم علمانية فرنسا.
الرسالة ليست انتخابية
من الخطأ قراءة الرحلة باعتبارها حملة سياسية لصالح اليمين أو اليسار.
فالبابا لاون الرابع عشر لا يدخل الانتخابات الفرنسية، ولا يدعو إلى التصويت لحزب معين. لكنه يدخل مباشرة إلى القضايا التي ستكون جزءًا من المعركة السياسية المقبلة: معنى الحرية، الأسرة، الموت، التكنولوجيا، الهجرة، أوروبا، السلام، القومية، والدين في المجال العام.
واللافت أن برنامجه نفسه يوسع الرسالة بعيدًا عن القضايا الكنسية التقليدية. ففي اليونسكو يتحدث عن الذكاء الاصطناعي والتعليم والثقافة، وفي ميتز يتحدث عن أوروبا والسلام والوحدة، كما يلتقي ممثلين عن أديان مختلفة.
وهنا تتحول الزيارة من "زيارة بابوية لفرنسا" إلى نقاش حول مستقبل الإنسان الأوروبي نفسه
ميتز.. الرسالة الأوروبية الأكبر
اختيار مدينة ميتز في نهاية الرحلة ليس تفصيلًا جغرافيًا.
فالمدينة مرتبطة بروبرت شومان، أحد الآباء المؤسسين للتكامل الأوروبي، وهناك يعقد البابا لقاءً بعنوان "إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة"، إضافة إلى لقاء بين الأديان.
وبذلك ينتقل خطاب البابا لاون الرابع عشر من فرنسا إلى أوروبا.
فبعد أن تحدث في باريس عن الحرية والعلمانية والإنسان والتكنولوجيا، سيصل في ميتز إلى سؤال أوسع: هل تستطيع أوروبا أن تحافظ على مشروع الوحدة في زمن الحرب والاستقطاب القومي وصعود الأحزاب الشعبوية؟
وهذا يتقاطع مع دعوته في الإليزيه إلى عدم اعتبار الحرب أمرًا حتميًا، وإلى الدفاع عن الدبلوماسية والتعددية الأوروبية.
إذن زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى فرنسا لا تعني عودة فرنسا إلى "الماضي الكاثوليكي"، كما أنها لا تعني تراجع العلمانية الفرنسية.
الأدق أنها تكشف تغير العلاقة بين الدين والمجال العام.
فالكنيسة لم تعد تملك النفوذ الاجتماعي الذي كانت تملكه قبل عقود، لكن البابا يستطيع، في المقابل، أن يدخل إلى قلب الجمهورية ويتحدث أمام الرئيس والسلطات والمجتمع المدني، ويطرح أسئلة أخلاقية وسياسية كبرى.
أما بالنسبة إلى اليمين المتطرف، فإن عودة الرموز المسيحية إلى المجال العام يمكن أن توفر له مادة خطابية، لكن رسائل البابا حول التعددية والحوار والسلام ومقاومة القومية تجعل اختزال زيارته في مشروع "هوية مسيحية قومية" أمرًا لا تؤيده تصريحاته التي صدرت حتى الآن.
وبالنسبة إلى اليسار، فالزيارة تضع مفهوم العلمانية أمام اختبار عملي يقول هل العلمانية تعني منع الدين من المجال العام، أم ضمان ألا تتحول الدولة إلى طرف ديني مع الاعتراف بحق المؤمنين في التعبير والمشاركة؟
وربما تكون هذه هي الرسالة السياسية الأهم للزيارة كلها: فرنسا لم تعد دولة كاثوليكية، لكنها أيضًا ليست دولة بلا دين؛ والسؤال الذي تطرحه زيارة البابا هو كيف يمكن للجمهورية العلمانية أن تتعامل مع الدين باعتباره جزءًا من المجتمع، من دون أن تسمح له بأن يصبح جزءًا من سلطة الدولة.
