البابا لاوون الرابع عشر يختتم زيارته التاريخية لفرنسا من ميتز برسالة أوروبية عن السلام والوحدة بحضور ماكرون

الإثنين 28/سبتمبر/2026 - 11:40 ص
طباعة البابا لاوون الرابع حسام الحداد
 
اختتم البابا لاوون الرابع عشر، الاثنين، زيارته إلى فرنسا من مدينة ميتز شمال شرق البلاد. ترأس القداس الختامي في كاتدرائية سانت إتيان، ثم ألقى كلمة عن أوروبا شدد فيها على أهمية دورها، بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون الذي شارك أيضًا في مراسم مغادرة الحبر الأعظم الأراضي الفرنسية. وتتزامن المحطة الختامية مع حرب روسية على أوكرانيا دخلت عامها الخامس، وتنامي التيارات القومية في القارة.
وجاءت هذه المحطة في سياق سياسي حساس، إذ تسبق بنحو سبعة أشهر انتخابات رئاسية في فرنسا تسعى فيها قوى يمينية متطرفة، مشككة في جدوى المؤسسات الأوروبية ومعارضة للهجرة، إلى الوصول إلى السلطة. ولذلك تجاوزت المحطة بعدها الديني، لأنها منحت الزيارة بعدًا دوليًا ورسالة سياسية موجهة إلى القارة عمومًا وإلى الناخب الفرنسي على وجه الخصوص.

ميتز: مدينة تحمل رمزية أوروبية
اختار المنظمون ميتز لتكون ختام الرحلة لأسباب تتصل بتاريخ المشروع الأوروبي. فالمدينة ترتبط باسم روبرت شومان، أحد مؤسسي التكامل الأوروبي، والفاتيكان بدأ مسار تطويبه. وفي مركز المؤتمرات الذي يحمل اسمه، شارك البابا في لقاء متعدد الأديان ضم ممثلين عن اليهودية والإسلام والبروتستانتية وأديان أخرى موجودة في فرنسا، ووُقّع في ختامه إعلان مشترك. كما ألقى كلمته تحت عنوان «عند جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة».
وتقدّم برنامج اليوم بنبرة أكثر دبلوماسية وسياسية من محطات باريس ولورد ذات الطابع الشعبي والديني. فبعد القداس في كاتدرائية سانت إتيان، وهي جوهرة معمارية من الفن القوطي، تنقل البابا بسيارته المكشوفة في شوارع المدينة. وأعاد ماكرون ترتيب جدول أعماله ليتمكن من الجمع بين حضور القداس ومرافقة البابا إلى مراسم الوداع مساءً، بحسب ما أعلن قصر الإليزيه.
وتقدم الإدارة الفرنسية اللقاء بوصفه مناسبة للتأكيد على البناء الأوروبي رمزًا للسلام، وسبق أن دعا ماكرون قادة أوروبيين إلى الاستماع إلى كلمة البابا. غير أن صحيفة «بوليتيكو» نقلت أن قادة ألمانيا وإيطاليا وهولندا والمفوضية الأوروبية رفضوا الدعوة، وربطت ذلك بتوترات داخل الاتحاد حول سياسات الطاقة والهجرة والإنفاق الدفاعي. ولم تتضح من المصادر المتاحة صورة الحضور الأوروبي الفعلي في ميتز.

رسالة أوروبية في زمن الحرب والقومية
يأتي تشديد البابا على دور أوروبا في لحظة تختبر فيها القارة تماسكها. فقد أشارت تقارير إلى أنه كان سيتحدث عن «جذور أوروبا» وأهمية التكاتف، في وقت لا تلوح فيه بوادر لانحسار الحرب في أوكرانيا. ويتقاطع هذا الخطاب مع نداءاته السابقة في فرنسا، إذ دعا الجمعة إلى «مواصلة لعب دور فاعل في دعم السلام والتعددية»، لا سيما في أوروبا.
وكان البابا، وهو أول حبر أعظم أمريكي، قد تناول في كلمته الأولى في قصر الإليزيه قضايا متعددة، منها علاقة العلم والقانون بالحياة والموت، والعلمانية، وسباق التسلح، وتحديات الثورة التكنولوجية. كما أكد موقف الكنيسة الرافض للأسلحة النووية، وقال إنه ينبغي حظرها. وتضع هذه المواقف زيارته في إطار خطاب أخلاقي يتجاوز الحدود الفرنسية.
وتكتسب الرسالة حساسية إضافية بسبب المشهد الداخلي الفرنسي. فالبلاد علمانية ذات جذور كاثوليكية عميقة، ولا يرتاد الكنائس بانتظام سوى نحو 5 في المئة من سكانها، بحسب استطلاع أُجري العام الماضي. كما كرّست الحق في الإجهاض في دستورها وأقرت المساعدة على الموت لبعض المرضى. ولذلك يراقب محللون كيف سيُقرأ خطاب البابا في السياق الانتخابي، وما إذا كانت أطراف سياسية ستوظفه لصالحها.

حصيلة زيارة حاشدة وغير مسبوقة
استمرت الزيارة أربعة أيام، من 25 إلى 28 سبتمبر، وهي أول زيارة بابوية رسمية إلى فرنسا منذ نحو 18 عامًا، وخامس رحلة رسولية للبابا إلى الخارج منذ انتخابه. استقبله ماكرون وزوجته بريجيت في مطار أورلي، وأجريا محادثات مغلقة في الإليزيه. وشملت المحطات زيارة مقر اليونسكو، وصلاة المساء في كاتدرائية نوتردام المعاد ترميمها، ولقاء شبابيًا في ملعب فرنسا حضره نحو 80 ألف شاب، وقداسًا حاشدًا في ساحة الكونكورد بباريس.
وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، احتشد أكثر من 1.3 مليون شخص لتحية البابا في باريس ولورد. وقُدّر عدد المشاركين في قداس باريس بنحو 800 ألف شخص. وانتقل البابا بعد ذلك إلى مزار سيدة لورد، أحد أهم مراكز الحج المسيحي في العالم، حيث غلب الطابع الديني على البرنامج قبل التوجه إلى ميتز.
وجرت الزيارة تحت إجراءات أمنية مشددة شارك فيها نحو 15 ألف شرطي ودركي و17 ألف متطوع، وبلغت كلفتها الإجمالية 27 مليون يورو. وشملت الإجراءات في ميتز عمليات تفتيش واسعة في محيط الكاتدرائية، نُفذت قبيل الزيارة. ومع مغادرة البابا إلى روما، تُغلق صفحة رحلة اجتمع فيها البعدان الديني والسياسي، فيما يبقى أثرها في النقاش الأوروبي والفرنسي رهنًا بما سيتبعها من مواقف.

شارك