اختفاء المسيحيين من فلسطين «خيانة جديدة للمسيح" نداء للمجتمع الدولي
الثلاثاء 13/أكتوبر/2026 - 09:57 ص
طباعة
روبير الفارس
لم يعد خطر تراجع الوجود المسيحي في الأرض المقدسة مجرد مخاوف تثيرها القيادات الكنسية أو نداءات تطلقها المؤسسات المعنية بحماية الأقليات الدينية، بل بات قضية تتصل بمستقبل مدن وبلدات ارتبط تاريخها بالمسيحية منذ نشأتها الأولى. وفي تحذير يحمل دلالات دينية وإنسانية عميقة، وصف غونسالو فيغيريدو دي باروس، الرئيس الفخري لفرسان القبر المقدس في البرتغال، احتمال اختفاء المسيحيين من الأرض التي شهدت ميلاد المسيح وحياته وصلبه وقيامته بأنه «خيانة جديدة للمسيح»، محذرًا من أن استمرار نزيف الهجرة وتدهور الظروف المعيشية والاعتداءات على التجمعات المسيحية يهدد بتحويل الوجود المسيحي في مهد المسيحية إلى مجرد أثر تاريخي.
وفي مقاله، سلط دي باروس الضوء على الأوضاع التي تواجه بلدة الطيبة الفلسطينية، الواقعة شرق رام الله، والتي تُعرف بأنها آخر بلدة في الضفة الغربية ذات غالبية مسيحية خالصة، محذرًا من الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها سكانها وممتلكاتهم، وما تثيره من مخاوف بشأن قدرتهم على البقاء في أرضهم ومواصلة حياتهم بصورة طبيعية وآمنة.
ولا تنبع أهمية قرية الطيبة من موقعها الجغرافي وحده، بل من مكانتها في التاريخ المسيحي؛ إذ ترتبط تقاليدها الدينية بقرية إفرايم الكتابية التي يُعتقد أن المسيح لجأ إليها قبل آلامه. وتضم البلدة كنائس ومواقع تاريخية تشهد على عمق الحضور المسيحي في فلسطين، فيما يمثل استمرار الحياة فيها اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي والمؤسسات الدينية والحقوقية على حماية المجتمعات المحلية وصون تنوعها الديني والثقافي.
وتتجاوز المخاوف المتعلقة بالطيبة حدود الاعتداءات الفردية أو الحوادث الأمنية المنفصلة، لتطرح سؤالًا أوسع عن مستقبل المسيحيين الفلسطينيين في ظل الضغوط التي تواجههم، من تراجع فرص العمل، وصعوبة الحركة، وانكماش النشاط الاقتصادي والسياحي، إلى المخاوف الأمنية التي تدفع بعض العائلات إلى التفكير في الهجرة بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا لأبنائها.
واستند دي باروس إلى أرقام تشير إلى تراجع نسبة المسيحيين في فلسطين من نحو 11% عام 1925 إلى أقل من 1% عام 2025، وإلى انخفاض نسبتهم في بيت لحم من نحو 86% إلى أقل من 8% خلال نحو 75 عامًا. وتعكس هذه الأرقام، وفقًا لما أورده في مقاله، حجم التحولات الديموغرافية التي شهدتها التجمعات المسيحية الفلسطينية على مدار قرن تقريبًا، وإن كانت المقارنة التاريخية الدقيقة تستلزم الانتباه إلى اختلاف الحدود الجغرافية والتعريفات السكانية ومصادر الإحصاء بين الفترات المختلفة.
اعتداءات متكررة تهدد بقاء الطيبة
لم تأتِ تحذيرات دي باروس من فراغ؛ فقد وثّق مجلس بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس، في بيان صدر عقب زيارة تضامنية إلى الطيبة في يوليو 2025، سلسلة من الاعتداءات التي استهدفت البلدة ومحيطها. وأشار البيان إلى إشعال حرائق بالقرب من مقبرة البلدة وكنيسة القديس جاورجيوس الأثرية، التي تعود إلى القرن الخامس، فضلًا عن الاعتداء على منازل وممتلكات، وإلحاق أضرار بالأراضي الزراعية وبساتين الزيتون التي تمثل مصدر رزق لعدد من العائلات
وأعرب رؤساء الكنائس عن قلقهم من تكرار هذه الحوادث، مطالبين السلطات الإسرائيلية بالتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، ومشددين على ضرورة توفير الحماية للسكان وضمان قدرتهم على ممارسة شعائرهم الدينية وزراعة أراضيهم والعيش بأمان.
وفي يوليو من العام نفسه، أدان التحالف الأممي للحضارات التابع للأمم المتحدة الاعتداءات التي استهدفت المجتمع المسيحي الفلسطيني في الطيبة، ومنها رشق المنازل بالحجارة وإحراق مركبات وكتابة عبارات تهديد على الجدران، داعيًا إلى محاسبة المسؤولين وحماية دور العبادة والمواقع التاريخية.
وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة في ضوء التحذيرات الكنسية من أن استمرار الاعتداءات، مع غياب المحاسبة الفعالة، قد يدفع مزيدًا من العائلات إلى مغادرة البلدة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالخسائر المادية الناجمة عن إحراق سيارة أو الاعتداء على منزل، وإنما بما تخلقه هذه الأحداث من شعور دائم بالخوف وانعدام الأمان، وما يترتب عليه من تآكل قدرة المجتمع المحلي على الاستمرار.
وفي أغسطس 2026، نقل موقع «فاتيكان نيوز» عن الأب بشار فوضله، كاهن الرعية اللاتينية في الطيبة، مخاوفه من أن تؤدي الاعتداءات المتكررة ومحاولات الاستيلاء على الممتلكات إلى إجبار عائلات فلسطينية على ترك أراضيها. ودعا الكاهن إلى عدم ترك البلدة تواجه هذه الظروف في صمت، مؤكدًا الحاجة إلى تحرك دولي يحمي سكانها ويدعم استمرار وجودهم.
بيت لحم.. مجتمع يتقلص
لا تقتصر أزمة الوجود المسيحي على الطيبة، بل تمتد إلى بيت لحم، المدينة التي تحتل مكانة مركزية في الذاكرة المسيحية باعتبارها مسقط رأس السيد المسيح وفقًا للتقليد الإنجيلي.
وتعكس التحولات السكانية التي شهدتها بيت لحم خلال العقود الماضية حجم التحديات التي تواجه المسيحيين الفلسطينيين. فالهجرة، وتراجع الفرص الاقتصادية، والقيود المفروضة على الحركة، والأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة، عوامل تتداخل في تشكيل مستقبل السكان، ولا سيما الشباب الذين يواجهون صعوبة في العثور على فرص عمل وبناء حياة مستقرة.
وتنعكس هذه الأزمة بوضوح على السياحة الدينية، التي تمثل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي. فعندما تتراجع أعداد الحجاج والزوار، تتأثر الفنادق والمطاعم والمتاجر والحرف التقليدية، ويصبح الحفاظ على فرص العمل أكثر صعوبة، بما يعمّق دوافع الهجرة ويخلق حلقة متواصلة من التراجع الاقتصادي والديموغرافي.
ومن هنا، فإن حماية الوجود المسيحي لا يمكن أن تقتصر على ترميم الكنائس القديمة أو الحفاظ على المواقع الأثرية، مهما بلغت أهميتها. فالمباني التاريخية تكتسب معناها من الجماعات البشرية التي تحافظ عليها، وتعيش حولها، وتنقل تقاليدها إلى الأجيال الجديدة.
ويؤكد ذلك ما أورده دي باروس في مقاله من أن الأرض المقدسة قد تحتفظ بكنائسها ومزاراتها وحجارتها التاريخية، لكنها ستفقد جانبًا أساسيًا من روحها إذا غادرها المسيحيون الذين يشكلون جزءًا أصيلًا من تاريخها وهويتها.
مسؤولية الكنيسة والمجتمع الدولي
وضع دي باروس حماية المسيحيين في الأرض المقدسة ضمن مسؤولية تتجاوز حدود التضامن الديني، لتشمل الدفاع عن الكرامة الإنسانية والتعددية الثقافية وحق السكان في البقاء بأرضهم. فالمسيحيون الفلسطينيون ليسوا مجرد جماعة تستقبل الحجاج أو تحرس المواقع الدينية، وإنما مواطنون لهم حقوقهم، وتاريخهم الاجتماعي، ومصالحهم الاقتصادية، وتطلعاتهم إلى مستقبل آمن.
وتتطلب مواجهة هذه الأزمة إجراءات عملية، تبدأ بحماية المدنيين والممتلكات ودور العبادة، والتحقيق الجاد في الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها، مرورًا بدعم المؤسسات التعليمية والصحية والمشروعات الاقتصادية المحلية، ووصولًا إلى توفير فرص عمل للشباب تساعدهم على البقاء في مجتمعاتهم بدلًا من اضطرارهم إلى الهجرة.
كما تقع على عاتق الكنائس في العالم مسؤولية تحويل التضامن الروحي إلى دعم مستدام، من خلال مساندة المدارس والمستشفيات والمؤسسات الاجتماعية والمشروعات التي تساعد العائلات على مواصلة حياتها. ولا يقل عن ذلك أهمية تشجيع الحج المسيحي إلى بيت لحم والقدس والبلدات التاريخية الأخرى، في ظروف تسمح بوصول الزوار وتدعم الاقتصاد المحلي، مع مراعاة السلامة والقيود القائمة.
أما المجتمع الدولي، فتتمثل مسؤوليته في الدفاع عن حقوق السكان الفلسطينيين، ومتابعة الانتهاكات التي يتعرضون لها، وضمان عدم الإفلات من المحاسبة، من دون تمييز على أساس الدين أو الهوية. فحماية المسيحيين لا تعني الانتقاص من حقوق أي جماعة أخرى، وإنما تعني تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون وصون حق الجميع في الحياة والأمان والعبادة.
وتظل الطيبة في هذا السياق أكثر من مجرد بلدة صغيرة على الخريطة الفلسطينية؛ إنها اختبار لقدرة العالم على حماية التعددية الدينية في موطن نشأة المسيحية، ولجدية الشعارات التي ترفعها المؤسسات الدولية والكنسية بشأن التعايش والسلام.
«خيانة جديدة للمسيح».. تحذير يتجاوز العبارة الدينية
تبلغ رسالة دي باروس ذروتها عندما يربط اختفاء المسيحيين من الأرض المقدسة بمعنى الخيانة في الذاكرة المسيحية. فالمقارنة التي يستحضرها بين رحيل المسيحيين وخيانة يهوذا ليست مجرد تعبير بلاغي، وإنما محاولة لإيقاظ الضمير الديني والإنساني أمام احتمال أن تتحول الأماكن المرتبطة بحياة المسيح إلى مواقع محفوظة للحج والزيارة، بينما يتراجع حضور الجماعات التي حافظت على تقاليدها فيها عبر قرون طويلة.
ومع ذلك، فإن مستقبل المسيحيين في فلسطين لا يتحدد بعامل واحد، ولا يمكن تفسير تراجع أعدادهم بمجرد الاعتداءات وحدها؛ إذ تتداخل فيه الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن عوامل الهجرة التي شهدتها المنطقة على مدى أجيال. لكن الاعتداءات المتكررة والتهديدات التي تستهدف المنازل والأراضي والمواقع الدينية تضيف أعباء خطيرة إلى واقع يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وانعدام الاستقرار.
لذلك، فإن السؤال الذي يطرحه التحذير ليس ما إذا كانت الكنائس ستظل قائمة، بل ما إذا كان أبناؤها سيتمكنون من البقاء حولها، وتربية أطفالهم، والعمل في أرضهم، وممارسة إيمانهم بحرية وأمان.
فالأرض المقدسة ليست حجارة صامتة ولا مزارات منفصلة عن الحياة؛ إنها أيضًا مجتمعات بشرية تحمل ذاكرتها وتاريخها ولغاتها وتقاليدها. وإذا أُجبرت هذه المجتمعات على الرحيل، فلن يكون الخاسرون المسيحيين وحدهم، بل كل من يؤمن بأن التعددية جزء من هوية المنطقة، وأن حماية التراث الديني تبدأ بحماية الإنسان الذي يمنحه الحياة.
وبين التحذير من «خيانة جديدة للمسيح» والواقع الذي تعيشه الطيبة وبيت لحم، تبرز حقيقة أساسية: إن بقاء المسيحيين في الأرض المقدسة لا تحميه العاطفة وحدها، بل يحتاج إلى أمن وعدالة وفرص اقتصادية وحقوق مضمونة، وإلى إرادة دولية تجعل استمرار الحياة في هذه الأرض ممكنًا، لا مجرد أمنية تُردد في صلوات الحجاج.
