سامية جريج .. راهبة تقاوم هجرة المسيحيين من سوريا بإعادة بناء الإنسان والوطن
الثلاثاء 13/أكتوبر/2026 - 09:58 ص
طباعة
روبيرالفارس
«أنا باقية لأن لديّ رسالة».. بهذه العبارة تختصر الأخت سامية جريج، من رهبانية قلبي يسوع ومريم الأقدسين، فلسفة بقائها في مدينة حمص السورية، حيث أمضت نحو عشرين عامًا في خدمة الأطفال والشباب ذوي الإعاقة، ومساندة العائلات التي أنهكتها الحرب، ومساعدة المحتاجين إلى العلاج والعمل ومقومات الحياة الأساسية.
في مدينة عرفت القصف والدمار والنزوح، واختبرت كيف يمكن للحرب أن تنتزع الإنسان من بيته وذكرياته ومصادر رزقه، اختارت الراهبة أن تكون جزءًا من مقاومة مختلفة؛ لا تحمل سلاحًا، بل تقدم الرعاية، ولا تواجه الخراب بالشعارات، بل تحاول استعادة ما يمكن استعادته من حياة الناس وكرامتهم. وبينما غادر كثيرون سوريا بحثًا عن الأمان والاستقرار، تمسكت هي بالبقاء إلى جوار من لم تسمح لهم ظروفهم بالرحيل، أو الذين اختاروا، رغم كل شيء، التشبث بأرضهم.
لا تختزل حكاية الأخت سامية في عمل خيري تقدمه راهبة لمحتاجين، بل تكشف جانبًا من الدور الذي تؤديه المؤسسات الكنسية في مجتمع أنهكته سنوات الحرب، في وقت يواجه فيه المسيحيون السوريون أزمة تتجاوز الخسائر المادية إلى تقلص أعدادهم، وتشتت عائلاتهم، وتراجع قدرتهم على تصور مستقبل لأبنائهم داخل وطنهم.
«حبة الخردل».. في مواجهة الخراب
أسست الأخت سامية مركز «حبة الخردل» لرعاية الأطفال والشباب ذوي الإعاقة، واضعة احتياجات فئة غالبًا ما تكون الأكثر هشاشة في المجتمعات التي تعيش الحروب والأزمات الاقتصادية في قلب رسالتها. فهذه الفئة لا تحتاج إلى الرعاية الصحية والتأهيل فحسب، وإنما إلى بيئة آمنة، وفرص للتعلم والاندماج، وأسر قادرة على الاستمرار في توفير احتياجاتها رغم ضيق الموارد.
ولم تتوقف رسالتها عند أبواب المركز، إذ امتدت إلى مساندة العائلات المهجّرة ومساعدة بعضها على العودة إلى منازلها، فضلًا عن الإسهام في توفير العلاج للمحتاجين. وفي كل هذه الأنشطة، تتعامل الراهبة مع آثار الحرب باعتبارها معاناة إنسانية متكاملة؛ فالأسرة التي فقدت منزلها تحتاج إلى مأوى، لكنها تحتاج أيضًا إلى مصدر دخل، والطفل الذي فقد إحساسه بالأمان يحتاج إلى الرعاية والاحتواء، والمريض الذي يعجز عن تحمل تكلفة العلاج يحتاج إلى من يساعده على استعادة حقه في الحياة.
غير أن المحطة الأكثر تعبيرًا عن إصرارها جاءت عندما طال القصف ديرها ومركزها، فوجدت نفسها أمام أنقاض المكان الذي كرست سنوات من حياتها لبنائه. كان يمكن للدمار أن ينهي المشروع، أو أن يتحول إلى سبب إضافي للرحيل، لكنها عادت لتبدأ من جديد، مستعينة بما يتاح لها من إمكانات.
وتقول «كل سنة أعيد بناء جزءًا صغيرًا».
قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تختصر واقعًا سوريًا كاملًا؛ فإعادة الإعمار ليست دائمًا مشروعًا ضخمًا تموله المؤسسات والدول، بل قد تبدأ بغرفة تستعيد وظيفتها، أو مركز يعود إلى استقبال أطفاله، أو أسرة تتمكن من الرجوع إلى منزلها. وفي بلد لا تزال فيه آثار الحرب حاضرة في المباني والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، يصبح استمرار مشروع صغير شكلًا من أشكال الدفاع عن حق الناس في البقاء.
من ترميم البيوت إلى ترميم القلوب
في رواية الأخت سامية، لا ينتهي العمل الإنساني عند إصلاح المباني أو توفير المساعدات، بل يمتد إلى استعادة الإنسان إحساسه بقيمته وقدرته على مواصلة الحياة. وتبرز هذه الفلسفة في قصة أرملة فقدت زوجها ومنزلها خلال الحرب، فساعدتها الراهبة على إيجاد عمل يعيد إليها الاستقلال والكرامة والرغبة في الحياة.
وتلخص الأخت سامية هذه الرؤية بقولها: «أحيانًا يكون منح الرجاء أعظم من تقديم الأشياء المادية».
تكشف هذه التجربة عن أحد أعمق آثار الحروب، وهو أن الخسارة لا تقتصر على الممتلكات والأرواح، بل تمتد إلى الثقة بالمستقبل، وإلى شعور الإنسان بأنه لم يعد قادرًا على التحكم في مصيره. ومن هنا، يصبح توفير فرصة عمل أو مساعدة أسرة على العودة إلى منزلها عملًا يتجاوز قيمته المادية، لأنه يعيد بناء الصلة بين الإنسان ومجتمعه.
وهذا الدور مهم بصورة خاصة في حمص، التي عانت من دمار واسع ونزوح طويل خلال سنوات الصراع. فإعادة السكان إلى منازلهم لا تعني بالضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها؛ إذ يحتاج الاستقرار إلى خدمات صحية وتعليمية، وفرص عمل، وأمن يسمح للأسر بالتخطيط لمستقبل أبنائها.
وتؤكد بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن محافظة حمص ما زالت تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين داخليًا، رغم عودة مئات الآلاف من النازحين واللاجئين إلى المحافظة منذ ديسمبر 2024، وفق بيانات الأمم المتحدة المنشورة في عام 2026.
في هذا السياق، يمثل استمرار المؤسسات الكنسية في تقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية عنصرًا من عناصر صمود المجتمعات المحلية، سواء كانت مسيحية أو مسلمة، ويمنح الأسر التي فقدت مصادر رزقها فرصة لإعادة تنظيم حياتها بعيدًا عن الاعتماد الدائم على المساعدات.
الوجود المسيحي في سوريا.. خطر التفريغ
تكتسب تجربة الأخت سامية دلالة أوسع عند وضعها في سياق التراجع الكبير الذي أصاب الوجود المسيحي في سوريا منذ اندلاع الحرب عام 2011. فالمسيحيون السوريون، الذين شكلوا أحد المكونات التاريخية الأساسية للمجتمع السوري، تعرضوا، شأنهم شأن بقية السكان، لآثار الحرب والدمار والنزوح، لكن الهجرة الواسعة أدت إلى تقلص أعدادهم بصورة تهدد استمرار بعض مجتمعاتهم المحلية.
وقبل الحرب، كانت تقديرات عديدة تضع نسبة المسيحيين عند نحو 10% من سكان سوريا. أما التقديرات اللاحقة فتختلف بصورة كبيرة؛ إذ أشار تقرير لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء صدر في يوليو 2025 إلى تقديرات تتحدث عن انخفاض النسبة إلى نحو 2%، أي قرابة 300 ألف شخص، بينما قدّرت منظمة «الأبواب المفتوحة» عدد المسيحيين المتبقين بنحو 579 ألفًا في يناير 2025. ولا توجد إحصاءات رسمية حديثة تحسم العدد الفعلي للمسيحيين المقيمين في البلاد.
ويعكس هذا التفاوت صعوبة إجراء إحصاء دقيق بعد سنوات من النزوح والهجرة وتشتت الأسر، لكنه لا يلغي حقيقة التراجع الكبير الذي تعرضت له الجماعات المسيحية.
ولم تكن الهجرة نتيجة عامل واحد، بل تداخلت فيها أسباب متعددة، في مقدمتها الحرب وفقدان الأمان وتدهور الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالحريات الدينية ومستقبل الأقليات في البلاد. كما ساهمت خسارة الوظائف والمنازل، وتعطل المؤسسات التعليمية والخدمية، في دفع عائلات كثيرة إلى البحث عن حياة أكثر استقرارًا في لبنان وأوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها من الوجهات.
وفي مارس 2024، حذرت مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» الكاثوليكية من أن الهجرة الجماعية تهدد مستقبل المسيحيين في سوريا، مشيرة إلى أن الفقر والتضخم وتداعيات سنوات الحرب من أبرز العوامل التي تدفع السكان إلى المغادرة.
وتكمن خطورة هذا النزيف السكاني في أن هجرة الأفراد تتحول تدريجيًا إلى تفكك للمجتمعات المحلية؛ فعندما ترحل العائلات الشابة، تتراجع أعداد الأطفال في المدارس، وتتقلص فرص استمرار بعض الأنشطة الكنسية والاجتماعية، ويزداد العبء على كبار السن الذين يبقون خلفهم. ومع مرور الوقت، قد تجد قرى وأحياء ذات جذور مسيحية عريقة نفسها أمام واقع ديموغرافي مختلف تمامًا.
وهكذا، لا يتعلق الأمر فقط بتراجع عدد المسيحيين، بل باحتمال فقدان جزء من التنوع التاريخي والثقافي والديني الذي ميز سوريا لقرون طويلة.
ما بعد سقوط الأسد..
لم يؤدِّ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى اختفاء المخاوف التي تعيشها الأقليات الدينية. فمع الانتقال السياسي، برزت أسئلة جديدة حول قدرة السلطات الانتقالية على ضمان الأمن، وحماية حرية العبادة، ومنع الاعتداءات الطائفية، وتوفير ضمانات قانونية متساوية لجميع المواطنين.
وقد وثقت تقارير دولية حوادث استهدفت مسيحيين وممتلكاتهم ورموزهم الدينية. وكان الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في حي الدويلعة بدمشق، في 22 يونيو 2025، من أكثر الحوادث دموية، إذ أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 25 شخصًا وإصابة العشرات. وأثار الاعتداء مخاوف واسعة بشأن أمن الكنائس والمصلين ومستقبل التعايش الديني.
وفي محافظة حمص ومحيطها، أوردت تقارير أيضًا حوادث اعتداء وتهديد طالت مسيحيين وممتلكاتهم، وإن كانت دوافع الحوادث تختلف من حالة إلى أخرى، ولا يمكن افتراض أن كل جريمة تقع بحق مسيحيين تستند بالضرورة إلى دافع ديني.
وفي المقابل، تشير تقارير بريطانية رسمية إلى أن السلطات الجديدة اتخذت إجراءات لحماية بعض المواقع والاحتفالات المسيحية، وأعلنت التزامها بحماية الأقليات، لكنها لم تنجح في منع جميع الاعتداءات أو إزالة مخاوف قطاعات من المجتمع المسيحي
وهذا التمييز ضروري لفهم الأزمة بعيدًا عن التعميم؛ فمستقبل المسيحيين لا يتوقف على حادثة واحدة أو موقف سياسي منفرد، بل على قدرة الدولة على فرض القانون، ومحاسبة المعتدين، وضمان المساواة في الحقوق، وإتاحة المجال لجميع المكونات الدينية للمشاركة في بناء مستقبل البلاد.
كما أن توفير الحماية الأمنية وحده لا يكفي لإقناع المسيحيين بالبقاء إذا ظلت فرص العمل محدودة، وتكاليف المعيشة مرتفعة، والخدمات الأساسية متدهورة. فالأمان شرط للبقاء، لكنه ليس الشرط الوحيد؛ إذ يحتاج الشباب إلى مستقبل يستطيعون فيه تأسيس أسر، والحصول على التعليم والعمل، والمشاركة في الحياة العامة دون خوف أو تمييز.
هل تستطيع الكنيسة مواجهة الهجرة؟
تضع هذه الظروف الكنائس السورية أمام تحدٍّ يتجاوز أداء الشعائر الدينية والحفاظ على المباني التاريخية. فالمطلوب بات يشمل تقديم المساعدات الإنسانية، ودعم التعليم والصحة، ومساندة الأسر الفقيرة، وخلق فرص اقتصادية تتيح للشباب البقاء في وطنهم.
ومن هنا تبرز أهمية تجربة الأخت سامية جريج؛ فمركز «حبة الخردل» لا يواجه آثار الحرب على الأشخاص ذوي الإعاقة فحسب، بل يقدم نموذجًا لمؤسسة محلية تحاول حماية الفئات الأكثر هشاشة من العزلة والتهميش. كما أن مساعدة العائلات على استعادة منازلها وأعمالها تساهم في إعادة بناء الروابط الاجتماعية التي مزقتها الحرب.
لكن من المهم ألا يُحمَّل العمل الكنسي وحده مسؤولية وقف الهجرة. فالمبادرات الفردية والمؤسساتية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع تعويض غياب الاستقرار الاقتصادي أو توفير الخدمات العامة على نطاق وطني. كما لا يمكن مطالبة المسيحيين بالبقاء بدافع الانتماء الديني وحده، إذا كانوا عاجزين عن تأمين حياة كريمة لأبنائهم.
إن حماية الوجود المسيحي تتطلب، إلى جانب العمل الإنساني، سياسات عامة تضمن الأمن والمواطنة المتساوية، وتعيد بناء الاقتصاد، وتحمي الممتلكات، وتوفر فرصًا حقيقية للعمل والتعليم. وتتطلب كذلك من المجتمع الدولي دعم إعادة الإعمار على نحو لا يقتصر على ترميم الحجر، بل يمتد إلى استعادة المؤسسات والخدمات ومقومات العيش الكريم.
فالمسيحي الذي يغادر سوريا لا يفعل ذلك دائمًا بسبب الخوف من الاضطهاد الديني؛ فقد يرحل لأنه لا يجد وظيفة، أو لأنه يريد تعليمًا أفضل لأطفاله، أو لأنه فقد منزله ولم يعد قادرًا على إصلاحه. ولذلك فإن مواجهة الهجرة تقتضي فهم أسبابها المتشابكة، بدل اختزالها في تفسير واحد.
البقاء بوصفه شهادة.. لا بديلًا عن العدالة
تقول الأخت سامية إنها باقية لأنها تحمل رسالة. لكن قيمة هذه الرسالة لا تكمن في تمجيد البقاء لذاته، أو اعتبار الهجرة تخليًا عن الوطن، بل في إظهار ما يمكن أن يفعله الإنسان حين يقرر ألا يترك المتألمين وحدهم.
فهي لا تستطيع بمفردها إعادة المسيحيين الذين غادروا سوريا، ولا وقف التراجع الديموغرافي، ولا إنهاء الأزمة الاقتصادية، لكنها تستطيع أن تمنح أطفالًا فرصة للرعاية، وأسرةً فرصة للعودة، وأرملةً فرصة لاستعادة كرامتها، ومجتمعًا محليًا سببًا إضافيًا للتمسك بالحياة.
وفي بلد ما زال يواجه تحديات الانتقال السياسي وإعادة الإعمار، يصبح هذا العمل جزءًا من معركة أوسع لاستعادة الثقة بالمستقبل. فكل منزل يعود إليه أصحابه، وكل طفل يحصل على الرعاية، وكل شاب يجد فرصة للعمل، يمكن أن يمثل خطوة صغيرة نحو مجتمع أقل هشاشة وأكثر قدرة على الصمود.
وتظل الرسالة الأهم أن الحفاظ على المسيحيين في سوريا لا يتحقق بمجرد دعوتهم إلى التمسك بأرضهم، بل بتهيئة الظروف التي تجعل البقاء خيارًا ممكنًا وكريمًا. فالأوطان لا تحتفظ بأبنائها بالشعارات، وإنما بالعدالة والأمان والعمل والحرية.
من حمص، حيث تعود الأخت سامية كل عام لترميم جزء صغير مما دمرته الحرب، تخرج حكاية تتجاوز حدود العمل الخيري إلى سؤال مصيري: كيف يمكن إنقاذ مجتمع من التفكك حين يفقد أبناؤه الأمل في المستقبل؟
قد لا تملك الراهبة إجابة سياسية أو اقتصادية شاملة، لكنها تقدم إجابة إنسانية واضحة: أن يبدأ التغيير بمن بقي، وأن تُصان كرامة من يحتاج إلى المساعدة، وأن يصبح الرجاء ممارسة يومية لا مجرد كلمة.
غير أن مسؤولية تحويل هذا الرجاء إلى مستقبل مستدام لا تقع على عاتق الراهبات والكنائس وحدها؛ إنها مسؤولية الدولة والمجتمع والمؤسسات الدولية أيضًا. فإعادة بناء سوريا لن تكتمل ما لم يشعر جميع أبنائها، مسيحيين ومسلمين، بأن لهم مكانًا آمنًا فيها، وأن بوسعهم أن يعيشوا ويعملوا ويصنعوا مستقبل أبنائهم دون أن يضطروا إلى الاختيار بين كرامتهم وبلدهم.
