تمتد من سويسرا إلى الفاتيكان.. للذكري ال 500لنهب روما

الثلاثاء 13/أكتوبر/2026 - 10:01 ص
طباعة تمتد من سويسرا إلى روبير الفارس
 
احتفالات 

يستعد الحرس السويسري البابوي لإحياء الذكرى الخمسمائة لأحداث «نهب روما» عام 1527، من خلال برنامج تذكاري يمتد على مدار عام 2027، ويجمع بين المؤتمرات التاريخية والاحتفالات الدينية والعروض الفنية، تحت شعار «قيم تدوم: الولاء والموثوقية والاحترافية والتضامن».

وتستعيد المناسبة واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخ الحرس، عندما سقط 147 من أفراده خلال دفاعهم عن البابا كليمنت السابع، بينما تمكن 42 حارسًا من مرافقته إلى بر الأمان في قلعة سانت أنجلو، بعد اجتياح القوات المهاجمة مدينة روما في 6 مايو 1527.

ووفق البرنامج الذي أعلنه الحرس، تنطلق الفعاليات في 23 يناير 2027 بمدينة بريغ السويسرية، من خلال مؤتمر للمؤرخين وإصدار مطبوعة بحثية تتناول الظروف السياسية والعسكرية والدينية المحيطة بأحداث تلك الفترة، وتداعياتها، وكيفية تشكل الذاكرة التاريخية المرتبطة بها. كما يشارك الحرس في مهرجان الربيع التقليدي بمدينة زيورخ بين 16 و19 أبريل، قبل أن تنتقل الاحتفالات إلى الفاتيكان خلال الفترة من 5 إلى 7 مايو، وتتضمن قداسًا في كاتدرائية القديس بطرس، وعروضًا فنية ضوئية، وعرضًا أول لفيلم عن الحرس، ومراسم لتكريم القتلى.

كما يتضمن البرنامج حجًا وطنيًا للحراس السابقين في مدينة أينزيدلن السويسرية في 4 سبتمبر 2027، في إطار استعادة الروابط التاريخية بين الحرس ووطنه الأم، والتأكيد على استمرارية تقاليد الخدمة والولاء عبر خمسة قرون. 

  معركة الدفاع عن البابا

تعود جذور الحرس السويسري البابوي إلى عام 1506، عندما استدعى البابا يوليوس الثاني نحو 150 جنديًا سويسريًا للخدمة في روما، مستفيدًا من سمعتهم العسكرية وانضباطهم في المعارك الأوروبية. ومنذ ذلك الحين، تولت هذه القوة مهام حماية البابا ومقره، لتصبح إحدى أقدم المؤسسات العسكرية التي لا تزال تعمل بصورة متواصلة حتى اليوم.

لكن أحداث عام 1527 هي التي رسخت مكانة الحرس في الذاكرة التاريخية للكنيسة الكاثوليكية، بعدما وجد أفراده أنفسهم في مواجهة قوات مهاجمة تفوقهم عددًا، في معركة لم يكن هدفها المعلن إسقاط البابا وحده، بل جاءت ضمن صراع أوسع على النفوذ والسيطرة في إيطاليا. 
ففي النصف الأول من القرن السادس عشر، كانت إيطاليا ساحة تنافس بين فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة بقيادة الإمبراطور شارل الخامس. وكان البابا كليمنت السابع قد انضم إلى تحالف سياسي وعسكري عُرف باسم «عصبة كونياك»، سعيًا إلى الحد من نفوذ الإمبراطور وحماية استقلال الدولة البابوية.
ومع تصاعد الصراع، تحركت قوات إمبراطورية تضم جنودًا إسبانًا وألمانًا وإيطاليين باتجاه روما. وكانت تلك القوات تعاني أزمات مالية وتأخرًا في دفع الرواتب، الأمر الذي ساهم في انهيار الانضباط العسكري وتحول الهجوم إلى أعمال نهب واسعة.
وفي صباح 6 مايو 1527، اقتحمت القوات المدينة، وقُتل قائدها شارل الثالث، دوق بوربون، خلال الهجوم، لكن مقتله لم يوقف تقدم الجنود. وسرعان ما اجتاحت أعمال القتل والنهب أحياء روما، وطالت الكنائس والمباني الدينية والقصور ومنازل السكان، في واحدة من أكثر الكوارث دموية في تاريخ المدينة خلال عصر النهضة.

 147 حارسًا ضحوا بحياتهم 

وسط انهيار الدفاعات، خاض الحرس السويسري معركته الأشهر دفاعًا عن البابا كليمنت السابع. وبينما كانت القوات المهاجمة تتقدم نحو الفاتيكان، قاتل أفراد الحرس لإتاحة الفرصة أمام البابا للفرار إلى قلعة سانت أنجلو المحصنة.
واستخدم البابا والحراس ممرًا محصنًا يُعرف باسم «باسيتو دي بورغو»، يبلغ طوله نحو 800 متر، ويربط الفاتيكان بالقلعة. وتمكن 42 حارسًا من مرافقته عبر الممر، فيما قُتل 147 من رفاقهم خلال المواجهة.

ولم يتمكن الحرس من منع سقوط المدينة أو وقف عمليات النهب، لكنه نجح في تأمين وصول البابا إلى ملاذ آمن، في مهمة أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من هويته وتقاليده. أما كليمنت السابع، فظل محاصرًا في القلعة، واضطر لاحقًا إلى التفاوض مع القوات الإمبراطورية والقبول بشروط قاسية.

ولم تكن الكارثة مقتصرة على الخسائر البشرية؛ فقد تعرضت روما لدمار واسع، وفقدت مؤسسات دينية وثقافية مقتنيات ثمينة، كما تركت الأحداث أثرًا عميقًا في العلاقة بين البابوية والإمبراطورية، وفي المشهد السياسي الإيطالي والأوروبي. 

 قيم الأسلاف لا تزال توجه الحرس

قال العقيد كريستوف غراف، قائد الحرس السويسري البابوي، إن نهب روما عام 1527 يمثل أحد أكثر الأحداث تحديدًا لملامح تاريخ المؤسسة، موضحًا أن العام التذكاري يستعيد استعداد الأسلاف للتضحية، ويؤكد أن القيم التي جسدوها لا تزال توجه مهمة الحرس في خدمة البابا.
وتعكس هذه التصريحات رغبة المؤسسة في ربط تاريخها العسكري بمهمتها المعاصرة، التي تشمل حماية البابا وتأمين مقره ومرافقة تحركاته، إلى جانب المشاركة في المراسم الرسمية والدينية للفاتيكان.
كما تسعى الاحتفالات إلى تعزيز معرفة الأجيال الجديدة بتاريخ الحرس وتشجيع الشبان السويسريين على الالتحاق به، فضلًا عن إبراز الروابط التاريخية بين سويسرا والكرسي الرسولي.
ومن المقرر أن تشهد الاحتفالات الرئيسية في الفاتيكان قداسًا في كاتدرائية القديس بطرس، وإزاحة الستار عن لوحة تذكارية للقتلى، ومراسم أداء المجندين الجدد قسم الولاء في ساحة القديس بطرس، إلى جانب عرض فني ضوئي للفنان السويسري غيري هوفشتتر.
ويحمل اختيار السادس من مايو دلالة خاصة؛ إذ يؤدي المجندون الجدد قسم الولاء في هذا اليوم من كل عام، تخليدًا لذكرى الحراس الذين سقطوا عام 1527، وهو تقليد يربط أفراد الحرس الحاليين بأسلافهم الذين واجهوا الموت دفاعًا عن البابا.
وبعد مرور خمسة قرون، لا تقتصر أهمية الذكرى على استعادة ملحمة عسكرية، بل تمتد إلى قراءة مرحلة تاريخية تداخلت فيها الصراعات السياسية والدينية، وأظهرت كيف يمكن للحروب أن تدمر المدن وتطال المؤسسات الدينية والثقافية وسكانها.
وبينما يستعد الفاتيكان وسويسرا لإحياء هذه المناسبة، يعود الحرس السويسري إلى واحدة من أكثر صفحات تاريخه قسوة، مستحضرًا تضحيات 147 من أفراده، ومؤكدًا أن الولاء والانضباط والاستعداد للخدمة لا تزال تمثل ركائز هويته بعد خمسة قرون على أحداث غيرت مسار تاريخ روما.

شارك