منظمات كنسية تدعم المشروعات الصغيرة لإنقاذ العائلات المسيحية في سوريا من الفقر والهجرة
الإثنين 19/أكتوبر/2026 - 11:05 ص
طباعة
روبير الفارس
لم يكن يحلم بأكثر من عمل يؤمّن له لقمة العيش، ويفتح أمامه الطريق للزواج وتأسيس عائلة. لكن الظروف الاقتصادية الصعبة في سوريا وقفت حائلًا بينه وبين حلمه، إلى أن حصل على مساعدة من كاريتاس بولندا، مكّنته من افتتاح ورشة لتصليح السيارات. ومع تحسن دخله وقدرته على توفير حياة مستقرة، وافقت أسرة الفتاة على زواجهما، لتتحول مساعدة مالية محدودة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف.
هذه القصة واحدة من ثمار برنامج «عائلة لعائلة»، الذي أطلقته كاريتاس بولندا عام 2016 استجابة للاحتياجات الإنسانية المتفاقمة في سوريا، قبل أن يتوسع ليشمل لبنان وفلسطين وأوكرانيا. وخلال عشر سنوات، قدم البرنامج الدعم لنحو 60 ألف عائلة، وساهم في إنشاء أكثر من ألفَي مشروع صغير، في محاولة لنقل الأسر المحتاجة من دائرة الاعتماد المستمر على المساعدات إلى القدرة على كسب عيشها بكرامة.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على توفير مصدر دخل، بل تمتد إلى مساعدة الشباب على الزواج، وتمكين الأسر من إعالة أطفالها، وإعادة بناء الثقة بالمستقبل، في وقت أصبحت فيه الظروف المعيشية أحد أبرز العوامل التي تدفع السوريين إلى مغادرة بلادهم.
المشروعات الصغيرة.. طريق لاستعادة الكرامة
يقوم برنامج «عائلة لعائلة» على تقديم مساعدات مالية منتظمة للأسر الأكثر احتياجًا، مع تخصيص منح للمشروعات العائلية الصغيرة التي يمكن أن توفر دخلًا مستدامًا. وتشمل هذه المساعدات شراء المعدات والأدوات والمواد اللازمة للعمل، أو توفير التمويل لافتتاح مشروع جديد أو استئناف نشاط تجاري توقف بسبب الحرب والأزمة الاقتصادية.
وتتولى مؤسسات محلية، من بينها مركز الرجاء المسيحي في سوريا، تنفيذ جانب من هذه البرامج، بالتعاون مع الرعايا والكنائس التي تعرف أوضاع العائلات واحتياجاتها. وتتيح هذه الآلية توجيه المساعدات إلى الأسر الأكثر احتياجًا، مع مراعاة ظروف كل عائلة وقدرتها على إدارة مشروع منتج.
وبحسب بيانات كاريتاس بولندا المنشورة في أكتوبر 2026، استمر 86% من المشروعات العائلية الصغيرة المدعومة في سوريا في العمل، وهو مؤشر على أهمية الانتقال من المساعدات الاستهلاكية وحدها إلى الاستثمار في مصادر الدخل المحلية.
كما أفادت المؤسسة بأن 97% من الأسر السورية المستفيدة من برنامجها من المسيحيين، ما يعكس الدور الذي تؤديه المبادرة في دعم هذه الأقلية التي تضررت بشدة من الحرب والفقر والهجرة.
تراجع الوجود المسيحي.. أزمة تتجاوز الأرقام
تكتسب هذه البرامج أهمية إضافية في ظل الانخفاض الكبير في أعداد المسيحيين في سوريا. فوفقًا لتقديرات أوردتها كاريتاس بولندا في أكتوبر 2026، تراجعت أعدادهم من نحو 1.1 مليون شخص عام 2015 إلى قرابة 300 ألف حاليًا.
ويعكس هذا التراجع آثار سنوات الحرب، والنزوح، والانهيار الاقتصادي، والهجرة، إلى جانب المخاوف الأمنية التي واجهتها بعض المجتمعات المسيحية. ولا يمكن إرجاع هذا الانخفاض إلى عامل واحد، كما أن تقدير أعداد السكان في بلد شهد موجات واسعة من النزوح والهجرة يظل صعبًا في ظل غياب إحصاء شامل حديث.
لكن المؤكد أن استمرار الفقر وانعدام فرص العمل يهددان بقاء كثير من العائلات، ولا سيما الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام خيارين صعبين: البقاء في ظروف لا تتيح لهم تأسيس حياة مستقرة، أو الهجرة بحثًا عن فرص أفضل.
ومن هنا، تصبح مساعدة شاب على افتتاح ورشة أو تمكين أسرة من تطوير مشروع منزلي أكثر من مجرد عمل خيري؛ إنها محاولة للإبقاء على حياة اجتماعية واقتصادية قابلة للاستمرار، والحفاظ على ارتباط العائلات بأحيائها وكنائسها ومجتمعاتها التاريخية.
منظمات كنسية أخرى
إلى جانب كاريتاس بولندا، تعمل مجموعة من المؤسسات الكنسية والدينية على مساعدة العائلات السورية، سواء من خلال تمويل المشروعات الصغيرة أو توفير الخدمات الأساسية والتدريب وفرص العمل.
أولًا: مؤسسة عون الكنيسة المتألمة
تُعد مؤسسة عون الكنيسة المتألمة، المعروفة اختصارًا باسم ACN، من أبرز المؤسسات الكاثوليكية التي تدعم المسيحيين في سوريا. وتقدم المساعدات للكنائس المحلية، وتساهم في تمويل المشروعات الصغيرة، وإعادة تشغيل الأنشطة التجارية التي توقفت بسبب الحرب، إلى جانب دعم الاحتياجات الأساسية والرعاية الصحية والتعليم.
وفي دمشق، دعمت المؤسسة مركزًا للمشروعات الصغيرة في منطقة باب توما، يتيح للعائلات التقدم للحصول على تمويل لبدء أعمال جديدة أو استعادة مشروعاتها المتضررة. وتشمل المساعدة توفير المعدات والتدريب اللازمين لإطلاق النشاط الاقتصادي.
وتستند هذه المبادرات إلى فكرة أن استمرار الوجود المسيحي لا يعتمد على المساعدات الطارئة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى فرص حقيقية للعمل والإنتاج وتوفير الدخل.
ثانيًا: مؤسسة الشرق الفرنسية
تؤدي مؤسسة «الشرق» الفرنسية، المعروفة باسم L’Œuvre d’Orient، دورًا في دعم مسيحيي الشرق الأوسط، ومن بينهم المسيحيون السوريون. وتشمل أنشطتها دعم المؤسسات الكنسية والتعليمية والصحية والاجتماعية، ومساندة العائلات المتضررة من الأزمات.
كما تعاونت المؤسسة مع جهات كنسية أخرى في دعم مركز الرجاء المسيحي في سوريا، الذي يقدم منحًا للمشروعات الصغيرة ويساعد الأسر على إعادة إطلاق أنشطتها الاقتصادية.
وتكتسب هذه الشراكات أهمية خاصة لأنها تجمع التمويل الدولي بالمعرفة المحلية التي تمتلكها الكنائس والمؤسسات العاملة داخل سوريا.
ثالثًا: الرابطة الكاثوليكية للشرق الأدنى والرسالة البابوية
تعمل الرابطة الكاثوليكية للشرق الأدنى، المعروفة باسم CNEWA، بالتعاون مع الرسالة البابوية في الشرق، على دعم المجتمعات السورية عبر شبكة من الكنائس والمؤسسات المحلية.
وتشمل برامجها توفير الرعاية الصحية، ومساعدة الأطفال والأسر الفقيرة، ودعم التعليم والأنشطة الرعوية، إلى جانب إيجاد فرص للعمل وتوليد الدخل للأشخاص الذين فقدوا مصادر رزقهم، ومنهم أصحاب المشروعات الصغيرة والمزارعون الذين تضررت أراضيهم خلال الحرب.
وتتميز هذه البرامج بارتباطها باحتياجات المجتمعات المحلية، إذ تعمل المؤسسة من خلال شركاء كنسيين ومؤسسات صحية وتعليمية في مناطق متعددة من سوريا.
رابعًا: خدمة اليسوعيين للاجئين
تقدم خدمة الرهبان اليسوعيين للاجئين، المعروفة باسم JRS، برامج إنسانية واجتماعية في سوريا ودول أخرى في المنطقة، تشمل التعليم، والدعم النفسي والاجتماعي، والرعاية الصحية، وبناء قدرات المجتمعات المتضررة.
كما تعمل الخدمة على دعم سبل العيش والتدريب المهني، بما يساعد الأفراد والأسر على تطوير مهاراتهم وتحسين فرص حصولهم على العمل والدخل.
ورغم أن عملها لا يقتصر على المسيحيين، فإن برامجها تستهدف الفئات الأكثر احتياجًا، بمن فيهم النازحون والمجتمعات المحلية المتضررة من الحرب.
خامسًا: كاريتاس سوريا والكنائس المحلية
تؤدي كاريتاس سوريا والكنائس المحلية دورًا أساسيًا في تقديم المساعدات الإنسانية للعائلات المتضررة، من خلال توزيع المساعدات الأساسية، ودعم المرضى وكبار السن والأطفال، والتعاون مع المؤسسات الدولية في تنفيذ المشروعات الاجتماعية والاقتصادية.
وتبرز أهمية الكنائس المحلية في قدرتها على التواصل المباشر مع العائلات، وتحديد احتياجاتها، ومتابعة أوضاعها. كما تتيح الشراكة بين المؤسسات المحلية والجهات الدولية توجيه التمويل إلى مشروعات تتناسب مع طبيعة الاقتصاد المحلي وقدرات المستفيدين.
المساعدة التي تمنح الناس سببًا للبقاء
على الرغم من أهمية هذه المبادرات، فإن حجم الاحتياجات في سوريا يتجاوز قدرة أي مؤسسة منفردة على الاستجابة. فالمشروعات الصغيرة تحتاج إلى بيئة اقتصادية تسمح باستمرارها، وأسواق قادرة على استيعاب منتجاتها وخدماتها، وتوافر الكهرباء والمواد الخام والقدرة الشرائية.
كما أن التمويل وحده لا يكفي في جميع الحالات؛ إذ تحتاج بعض الأسر إلى التدريب والإرشاد، بينما تحتاج أخرى إلى مساعدات مباشرة لتجاوز الاحتياجات العاجلة قبل أن تصبح قادرة على بدء مشروع اقتصادي.
ومع ذلك، تقدم تجربة «عائلة لعائلة» نموذجًا مهمًا للمساعدة التي لا تكتفي بتخفيف المعاناة الآنية، بل تسعى إلى معالجة أحد أسبابها الأساسية، وهو غياب مصدر دخل مستقر.
فورشة تصليح السيارات التي ساعدت شابًا على الزواج وتأسيس عائلة، ليست مجرد قصة نجاح فردية؛ إنها مثال على كيف يمكن لمبلغ مالي موجّه بعناية أن يغير مسار حياة كاملة.
وفي بلد يواجه أزمة اقتصادية واجتماعية ممتدة، يصبح توفير فرص العمل للشباب، ومساندة العائلات، ودعم المؤسسات التعليمية والصحية، جزءًا من الجهود الرامية إلى الحفاظ على التنوع التاريخي والديني في سوريا.
إن مساعدة المسيحيين على البقاء في أرضهم لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بمجرد الدعوات إلى وقف الهجرة، بل تحتاج إلى توفير الظروف التي تسمح لهم بالعمل والزواج وتربية الأبناء وبناء مستقبل آمن.
وهنا تكمن القيمة الأعمق للمبادرات الكنسية: أن تتحول المحبة إلى فرصة عمل، والمساعدة إلى استقلال، والتضامن إلى قدرة حقيقية على الحياة. فحين يستطيع شاب أن يفتح ورشته، ويؤسس عائلته، ويعيش من عمله، لا تكون الكنيسة قد ساعدت فردًا واحدًا فحسب، بل تكون قد ساهمت في الحفاظ على أسرة ومجتمع وذاكرة إنسانية متجذرة في أرضها.
