الطيبة تحت تهديد المستوطنين.. اعتداءات جديدة تستهدف بقاء الوجود المسيحي في فلسطين
الثلاثاء 20/أكتوبر/2026 - 10:32 ص
طباعة
روبيرالفارس
لم تعد الاعتداءات التي يتعرض لها أهالي بلدة الطيبة الفلسطينية تقتصر على المزارعين الذين يحاولون الوصول إلى أراضيهم وقطف الزيتون، بل باتت تهدد شعورهم بالأمان وحقهم في البقاء على أرضهم، في ظل تصاعد عنف المستوطنين والضغوط التي تواجهها التجمعات الفلسطينية، بما فيها التجمعات المسيحية الصغيرة في الضفة الغربية.
وجاء الاعتداء على وفد يضم دبلوماسيين أوروبيين ورئيس بلدية فرنسية، خلال مشاركته أهالي البلدة في موسم قطف الزيتون، ليعيد تسليط الضوء على أوضاع الطيبة، التي تُعد آخر بلدة في الضفة الغربية ذات غالبية مسيحية واضحة، وعلى المخاوف المتزايدة من أن تؤدي الاعتداءات المتكررة والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين والوصول إلى الأراضي الزراعية إلى إضعاف الوجود المسيحي التاريخي في المنطقة.
ووفقًا للتفاصيل الواردة بشأن الحادث، هاجم مستوطنون ملثمون الوفد وهدّدوا رئيس أساقفة كامبراي، المطران فنسان دولمان، ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص وتحطيم زجاج مركبة دبلوماسية. كما تعرّض مزارعون فلسطينيون للضرب، بينهم سيدة مسنّة ورجل أُصيب في رأسه.
وتكتسب الواقعة خطورة إضافية لأنها حدثت في حضور دبلوماسيين ورجال دين وصحفيين، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الأهالي على حماية أنفسهم والوصول إلى أراضيهم، حتى في ظل وجود شهود دوليين.
وقال كاهن رعية الطيبة، الأب بشار فواضلة، إن ما حدث «ليس حادثًا معزولًا، بل يمثّل تصعيدًا مقلقًا للغاية في عنف المستوطنين»، متسائلًا عن الحماية المتاحة للعائلات والمزارعين الفلسطينيين إذا كانت الاعتداءات تقع بحضور ممثلين دبلوماسيين ورجال دين وصحفيين. وشدد على أنه لا ينبغي لأحد أن يتعرض للاعتداء لمجرد قطف الزيتون من أرضه.
وتتجاوز دلالة هذا الاعتداء حدود حادث أمني خلال موسم زراعي؛ إذ تمثل الأرض بالنسبة إلى أهالي الطيبة مصدرًا للرزق، وجزءًا من هويتهم العائلية والتاريخية، وركيزة أساسية لاستمرار مجتمع مسيحي ارتبط وجوده بالبلدة عبر أجيال طويلة.
الطيبة.. بلدة مسيحية تواجه العزلة والخوف
تقع الطيبة شمال شرقي رام الله، وتُعرف بأنها آخر بلدة فلسطينية في الضفة الغربية لا يزال سكانها من المسيحيين بالكامل، وفق تقارير كنسية وحقوقية. ويُقدّر المجلس العالمي للكنائس عدد سكانها بنحو 1200 نسمة، بعدما بلغ عددهم قرابة 3000 نسمة خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهو تراجع يعكس التحولات السكانية والاقتصادية التي شهدتها البلدة على مدى عقود.
ولا تقتصر أهمية الطيبة على كونها تجمعًا سكانيًا مسيحيًا؛ فهي بلدة ذات جذور تاريخية ودينية عميقة، يرتبط اسمها في التقليد المسيحي ببلدة أفرايم المذكورة في إنجيل يوحنا، التي لجأ إليها السيد المسيح قبل آلامه. وتضم البلدة بقايا كنيسة القديس جاورجيوس القديمة، المعروفة محليًا باسم كنيسة الخضر، إلى جانب كنائس تخدم تقاليد مسيحية متعددة، بينها الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك واللاتين.
لكن هذا الإرث الديني والتاريخي يواجه اليوم تحديات تتجاوز صعوبة الحياة في ظل الاحتلال، لتشمل الاعتداءات على الممتلكات والأراضي الزراعية والمواقع الدينية، وسط مخاوف من أن تتحول الضغوط الأمنية والاقتصادية إلى عامل يدفع مزيدًا من السكان إلى مغادرة البلدة.
اعتداءات متكررة
لم يكن الاعتداء الأخير على الوفد الأوروبي واقعة منفصلة عن سلسلة من الحوادث التي شهدتها الطيبة خلال الفترة الماضية. ففي عام 2025، أبلغ سكان ورجال دين عن اقتحامات واعتداءات وإشعال حرائق قرب منازل البلدة ومحيط كنيسة القديس جاورجيوس التاريخية، فضلًا عن تهديدات طالت السكان وممتلكاتهم.
وفي مارس 2026، تحدثت تقارير كنسية عن تصاعد الاقتحامات في محيط البلدة، بما شمل منشآت اقتصادية في أطرافها الغربية، الأمر الذي أثار مخاوف من اتساع نطاق الضغط على الأراضي والمرافق التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.
وتكتسب الاعتداءات على الأراضي الزراعية أهمية خاصة في مجتمع يعتمد جانب من سكانه على الزراعة، وفي مقدمتها زراعة الزيتون. فحرمان المزارع من الوصول إلى أرضه لا يعني خسارة موسم واحد فحسب، بل قد يؤدي إلى تراجع دخل الأسرة، وإهمال الأشجار، وفقدان القدرة على التمسك بأرض تنتقل ملكيتها عبر الأجيال.
كما أن تكرار الاعتداءات يخلق مناخًا من الخوف يجعل بعض العائلات تتردد في التوجه إلى الأراضي الواقعة في المناطق الأكثر تعرضًا للخطر. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتراكم الخسائر الاقتصادية والنفسية لتصبح عاملًا إضافيًا في قرارات الهجرة أو الانتقال إلى مناطق أخرى.
إغلاق البلدة وقيود الوصول إلى الأراضي
من التطورات التي أثارت قلق السكان ما أوردته تقارير في أغسطس 2026 عن إعلان الجيش الإسرائيلي الطيبة منطقة عسكرية مغلقة أمام غير المقيمين، بعد تصاعد الاعتداءات التي استهدفتها. وقالت مصادر كنسية ومحلية إن القيود أثرت في وصول الزوار والصحفيين والحجاج إلى البلدة، كما زادت صعوبة وصول السكان إلى أراضيهم الزراعية.
وتثير هذه الإجراءات مفارقة أساسية: فبينما يُفترض أن تكون حماية السكان من الاعتداءات أولوية، يخشى الأهالي أن تؤدي القيود المفروضة على الحركة إلى زيادة عزلتهم، وإضعاف التواصل مع العالم الخارجي، وتقليص الدعم الذي يمكن أن توفره الزيارات الكنسية والدبلوماسية والإعلامية.
وفي تقرير نشرته «فاتيكان نيوز» تحدث ناشط مسيحي فلسطيني عن تعذر وصول السكان إلى مساحات واسعة من أراضيهم، في الوقت الذي يستمر فيه المستوطنون في التحرك داخل المنطقة. وأشار التقرير إلى أن موسم قطف الزيتون أصبح، للعام الرابع على التوالي، مصدر قلق متكرر لسكان الطيبة بسبب صعوبة الوصول الآمن إلى أشجارهم
ولا تتعلق المسألة هنا بحق المزارعين في جني محصولهم فحسب، بل بقدرتهم على مواصلة حياتهم الطبيعية في قريتهم، والوصول إلى أعمالهم ومنازلهم وممتلكاتهم من دون الخوف من الاعتداء.
لماذا يهدد العنف استمرار الوجود المسيحي؟
تواجه الطيبة تحديًا مركبًا؛ فهي جزء من المجتمع الفلسطيني الذي يعاني آثار الاحتلال والقيود على الحركة والضغوط الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه تمثل تجمعًا مسيحيًا صغيرًا يحمل إرثًا دينيًا وثقافيًا لا يمكن فصله عن تاريخ فلسطين.
وقد حذّر الأب بشار فواضلة، كاهن الرعية اللاتينية في البلدة، في تصريحات سابقة، من أن استمرار انعدام الأمن قد يدفع العائلات إلى التفكير في الرحيل، مؤكدًا أن الخوف بات جزءًا من الحياة اليومية للسكان. كما تحدث عن اعتداءات طالت الممتلكات، وحرائق، وتهديدات للعائلات، وصعوبات في وصول العمال إلى أماكن عملهم.
وتتضح خطورة هذه الأوضاع عند النظر إلى محدودية عدد السكان. فحين يغادر عدد من الأسر بلدة صغيرة كهذه، لا تكون الخسارة سكانية فقط، بل تمتد إلى المدارس والكنائس والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وإلى الروابط العائلية التي تمنح المجتمع قدرته على الاستمرار.
وتشكل الهجرة المسيحية من فلسطين قضية أوسع من الطيبة وحدها. فالمسيحيون الفلسطينيون يواجهون، إلى جانب الضغوط المرتبطة بالاحتلال والعنف، تحديات اقتصادية ومهنية وتعليمية تدفع بعضهم إلى البحث عن فرص في الخارج. ولا يمكن إرجاع كل حالات الهجرة إلى الاعتداءات وحدها، لكن تصاعد العنف وانعدام الشعور بالأمان يضيفان عاملًا ضاغطًا إلى ظروف معيشية صعبة أصلًا.
ومن هنا، فإن حماية الوجود المسيحي في الطيبة لا تعني التعامل مع السكان باعتبارهم أقلية دينية فحسب، بل ضمان حقوقهم بوصفهم فلسطينيين، وحماية أراضيهم ومنازلهم ومؤسساتهم الدينية، وصون حقهم في العيش والعمل بحرية وأمان.
الكنائس تحذر
تحتل الكنائس موقعًا محوريًا في الدفاع عن الطيبة، ليس فقط بسبب دورها الروحي، بل أيضًا لارتباطها المباشر بحياة السكان اليومية. فالكنائس المحلية ومؤسساتها التعليمية والاجتماعية تمثل مراكز تجمع ودعم للعائلات، فيما تسهم المواقع التاريخية في إبقاء ذاكرة البلدة حاضرة لدى الحجاج والمهتمين بتاريخ المسيحية في الأرض المقدسة.
وقد أثارت الاعتداءات التي طالت محيط كنيسة القديس جاورجيوس التاريخية في 2025 قلقًا بشأن سلامة التراث المسيحي في البلدة، بينما حذرت تقارير كنسية لاحقة من أن استمرار الاعتداءات على الأراضي والممتلكات قد يهدد قدرة المجتمع على البقاء.
ولا تنفصل حماية هذه المواقع عن حماية أصحابها؛ فالحفاظ على كنيسة تاريخية لا يكتمل إذا فقدت البلدة العائلات التي تتوارث تقاليدها وتحيي مناسباتها وتعتني بمبانيها. كما أن بقاء المجتمع المسيحي لا يمكن ضمانه عبر المناشدات الروحية وحدها، من دون إجراءات فعلية تكفل الأمن والحقوق الاقتصادية والقانونية.
الاعتداء على الدبلوماسيين..
يمثل الاعتداء الأخير على الوفد الأوروبي تطورًا لافتًا، لأنه وقع في حضور ممثلين دبلوماسيين ورجال دين، واستهدف أيضًا رئيس بلدية فرنسية ورئيس أساقفة كامبراي المطران فنسان دولمان. ووفق تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» في 17 أكتوبر 2026، تعرّض أعضاء الوفد للاعتداء أثناء مغادرتهم المنطقة بعد مشاركتهم السكان في قطف الزيتون، كما حطم المهاجمون زجاج مركبة دبلوماسية.
وأثارت الواقعة إدانات أوروبية، فيما جددت بلجيكا الدعوة إلى اتخاذ إجراءات ضد المستوطنين المتورطين في أعمال العنف. ويضع هذا الاعتداء السلطات الإسرائيلية أمام مسؤولية ضمان حماية المدنيين والتحقيق في الحوادث ومحاسبة المسؤولين عنها، بدلًا من الاكتفاء بالإدانات العامة.
وفي 18 أكتوبر 2026، زار دبلوماسيون أمريكيون البلدة للقاء المجتمع المسيحي المحلي، في خطوة تعكس استمرار الاهتمام الدولي بما يجري فيها
لكن الأهالي يحتاجون إلى ما هو أبعد من الزيارات التضامنية: حماية فعلية للمزارعين، وضمان وصولهم إلى أراضيهم، ومحاسبة المعتدين، وصون الكنائس والممتلكات، وإتاحة المجال أمام السكان لمواصلة حياتهم من دون تهديد أو ترهيب.
الطيبة.. قضية تتجاوز حدود البلدة
إن ما يجري في الطيبة يطرح سؤالًا جوهريًا بشأن مستقبل الوجود المسيحي الفلسطيني في الأرض التي شهدت نشأة المسيحية وانتشارها. فالمجتمع الذي حافظ على هويته وكنائسه وتقاليده عبر أجيال طويلة يواجه اليوم تحديات قد تؤثر في قدرته على البقاء إذا استمرت الاعتداءات والقيود الاقتصادية والأمنية.
ولا ينبغي اختزال القضية في صراع ديني بين المسيحيين واليهود؛ فالمسيحيون في الطيبة جزء من الشعب الفلسطيني، وما يتعرضون له يرتبط بسياق أوسع من الاحتلال والاستيطان والعنف الذي يطال الفلسطينيين. غير أن خصوصية البلدة تجعل تداعيات هذه الاعتداءات أكثر خطورة على مجتمع صغير يمثل أحد المكونات التاريخية للمسيحية في فلسطين.
إن الدفاع عن الطيبة هو دفاع عن حق سكانها في أرضهم، وعن حرية العبادة، وعن التراث المسيحي الفلسطيني، وعن مبدأ أساسي يتمثل في ألا يُجبر إنسان على مغادرة موطنه بسبب الخوف أو الاعتداء أو العجز عن الوصول إلى مصدر رزقه.
فإذا كانت بلدة ارتبط اسمها في الذاكرة المسيحية بأفرايم، المكان الذي لجأ إليه المسيح، تواجه اليوم خطر العزلة وفقدان الأمان، فإن المسؤولية لا تقع على الكنائس وحدها، بل تشمل الحكومات والمؤسسات الدولية والهيئات الحقوقية التي تستطيع تحويل التضامن إلى إجراءات ملموسة.
إن الخطر الحقيقي على الطيبة لا يتمثل فقط في اعتداء جديد أو شجرة زيتون تُحرق، بل في أن تتراكم هذه الاعتداءات حتى يصبح الرحيل، بالنسبة إلى العائلات، خيارًا يبدو أقل خطرًا من البقاء. وعندها لن تخسر فلسطين مجرد بلدة صغيرة، بل ستخسر جزءًا حيًا من تاريخها المسيحي وهويتها الثقافية المتعددة.
