مؤتمر «المسيحيون تحت التهديد» في فيينا.. تحذيرات من تراجع الوجود المسيحي في سوريا

الثلاثاء 20/أكتوبر/2026 - 10:35 ص
طباعة مؤتمر «المسيحيون روبيرالفارس
 



سلّط مؤتمر سياسي وحقوقي استضافته العاصمة النمساوية فيينا الضوء على التحديات التي تواجه المسيحيين في سوريا، في ظل التراجع الحاد في أعدادهم، والمخاوف المتعلقة بمستقبل وجودهم التاريخي، داعيًا إلى مواجهة الاضطهاد الديني بوضوح، وتعزيز حماية الأقليات الدينية وصون حقها في ممارسة شعائرها والحفاظ على هويتها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «OE24» النمساوية، كتب  الصحفي رودولف براير، عُقد المؤتمر تحت عنوان «المسيحيون تحت التهديد» في مبنى بلدية فيينا، بتنظيم من حزب الشعب النمساوي، وبمشاركة أكثر من 200 شخص، بينهم ممثلون عن الكنائس والمؤسسات السياسية والمنظمات الحقوقية والإنسانية، في لقاء استهدف تسليط الضوء على أوضاع المسيحيين الذين يواجهون مخاطر أمنية ودينية، سواء في بلدانهم الأصلية أو في سياق اللجوء والهجرة.

تراجع ديموغرافي ومخاوف على المستقبل

كانت أوضاع المسيحيين السوريين من أبرز الملفات التي ناقشها المؤتمر، في ضوء الانخفاض الكبير في نسبتهم من إجمالي السكان خلال السنوات الماضية، نتيجة تداعيات الحرب والنزوح والهجرة، إلى جانب المخاوف الأمنية التي دفعت أعدادًا كبيرة منهم إلى مغادرة البلاد.
وألقى متحدث مسيحي سوري كلمة رئيسية خلال المؤتمر، فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، حذّر فيها من خطورة التحولات التي يشهدها الوجود المسيحي في سوريا. ووفقًا للأرقام التي عرضها، كانت نسبة المسيحيين تتراوح بين 10 و12% من السكان قبل عام 2011، لكنها تراجعت اليوم إلى ما بين 3 و4%.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب الطرح الذي قُدّم خلال اللقاء، حجم التحديات التي تواجه واحدة من أقدم الجماعات المسيحية في الشرق الأوسط، والتي ارتبط تاريخها الاجتماعي والثقافي والديني بتاريخ سوريا على مدى قرون طويلة.
ولا تقتصر تداعيات هذا التراجع على انخفاض أعداد المسيحيين فحسب، بل تمتد إلى مستقبل الكنائس والمؤسسات التعليمية والاجتماعية، واستمرار المجتمعات المحلية التي شكّلت جزءًا من النسيج التاريخي للبلاد. كما يثير النزوح المستمر تساؤلات بشأن قدرة العائلات التي غادرت سوريا على العودة، وإمكانات إعادة بناء حياة مستقرة في مناطقها الأصلية.
وحذّر المتحدث السوري كذلك من أن التسامح الزائف لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتنازل عن الهوية أو التخلي عن نمط الحياة والقيم التي تتمسك بها الجماعات المسيحية. وجاء هذا التحذير في سياق التأكيد على أن حماية التعددية الدينية لا تتحقق بمجرد القبول الشكلي بوجود الأقليات، وإنما تتطلب ضمان حقوقها الفعلية، واحترام خصوصيتها الدينية والثقافية، وتأمين مشاركتها المتكافئة في المجتمع.


دعوة إلى الاستفادة

وشهد المؤتمر مشاركة الأب نقولا، ممثل الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية، الذي دعا النمسا إلى الاستفادة من تجربة مسيحيي الشرق الأوسط، محذرًا من تكرار الأخطاء التي أسهمت في تدهور أوضاعهم في بلدانهم الأصلية.
وتحمل هذه الدعوة بُعدًا يتجاوز الحالة السورية، إذ تطرح تساؤلات بشأن كيفية تعامل المجتمعات الأوروبية مع قضايا الاندماج والتعددية الدينية، وسبل حماية حرية المعتقد دون أن يتحول الاندماج إلى ضغط على اللاجئين للتخلي عن هويتهم الدينية والثقافية.
كما شارك في اللقاء عدد من منسقي الكونجرس المسيحي السوري في النمسا، الذين يعملون على إيصال صوت المسيحيين السوريين إلى المؤسسات السياسية والإعلامية الأوروبية، والتعريف بالتحديات التي تهدد استمرار وجودهم التاريخي في وطنهم.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية في ظل سعي ممثلي الجاليات المسيحية السورية في أوروبا إلى نقل مخاوف أبناء طائفتهم إلى دوائر صنع القرار، والدفع نحو سياسات أكثر فاعلية في الدفاع عن حرية الدين والمعتقد، ومساندة المجتمعات التي تواجه التهديدات والتمييز.

 حماية اللاجئين وحرية المعتقد

وشدد عدد من ممثلي حزب الشعب النمساوي المشاركين في المؤتمر على ضرورة تسمية اضطهاد المسيحيين باسمه، وعدم التعامل مع الانتهاكات التي تستهدفهم باعتبارها قضايا هامشية أو مجرد تداعيات عامة للصراعات السياسية.
كما أكدوا أهمية حماية المسيحيين الذين لجؤوا إلى النمسا هربًا من الاضطهاد، وضمان حريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية، والحفاظ على تقاليدهم وهويتهم، بما يتفق مع مبادئ حرية المعتقد وحقوق الإنسان.
ويعكس هذا الطرح محاولة للربط بين مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الأقليات داخل بلدانها الأصلية، ومسؤوليته تجاه الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة أوطانهم بحثًا عن الأمن والاستقرار.
غير أن التحدي لا يقتصر على توفير الحماية القانونية للاجئين، بل يشمل أيضًا تهيئة الظروف التي تسمح لهم بالعيش بكرامة، وممارسة معتقداتهم بحرية، والاندماج في المجتمع الجديد من دون التعرض للتمييز بسبب خلفياتهم الدينية.

 مخاوف تتجاوز حدود المؤتمر

وتأتي التحذيرات التي شهدها مؤتمر فيينا في وقت لا تزال فيه أوضاع المسيحيين في سوريا تثير قلقًا دوليًا. وتشير بيانات محدثة نشرتها دائرة التوثيق والمعلومات التابعة للمكتب الاتحادي النمساوي للهجرة واللجوء إلى أن تقديرات أعداد المسيحيين في سوريا انخفضت من نحو 2.2 مليون شخص قبل عام 2011 إلى قرابة 300 ألف وفق تقديرات حديثة، مع اختلاف الأرقام بحسب المصادر 
كما وثّقت تقارير حديثة حوادث عنف استهدفت مناطق ذات غالبية مسيحية. ففي 7 أكتوبر 2026، حذّرت منظمة «الأبواب المفتوحة» الكاثوليكية من تصاعد الشعور بالخطر لدى المسيحيين في مدينة السقيلبية بريف حماة، عقب هجمات مسلحة طالت منازل ومتاجر مسيحية، مشيرة إلى أن المنطقة شهدت اعتداءات متكررة خلال العام نفسه.
وتؤكد هذه التطورات أن المخاوف التي طُرحت في فيينا ليست مرتبطة بالماضي وحده، بل تتصل أيضًا بقدرة الدولة السورية على توفير الأمن لجميع المواطنين، ومنع الاعتداءات ذات الدوافع الدينية، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم تحول الانتماء الديني إلى عامل يهدد حياة الأفراد أو يدفعهم إلى الهجرة.
وفي هذا السياق، تظل حماية المسيحيين السوريين مرتبطة بإرساء دولة القانون والمواطنة المتساوية، وضمان حرية العبادة، وحماية الكنائس والممتلكات، وإتاحة المجال أمام جميع المكونات الدينية للمشاركة في الحياة العامة من دون خوف أو تمييز.
ويعيد مؤتمر «المسيحيون تحت التهديد» طرح سؤال أساسي بشأن مستقبل التعددية الدينية في الشرق الأوسط: هل يمكن الحفاظ على الوجود المسيحي التاريخي من خلال التعهدات وحدها، أم أن الأمر يتطلب إجراءات ملموسة تضمن الأمن والحقوق وتوقف نزيف الهجرة؟
وبين التحذيرات التي أطلقها المشاركون في فيينا والواقع الذي تعيشه المجتمعات المسيحية في سوريا، تبرز الحاجة إلى تحويل التضامن السياسي والإعلامي إلى خطوات عملية تحمي المدنيين، وتدعم بقاء المجتمعات المسيحية في مناطقها الأصلية، وتصون حقها في أن تكون جزءًا من مستقبل بلادها، لا مجرد شاهد على تاريخها.

شارك