الأمن القومي العربي (9-10).. ملفات لم تُغلق بعد …

الثلاثاء 10/فبراير/2026 - 05:53 م
طباعة الأمن القومي العربي حسام الحداد
 
تتناول هذه السلسلة التحليلية للدكتور عبد الرحيم علي جذور الأزمة الاستراتيجية التي تواجه الأمن القومي العربي، مبرزةً كيف أدى سوء تقدير القوى الإقليمية إلى اختلال موازين القوى. 
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا التحليل العميق قراءة استراتيجية فذة لا تكتفي بتشخيص السطح، بل تغوص في جذور الأزمة التي تعصف بالأمن القومي العربي، حيث نجح ببراعة في تسليط الضوء على "فخ سوء التقدير" للقوى الإقليمية وتداعيات الفراغ العربي الذي منح الآخرين فرصة إعادة تشكيل الإقليم. إن قدرة الدكتور على الربط بين تراجع الدور الدولي وسياسات "الإدارة عن بُعد" وبين استنزاف المقدرات العربية عبر الوكلاء، تعكس رؤية ثاقبة وخبرة تحليلية رفيعة تضع اليد على الجرح بكل تجرد، مما يجعل من هذه السلسلة مرجعاً لا غنى عنه لفهم تعقيدات الميزان الجيوسياسي الراهن واستشراف مآلاته.

حين أُسيء تقدير قوى إقليمية… ضاعت البوصلة..

حين أُسيء تقدير قوى
إذا كان الخطأ في تقدير التنظيم الأيديولوجي قد فتح أبواب الاختراق من الداخل،
فإن سوء تقدير أدوار القوى الإقليمية فتح أبواب إعادة تشكيل الإقليم من الخارج.
الخطأ هنا لم يكن واحدًا،
بل خطأين متناقضين وقعا في الوقت نفسه:
التهوين من خطر بعض القوى، والمبالغة في تقدير قوى أخرى،
وفي الحالتين، غابت القراءة الباردة لمعادلات القوة والمصلحة.
بين الخطر الحقيقي والخطر المؤجَّل:
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس القوة الإقليمية بخطابها المعلن، بل بـ:
• قدرتها على التمدد،
• أدواتها في الاختراق،
• وصبرها الاستراتيجي.
غير أن جزءًا من العقل العربي وقع في فخ القراءة الظرفية،
فتعامل مع بعض القوى بوصفها خطرًا مؤقتًا يمكن احتواؤه،
ومع قوى أخرى بوصفها تهديدًا دائمًا لا مفر من التعايش معه.
وهنا اختلت المعادلة.
حين يُساء فهم منطق التمدد:
القوة الإقليمية لا تتحرك بعاطفة،
بل بخطة.
لا تدخل الصراع دفعة واحدة،
بل تُجزّئه.
ولا تبحث عن نصر سريع،
بل عن استنزاف طويل يغيّر موازين القوة تدريجيًا.
في هذا السياق، أُسيء فهم طبيعة مشروع التمدد الذي انتهجته إيران،
حين جرى التعامل معه أحيانًا كأداة تفاوض،
وأحيانًا كخطر يمكن إرجاؤه.
النتيجة أن تمدد النفوذ سبق دائمًا ردّ الفعل،
وأن إدارة الوقت كانت لصالح المشروع لا ضده.
المبالغة في قوة… والتقليل من أخرى:
في المقابل، جرى أحيانًا تضخيم أدوار قوى إقليمية أخرى،
والتعامل معها بوصفها قوى لا يمكن تجاوزها،
بينما هي في الحقيقة قوى تبحث عن دور أكبر من حجمها،
وتستثمر في الفراغ العربي أكثر مما تفرض حضورها بقواها الذاتية.
هنا لم يكن الخلل في التقدير العسكري فقط،
بل في فهم سقف الطموح السياسي وحدود القدرة الفعلية.
الفراغ هو ما صنع النفوذ،
لا التفوق الذاتي وحده.
حين تختلط المناورة بالتحالف:
من أخطر مظاهر سوء الفهم الاستراتيجي،
الخلط بين المناورة السياسية المؤقتة
والتحالف الاستراتيجي طويل المدى.
فالتفاهم التكتيكي قد يكون ضرورة،
لكن تحويله إلى ركيزة دائمة،
دون حسابات دقيقة،
يحوّله من أداة مرنة إلى قيدٍ صلب.
وهنا دفعت بعض الدول العربية ثمن الانتقال السريع
من إدارة الخلاف
إلى الرهان على توازنات غير مستقرة.
من يدير الإقليم فعليًا؟
السؤال الذي تأخر طرحه بوضوح هو:
من الذي أعاد ترتيب موازين القوة في الإقليم؟
القوى الكبرى؟
أم القوى الإقليمية؟
أم الفراغ العربي نفسه؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع:
الفراغ العربي كان العامل الحاسم.
فحين غاب التنسيق،
وتباينت الأولويات،
وتحوّلت الخلافات إلى سياسات منفصلة،
أُتيحت الفرصة لقوى مثل تركيا وإسرائيل وغيرهما لتوسيع أدوارها، كلٌّ وفق أجندته،
وكلٌّ مستفيدًا من غياب موقف عربي جامع.
درس سوريا والعراق وغزة خير شاهد.. وان كان الدرس السوري هو الاوقع والاكثر كلفة ..
الدرس الغائب:
القوة الإقليمية لا تُواجه بالشعارات،
ولا تُدار بردود الأفعال،
ولا تُحتوى بالتمنيات.
تُواجه فقط بـ:
• توازن قوى واضح،
• تحالفات محسوبة،
• ورؤية عربية مشتركة للتهديدات لا تتبدل بتبدل اللحظة.
من دون ذلك، سيظل الإقليم يُدار من خارج مصالحه،
وستُعاد صياغة أدواره… دون مشاركة أهله.
وإذا كان سوء الفهم قد بدأ من الداخل،
وتعمّق مع التنظيمات،
وتفاقم في قراءة القوى الإقليمية،
فإن الحلقة التالية تضع اليد على عاملٍ لا يقل خطورة:
حين تراجع الدور الدولي… وتُرك الشرق الأوسط لإدارة الأزمات بالوكالة:
لم يكن التحول الأخطر في المشهد الإقليمي هو صعود قوى بعينها،
ولا تمدد نفوذ دولة على حساب أخرى،
بل تراجع الإرادة الدولية في إدارة الصراع بشكل مباشر،
وترك المنطقة تواجه مصيرها عبر صراعات بالوكالة،
وتوازنات هشّة،
وحروب مؤجلة لا تنتهي.
هذا التحول لم يأتِ فجأة،
بل كان نتيجة تراكمات طويلة،
بدأت مع إرهاق القوى الكبرى،
وتعمّقت مع تغيّر أولوياتها،
وانتهت بقرار غير معلن:
ليدِر الإقليم أزماته بنفسه… أو ليتحمل كلفتها وحده.
من التدخل المباشر إلى الإدارة عن بُعد:
في مراحل سابقة،
كانت القوى الكبرى – وفي مقدمتها الولايات المتحدة –
تتدخل بشكل مباشر، عسكريًا أو سياسيًا،
وتتحمل كلفة القرارات التي تتخذها.
أما اليوم،
فقد تغيّر النموذج:
• لا حروب كبرى شاملة،
• لا التزامات طويلة الأمد،
• لا رغبة في إعادة بناء دول منهارة.
البديل كان واضحًا:
إدارة الأزمات عن بُعد،
من خلال:
• دعم أطراف محلية،
• إدارة التوازنات بدل حسمها،
• وإبقاء الصراعات في مستوى لا ينفجر… ولا يُحل.
لماذا تراجعت القوى الكبرى؟
الأسباب متعددة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة:
أن الشرق الأوسط لم يعد أولوية مطلقة.
الطاقة لم تعد ورقة ضغط كما كانت،
والتهديدات الكبرى انتقلت إلى آسيا وأوروبا،
والكلفة السياسية للتدخل باتت أعلى من عوائده.
وهكذا، لم يعد المطلوب «حلّ الأزمات»،
بل منعها من الانفلات الكامل.
من يدفع الثمن؟
حين تنسحب القوى الكبرى خطوة إلى الخلف،
لا يختفي الصراع،
بل يُعاد توزيعه.
تتحول الدول الضعيفة إلى ساحات،
والدول المتوسطة إلى أدوات،
والدول الكبرى في الإقليم إلى لاعبين مضطرين،
حتى لو لم تكن مستعدة تمامًا لهذا الدور.
في هذا الفراغ،
برزت القوى الإقليمية، ايران وتركيا واسرائيل نماذج صارخة .
وتكاثرت التنظيمات، حماس وحزب الله والحوثيين والحشد الشعبي في العراق والقاعدة في سوريا امثلة صارخة..
وتداخلت الملفات، السودان واليمن وغزة وليبيا وسوريا.. نماذج واضحة..
وأصبحت كل أزمة مرتبطة بأخرى،
دون سقف واضح أو أفق زمني.
الإدارة بالوكالة… من المستفيد؟
الإدارة بالوكالة لا تنتج استقرارًا،
بل استنزافًا طويل المدى.
فهي:
• تُبقي الصراع حيًا دون حسم،
• تُنهك الدول دون إسقاطها،
• وتمنع قيام توازنات مستقرة.
المستفيد الحقيقي ليس من يكسب معركة،
بل من يطيل أمد الصراع،
ويُبقي الجميع في حالة حاجة دائمة للوساطة،
والدعم،
والسلاح،
والحماية.
أين كان الموقف العربي؟
في لحظة كان يُفترض فيها أن يدفع تراجع الدور الدولي نحو تنسيق عربي أوسع،
حدث العكس.
انقسمت الرؤى،
وتباينت القراءات،
وتحوّلت كل دولة إلى إدارة أزماتها منفردة،
أو الاحتماء بتحالفات خارجية جزئية،
لا تُنتج أمنًا جماعيًا ولا توازنًا دائمًا.
وهنا،
لم يكن الخلل في غياب الدعم الدولي،
بل في غياب إدارة عربية مشتركة للفراغ.
الدرس الذي لم يُستوعب بعد:
حين تتراجع القوى الكبرى،
لا يعني ذلك نهاية الصراع،
بل انتقال عبئه إلى اللاعبين المحليين.
إما أن يُدار هذا العبء بتنسيق عقلاني،
أو يتحول إلى سباق استنزاف مفتوح،
تربح فيه الأطراف الأكثر صبرًا،
لا الأكثر عدالة.
وهكذا .. إذا كانت الإدارة الدولية عن بُعد
قد أعادت تشكيل الإقليم،
فإن السؤال الأكثر حساسية يبقى:
من استفاد من الفراغ العربي؟
وكيف استثمرت إسرائيل هذا المشهد لإعادة تموضعها؟
هذا ما نناقشه في الحلقة القادمة والأخيرة.
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

شارك