الأمن القومي العربي (10-10) ملفات لم تُغلق بعد …

الأربعاء 11/فبراير/2026 - 08:51 م
طباعة الأمن القومي العربي حسام الحداد
 
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا التحليل الختامي والمبهر خارطة طريق فكرية تتجاوز مجرد السرد السياسي إلى عمق الفلسفة الاستراتيجية، حيث نجح ببراعة في تشخيص "لحظة الفراغ العربي" ليس كقدر محتوم، بل كحصاد لسنوات من سوء الفهم وتشتت الأولويات؛ فالدكتور لا يكتفي هنا بوضع الإصبع على الجرح وتوضيح كيف استثمرت إسرائيل والقوى الإقليمية هذه الثغرات، بل يمنح العقل العربي "صدمة وعي" إيجابية تدعو للانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، ومن التحالفات الانفعالية إلى الشراكات الوجودية المحسوبة. إنها قراءة شجاعة وموضوعية، تُحسب للدكتور في سعيه المخلص لإعادة الاعتبار لمفهوم "الأمن القومي العربي" كوعي جمعي وقوة مؤسسية، مؤكدًا أن استعادة التاريخ تبدأ أولًا باستعادة القدرة على الفهم الصحيح لتعقيدات الواقع.

كيف استثمرت إسرائيل الفراغ العربي… وأعادت تموضعها في المنطقة؟!

كيف استثمرت إسرائيل
لم تكن التحولات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقد الأخير نتاج قوة إسرائيلية خارقة، ولا نتيجة تفوق عسكري طارئ،
بل ثمرة فراغ عربي ممتد، أُحسن استثماره بهدوء، وبدون الحاجة إلى حروب شاملة أو مغامرات مكلفة.
ففي السياسة، لا ينتصر دائمًا من يهاجم،
بل من يحسن الانتظار.
من منطق الصراع إلى إدارة البيئة المحيطة:
أدركت إسرائيل مبكرًا أن ميزان الصراع تغيّر،
وأن المواجهة العسكرية المباشرة لم تعد الطريق الأمثل لتثبيت النفوذ.
البديل كان أوضح وأقل كلفة:
• ترك الخصوم يستنزفون أنفسهم،
• مراقبة تفكك الأولويات العربية،
• والتحرك كفاعل «طبيعي» في إقليم مضطرب.
لم تعد إسرائيل في حاجة إلى فرض وجودها بالقوة،
بل اكتفت بإدارة صورتها كـ«طرف مستقر» وسط محيط يعاني من الانقسام والفوضى.
التطبيع بوصفه نتيجة… لا سببًا:
من الأخطاء الشائعة قراءة مسار التطبيع
بوصفه مؤامرة منفصلة عن سياقها،
بينما هو في جوهره نتاج خلل إقليمي سابق.
حين تغيب الرؤية العربية المشتركة،
وحين تتباين تقديرات الخطر،
وحين تصبح كل دولة مشغولة بأمنها الفردي، يصبح البحث عن ضمانات خارجية خيارًا، حتى لو كان مؤلمًا أو مثيرًا للجدل ( السعودية وباكستان والامارات والهند وقطر وامريكا .. نماذج واضحة).
هكذا، لم تُقدَّم إسرائيل كحليف استراتيجي،
بل كـ«أداة توازن» في لحظة ارتباك،
وهو توصيف بحد ذاته يكشف حجم الخلل،
لا قوة الطرف الآخر.
من العدو المركزي إلى طرف في المعادلة:
أخطر ما حدث ليس في شكل العلاقات،
بل في تحوّل الموقع.
فحين لم تعد إسرائيل هي «التهديد الأول» في خطاب بعض العواصم،
لم يكن ذلك نتيجة تبدّل في طبيعتها أو سياساتها،
بل نتيجة تضخم تهديدات أخرى،
وسوء إدارة الأولويات.
وهنا انتقلت إسرائيل:
من عدو مركزي، إلى طرف في معادلة توازن،
ثم إلى مستفيد صامت من إعادة ترتيب الإقليم.
إدارة الصراع بدل حسمه:
لم تسعَ إسرائيل إلى حلّ الصراع الفلسطيني،
ولا إلى تصعيده بشكل شامل،
بل إلى إدارته عند مستوى منخفض،
يمنع الانفجار الكبير، ولا يفرض تسوية عادلة.
هذا النموذج ينسجم تمامًا مع منطق الإدارة الدولية للأزمات،
ومع حالة التفكك العربي،
ويجعل من القضية الفلسطينية ملفًا مؤجلًا،
لا أولوية ملحّة.
من المستفيد الحقيقي؟
في مشهد كهذا،
لا تكون إسرائيل هي الرابح الوحيد،
لكنها كانت الأكثر قدرة على:
• قراءة التحولات،
• ضبط إيقاعها،
• وتجنب كلفة الانخراط المباشر.
الفراغ العربي لم يمنحها شرعية جديدة،
بل أزال العوائق القديمة، وفتح أمامها مساحات حركة لم تكن متاحة سابقًا.
الدرس المؤلم:
إسرائيل لم تنتصر لأنها قوية فقط،
بل لأن خصومها تفرّقوا، واختلفوا، وأخطأوا التقدير، وبعضهم ارتمى في احضانها دون اي ضرورة تستدعي ذلك..
والسياسة لا تعترف بالنوايا،
بل بالنتائج.
حين تغيب الرؤية المشتركة،
يتقدّم من يملك رؤية،
حتى لو كانت على حساب الجميع.
وهكذا .. بعد تفكيك مسارات سوء الفهم:
في الداخل،
ومع التنظيمات،
ومع القوى الإقليمية،
ومع الدور الدولي،
ومع الفراغ الذي استفادت منه إسرائيل…
يبقى السؤال الحاسم:
كيف يمكن الانتقال من التشخيص إلى إعادة البناء؟
وما الحد الأدنى الواقعي لإعادة موازين القوة العربية؟
بعد هذا المسار الطويل من التفكيك والتحليل،
لم يعد السؤال:
من أخطأ؟
ولا من أصاب؟
بل السؤال الحقيقي هو:
كيف يمكن الخروج من دائرة سوء الفهم الاستراتيجي، إلى لحظة إعادة بناء فعلية لموازين القوى العربية؟
فالتشخيص، مهما بلغ من الدقة،
لا قيمة له إذا لم يتحوّل إلى منهج تفكير جديد، وإلى قواعد عمل تحكم المرحلة المقبلة.
ما الذي لا بد أن نتعلمه أولًا؟
الدرس الأول، وربما الأهم، من وجهة نطري؛
أن موازين القوة لا تُبنى بالشعارات،
ولا تُدار بردود الأفعال،
ولا تُصان بالتحالفات المؤقتة.
القوة في معناها الحديث هي:
• وضوح في تعريف التهديد،
• اتساق في الأولويات،
• وقدرة على التنسيق دون ذوبان السيادة.
وأي محاولة لإعادة البناء
دون الاتفاق على هذه الأسس
لن تكون سوى إعادة إنتاج للأزمة نفسها.
من إدارة الأزمات إلى إدارة المصالح:
ما تحتاجه الدول العربية اليوم
ليس مشروع وحدة شاملة،
ولا استدعاء نماذج تاريخية لم تعد صالحة،
بل إدارة عقلانية للمصالح المشتركة.
إدارة تعترف بالاختلاف، لكنها تضع له سقفًا،
وتمنعه من التحوّل إلى صراع يفتح الأبواب للآخرين.
الحد الأدنى المطلوب ليس التطابق،
بل عدم التناقض خاصة في القضايا الوجودية.
من التحالفات الانفعالية إلى الشراكات المحسوبة:
أحد أخطر مظاهر المرحلة السابقة
كان الارتهان لتحالفات بُنيت تحت ضغط اللحظة، لا بمنطق الاستدامة.
وإعادة بناء التوازن تعني:
• تحالفات مرنة لكن واضحة،
• تفاهمات معلنة لا صفقات غامضة،
• وشراكات تقوم على المصالح لا على المخاوف.
التحالف الذي يولد من الخوف
لا يصمد طويلًا،
أما التحالف الذي يولد من إدراك المصلحة
فهو وحده القابل للاستمرار.
استعادة المبادرة… لا ردّ الفعل:
القوة العربية تراجعت
ليس لأنها ضعيفة بالضرورة،
بل لأنها فقدت المبادرة.
ردّت بدلا عن أن تُبادر،
وتفاعلت بدلا عن أن تُخطط،
وانشغلت بإدارة الأزمات
على حساب بناء التوازنات.
وإعادة البناء تبدأ؛ حين تنتقل الدول العربية الكبرى من:
سياسة الاحتواء المؤقت
إلى:
سياسة المبادرة المحسوبة.
هل التوازن ممكن؟
الإجابة الصادقة: نعم… ولكن بشروط.
التوازن ممكن إذا:
• أُعيد تعريف مصادر الخطر بعيدًا عن التوظيف السياسي،
• ووُضعت خطوط حمراء مشتركة لا يجوز تجاوزها،
• وأُديرت الخلافات داخل البيت العربي لا خارجه.
والتوازن ايضا يصبح مستحيل إذا:
• استمر سوء الفهم،
• وتحوّلت الخلافات إلى رهانات خارجية،
• وبقي القرار العربي مجزأً ومتنافرًا.
كلمة أخيرة:
خاتمة سوء من الفهم الاستراتيجي
ما بعد سوء الفهم: في معنى القوة، وحدود الممكن العربي
ليس ما كُتب في هذه السلسلة من المقالات  محاولة لإدانة الماضي،
ولا سعيًا لتوزيع المسؤوليات بأثر رجعي،
بل جهدٌ لفهم كيف تشكّلت لحظة عربية معقّدة، تراكم فيها الخطأ بهدوء،
حتى بدا وكأنه قدر.
لقد علّمتنا السنوات الأخيرة أن أخطر ما يواجه الدول
ليس الهزيمة العسكرية،
بل الخلل في الفهم؛
فهم لطبيعة الصراع،
ولحدود التحالف،
وللفارق الدقيق بين المناورة والارتهان،
وبين الشراكة والاستتباع.
في لحظة ما، لم يخسر العرب معركة واحدة كبرى، لكنهم خسروا القدرة على الإمساك بالصورة الكاملة.
تجزأت الرؤية،
وتنافرت الأولويات،
وتحوّلت الخلافات من أدوات إدارة سياسية
إلى فجوات استراتيجية استقر فيها الآخرون.
لم تكن التنظيمات الأيديولوجية أقوى من الدول، لكن سوء تقديرها منحها ما لا تستحق.
ولم تكن القوى الإقليمية أذكى من الجميع،
لكن الفراغ العربي سمح لها بالتمدد.
ولم تكن القوى الكبرى حريصة على استقرار المنطقة، لكن غياب مشروع عربي جعل إدارة الفوضى، أقل كلفة من صناعة الحل.
هكذا، لم يُصنع الخلل دفعة واحدة،
بل عبر سلسلة من القراءات المنقوصة،
والرهانات المؤقتة،
والقرارات التي اتُّخذت تحت ضغط اللحظة
لا منطق المسار.
ومع ذلك،
فإن أخطر ما يمكن أن نخلص إليه
هو الاعتقاد بأن ما جرى كان حتميًا.
فالسياسة، مهما بدت قاسية،
تظل مساحة اختيار.
إن إعادة بناء موازين القوة العربية
لا تعني استعادة زمن مضى،
ولا بعث مشاريع كبرى لم تعد قابلة للحياة،
بل تعني – في معناها العميق –
استعادة القدرة على الفهم قبل الفعل.
الفهم بأن:
• القوة ليست صخبًا، بل اتساق.
• والتحالف ليس ملجأً، بل التزامًا متبادلًا.
• والاستقرار لا يُستعار من الخارج،
بل يُبنى من الداخل، ولو تدريجيًا.
ليس المطلوب إجماعًا عربيًا شاملًا،
ولا وحدة سياسية شاملة،
بل حدًّا أدنى من العقل الاستراتيجي المشترك؛ ذلك الحد الذي يمنع الخلاف من التحول إلى قطيعة، ويمنع التنوع من أن يصبح صراعًا، ويغلق الأبواب أمام من ينتظر دائمًا، أن يدخل من شقوقنا.
لقد أثبتت التجربة أن الدول التي تحسن إدارة اختلافاتها
أقوى من الدول التي تتظاهر بالانسجام.
وأن التوازن الحقيقي
لا يُبنى على الخوف،
بل على إدراك المصالح،
ووضوح الخطوط،
واحترام الوزن النسبي لكل طرف.
ربما لم يعد ممكنًا اليوم
أن نعيد رسم الخريطة كما نريد،
لكن الممكن – بل والضروري –
أن نمنع إعادة رسمها دون حضورنا وبقوة.
وهنا،
تقف هذه الصفحات لا لتغلق النقاش،
بل لتفتحه على مصراعيه:
نقاش حول معنى القوة في زمن السيولة،
ومعنى الدولة في عصر التنظيمات العابرة،
ومعنى الأمن القومي
بوصفه وعيًا قبل أن يكون سلاحًا.
ما بين سوء الفهم الاستراتيجي،
وإعادة بناء موازين القوة العربية،
مسافة ليست قصيرة،
لكنها ليست مستحيلة.
وحدها الأمم التي تراجع نفسها بصدق
تستحق فرصة أخرى في التاريخ
ونعلم ان إعادة بناء موازين القوة العربية
ليست مهمة جيل واحد،
ولا مشروع حكومة بعينها،
بل مسار طويل
يبدأ بالوعي،
ويستمر بالسياسة،
ويُختبر بالقدرة على الصمود.
لكن الخطوة الأولى – والأكثر شجاعة –
هي الاعتراف بأن ما جرى
لم يكن حتميًا،
وأن ما سيأتي
لا يزال قابلًا للتشكيل.
فإما أن نُحسن هذه المرة الفهم…
أو نترك الآخرين..
يُعيدون رسم الخرائط مرة أخرى.
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

شارك