الإسلام وحرية الرأي والتعبير (6) لماذا لم يُجبر الله الناس على الإيمان؟

الخميس 26/فبراير/2026 - 07:03 م
طباعة الإسلام وحرية الرأي حسام الحداد
 
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا المقال قراءةً فكريةً رصينة وعميقة، تُعيد الاعتبار لجوهر العقيدة الإسلامية القائم على الحرية لا القسر، حيث يغوص ببراعة في دلالات النص القرآني ليُثبت أن الاختلاف ليس مجرد واقع بشري بل هو "سنة إلهية" ومقصِد وجودي، مستعرضاً بأسلوبه التحليلي المعهود كيف أن إيمان القناعة هو وحده الذي يصمد أمام رياح الشك والتساؤل؛ إنها دعوة صادقة لاستعادة الأفق التأسيسي للإسلام الذي يحترم العقل ويُعلي من قيمة المسؤولية الفردية، مما يجعل هذا الطرح مرجعاً أساسياً لكل باحث عن التوفيق بين الإيمان وحقوق الإنسان في التعبير والاختلاف.

بعد آيةٍ مفصليةٍ مثل: ﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: 256) يبرز سؤالٌ لا يقل عمقًا ولا خطورة:
إذا كان الله قادرًا على أن يجعل الناس مؤمنين جميعًا، فلماذا ترك لهم حرية الرفض والاختيار؟
هذا السؤال ليس تمرينًا فلسفيًا مجردًا، بل مفتاحٌ لفهم العلاقة بين الله والإنسان، وبين الدين والحرية، وبين الإيمان بوصفه قناعةً، لا امتثالًا قسريًا. القدرة الإلهية… والاختيار الإنساني:
القرآن لا يتهرّب من هذا السؤال، بل يطرحه صراحة، ويجيب عنه بوضوح. ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا﴾ (يونس: 99) الآية لا تنفي القدرة، بل تُثبتها، ثم تُعلن أن عدم الإكراه اختيار إلهي مقصود، لا عجزًا، ولا تردّدًا، ولا نقصًا في السلطان. ولو شاء الله أن يجعل الناس أمةً واحدة لفعل، لكن إرادة التنوّع والاختلاف
جزءٌ من سنن الخلق نفسها: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم﴾ (المائدة: 48) الإيمان… اختبار لا نتيجة مفروضة: في التصور القرآني، الدنيا ليست دار قهر، بل دار ابتلاء. ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ (الملك: 2) والابتلاء ( الإختبار)، بطبيعته، لا يستقيم إلا مع حرية الاختيار. فالإيمان، في جوهره، موقف أخلاقي واعٍ، لا استجابة قسرية مفروضة من الخارج. ولو فُرض الإيمان بالقوة، لسقط معنى الثواب والعقاب، وانتهت فكرة المسؤولية من أساسها.
﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾ (الإسراء: 15) وهنا تتضح العلاقة العميقة بين الحرية والتكليف:
لا تكليف بلا حرية، ولا حرية بلا مسؤولية. لماذا يُزعج هذا التصور البعض؟ لأنه يسحب من يد البشر أخطر أدوات الهيمنة؛ الوصاية على الضمائر. حين يُقرّ النص بحرية الإنسان في الإيمان، لا يبقى مبرر لفرض الاعتقاد، ولا لتجريم الشك، ولا لمعاقبة السؤال.
ولهذا جاء الخطاب القرآني حاسمًا: ﴿أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟﴾ (يونس: 99) السؤال هنا ليس استنكاريًا فقط، بل تأسيسيّ:
إذا كان الله نفسه لم يُكره الناس على الإيمان، فبأي حقّ يفعلها البشر؟ من حرية الإيمان… إلى حرية الرأي:
وحين يُقرّ القرآن بحرية الإنسان في أعظم القضايا، وهي الإيمان ذاته، فكيف يُضيَّق عليه في الرأي، وهو أدنى مرتبةً، وأوسع أفقًا، وأقل خطرًا؟ حرية الرأي ليست امتيازًا إضافيًا، ولا منحة ثقافية مستوردة، بل امتداد منطقي لحرية الاعتقاد.
﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف: 29) فالرأي المختلف، والسؤال، والنقد، كلها مظاهر طبيعية لعقلٍ اختار أن يفهم قبل أن يسلّم. التنوّع… سنّة لا خلل: القرآن لا يتعامل مع الاختلاف بوصفه خللًا يجب إصلاحه، بل حقيقةً وجودية لا يمكن إلغاؤها.
﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾ (هود: 118) الاختلاف هنا ليس طارئًا، بل مقصودًا. والإيمان الذي لا يحتمل الاختلاف، إيمان هشّ، يخاف من المقارنة، ويهرب من الحوار، ويحتاج إلى القمع ليبقى.
حين يتحوّل الخوف إلى سياسة: لكن التاريخ يخبرنا أن هذا الأفق القرآني الواسع لم يُحترم دائمًا. في لحظات كثيرة، تحوّل الخوف من الاختلاف إلى سياسة دينية. عوضًا عن الحوار… كان القمع. وبدلًا من الإقناع… كانت التهم. وبدلًا من الثقة بالعقل… فُرض الصمت. لكن هذه الممارسات، مهما لبست لباس الدين، لا تنتمي إلى منطقه.
﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ (ق: 45) الخطاب القرآني هنا واضح: لا جبر، لا قهر، لا وصاية. ماذا تعلّمنا هذه الآيات اليوم؟ تعلّمنا أن الله لم يرد من البشر أن يكونوا نسخًا متطابقة، ولا رعايا صامتين، بل عقولًا تختار، وتتحمّل نتائج اختيارها. ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا﴾ (الإنسان: 3) وتعلّمنا أن الإيمان الذي يُفرض قد ينجح في ضبط السلوك، لكنه يفشل في بناء القناعة. أما الإيمان الذي يُختار بقناعة تامة، فيصمد، ويترسّخ، ويحتمل السؤال والاختلاف.
بهذا المعنى، فإن حرية الرأي في الإسلام ليست خروجًا على الدين، بل وفاءً لمنطقه العميق. في الحلقة القادمة، ننتقل من حرية الإيمان إلى حرية الاختلاف نفسها، ونسأل السؤال الذي يكشف البنية الإنسانية للخطاب القرآني: لماذا خلقنا الله مختلفين؟
يتبع…
القاهرة: الخامسة مساءً بتوقيت المحروسة.

شارك