مقامرة ترامب البحرية: هل تنجح "سنتكوم" في عزل إيران دون إشعال العالم؟
الإثنين 13/أبريل/2026 - 11:03 ص
طباعة
حسام الحداد
دخلت المواجهة الكبرى في الشرق الأوسط منعطفاً هو الأخطر منذ اندلاع شرارتها الأولى، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية اليوم الاثنين، 13 أبريل 2026، عن بدء تنفيذ حصار بحري شامل ومطبق يستهدف كافة الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية. يأتي هذا الإجراء العسكري الدراماتيكي، الذي انطلق رسمياً في تمام الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت واشنطن، ليضع العالم أمام واقع جيوسياسي جديد يتمثل في السيطرة الفعلية على حركة الملاحة في مضيق هرمز؛ الشريان الحيوي الذي يضخ خُمس إمدادات النفط العالمية. وبينما أكدت التقارير الواردة من "الغارديان" و"وول ستريت جورنال" أن واشنطن تسعى لتطبيق الحصار بآلية "محايدة" تمنع السفن الإيرانية دون إعاقة التجارة الدولية العابرة، إلا أن المراقبين يرون في هذه الخطوة "رصاصة الرحمة" على الهدنة الهشة التي لم تصمد لأكثر من أسبوعين.
إن هذا التصعيد الأمريكي المتسارع جاء كـ "رد فعل" مباشر على انسداد الأفق الدبلوماسي وفشل محادثات السلام الماراثونية التي احتضنتها العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، نهاية الأسبوع الماضي. فمع رفض طهران تقديم تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي ونفوذ وكلائها الإقليميين، قررت إدارة ترامب نقل المعركة من طاولات التفاوض إلى عمق المياه الإقليمية، مستخدمةً "الحصار البحري" كأداة ضغط قصوى لخنق الموارد الاقتصادية المتبقية للنظام الإيراني. هذا التحول الجذري في قواعد الاشتباك، بعد نحو 45 يوماً من بدء العمليات العسكرية التي أطاحت برؤوس القيادة في طهران، يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات المواجهة المباشرة، ويضع أمن الطاقة العالمي في مهب ريح صراع الإرادات الذي لم يعد يعترف بأنصاف الحلول.
تصريحات ترامب: "لا أهتم بعودتهم إلى المفاوضات"
في تطور يعكس تبني نهج "الضغط الأقصى" العسكري والسياسي، نقل موقع ذا هندو، تصريحات حاسمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أدلى بها للصحفيين وعبر منصات التواصل الاجتماعي، أكد فيها بعبارات لا لبس فيها أنه "لا يبدي أي اهتمام" بعودة طهران إلى طاولة المفاوضات. وبنبرة اتسمت بالاستخفاف بالقدرات الإيرانية الحالية، قال ترامب: «إذا اختاروا عدم العودة، فأنا بخير تماماً مع ذلك»، مبرراً موقفه بتقييم عسكري يشير إلى أن "جيشهم قد انتهى، وترسانتهم الصاروخية قد استنفدت إلى حد كبير" جراء الضربات السابقة. ولم يكتفِ ترامب بإعلان اللامبالاة بالتفاوض، بل صعد تهديداته العسكرية مؤكداً أن الولايات المتحدة في حالة تأهب قصوى و"مستعدة تماماً ومُسلَّحة" (locked and loaded) لاستئناف الهجمات العسكرية المحدودة إذا اقتضت الضرورة، ملوحاً بتوسيع بنك الأهداف ليشمل تدمير محطات توليد الكهرباء الحيوية وما تبقى من مصانع الأسلحة داخل العمق الإيراني.
وفي سياق متصل، لم يقتصر هجوم ترامب اللفظي على الخصوم المباشرين، بل امتد ليشمل قامة دينية مهمة، حيث ذكر موقع الجارديان أن الرئيس الأمريكي شن هجوماً عنيفاً وغير مسبوق على الحبر الأعظم، البابا ليو الرابع عشر. وجاء هذا الهجوم رداً على انتقادات لاذعة وجهها البابا لما وصفه بـ "وهم القوة المطلقة" الذي يغذي استمرار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران. وفور صدور تلك الانتقادات، سارع ترامب، بحسب المصدر ذاته، بوصف البابا بأنه "ضعيف جداً في مواجهة الجريمة، وفظيع في تعاطيه مع السياسة الخارجية"، في محاولة لتقزيم الدور الدبلوماسي والأخلاقي للفاتيكان في الدعوة لوقف التصعيد العسكري في المنطقة، ومؤكداً على مضي إدارته في خياراتها الحالية بغض النظر عن المواقف الدولية المعارضة.
رد إيران: "قرصنة" و"إما للجميع أو لأحد"
جاء الرد الإيراني سريعاً وحاداً على لغة التهديد الأمريكية، حيث وصفت طهران الحصار البحري بأنه عمل من أعمال "القرصنة" الدولية وانتهاك صارخ وغير قانوني لاتفاق الهدنة القائم، وذلك بحسب بيانات رسمية للمتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية نقلتها كل من صحيفة ذا اندو وقناة الجزيرة وفي إطار استعراض الجاهزية الميدانية، أكد قائد البحرية الإيرانية، الأدميرال شهرام إيراني، أن القوات البحرية الإيرانية "تراقب وتُشرف بدقة على كافة تحركات الجيش الأمريكي" في المنطقة، مشدداً على أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لخنق ممراتها المائية أو فرض واقع عسكري جديد في مياه الخليج.
وعلى الجانب السياسي والاقتصادي، اتسمت ردود الفعل الإيرانية بنبرة وعيد استهدفت الجبهة الداخلية الأمريكية ومصالح الغرب، حيث نشر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، تدوينة عبر منصة "إكس" (تويتر سابقاً) أشار فيها بسخرية إلى التبعات الكارثية للحصار على أسواق الطاقة، قائلاً بحسب ما أوردته الجزيرة «استمتعوا بأرقام الأسعار الحالية، فسينتابكم الحنين قريباً إلى سعر البنزين حين كان بـ 4 أو 5 دولارات». واختتم قاليباف تصريحاته بالتأكيد على استراتيجية الردع الإيرانية "إما للجميع أو لا أحد"، محذراً واشنطن بقوله: «إذا قاتلتم سنقاتل.. لن ننحني لأي تهديد»، في إشارة واضحة إلى أن طهران مستعدة لتعطيل تدفقات الطاقة العالمية بالكامل إذا مُنعت من تصدير نفطها.
الجبهة اللبنانية: ضربات إسرائيلية مستمرة
لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن التصعيد على الجبهة الشمالية، حيث واصلت مقاتلاتها شن غارات جوية مكثفة استهدفت عمق جنوب لبنان. ونقلت تقارير من صحيفة الجارديان تفاصيل ميدانية مؤلمة، أفادت بمقتل خمسة أشخاص على الأقل في استهدافات طالت بلدات بنت جبيل والعباسية ومدينة النبطية، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي عن قصف أكثر من 200 هدف تابع لحزب الله خلال الـ24 ساعة الماضية فقط. وفي خطوة تحمل دلالات سياسية وعسكرية قوية، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما يُعرف بـ"المنطقة الأمنية"، مصرحاً من هناك بأن "الحرب مستمرة" ولن تتوقف حتى تدمير قدرات حزب الله بالكامل، ضارباً بعرض الحائط المساعي الدبلوماسية للتهدئة.
هذا الإصرار الإسرائيلي على مواصلة العمليات العسكرية وضع اتفاق وقف إطلاق النار الهش في مهب الريح، حيث اعتبرت طهران، وفقاً لما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، أن هذه التحركات تمثل انتهاكاً صارخاً للهدنة المبرمة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي. ويرى مراقبون أن استمرار القصف في لبنان يمنح طهران ذريعة إضافية للتملص من أي التزامات أمنية، ويحول الجنوب اللبناني إلى ساحة اختبار مباشرة لصراع الإرادات بين المحور الإسرائيلي-الأمريكي و"محور المقاومة" الذي تقوده إيران، مما يجعل من الصعب الفصل بين جبهة البحر في الخليج وجبهة البر في جنوب لبنان.
التداعيات الاقتصادية والدولية
شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الارتباك الشديد فور الإعلان عن الحصار، حيث سجلت أسعار الطاقة قفزات جنونية تعكس حجم المخاوف من تعطل الإمدادات؛ فقد ارتفع سعر خام برنت ليتجاوز عتبة الـ 102 دولار للبرميل بنسبة زيادة بلغت 8%، في حين تخطى الخام الأمريكي حاجز الـ 104 دولارات. وبحسب تقرير نشرته صحيفة الجارديان، فإن هذه التداعيات لا تقتصر على شاشات التداول، بل تمتد لتشمل كارثة إنسانية محتملة، حيث حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار هذه الحرب وهذا الحصار قد يدفع بنحو 32 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر المدقع حول العالم، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي خاصة في الدول النامية التي تعاني أصلاً من هشاشة في أمنها الغذائي وقطاع الطاقة.
وعلى صعيد المواقف السياسية، كشف موقع ذا اندو، عن تباين واضح في ردود الفعل الدولية تجاه "مقامرة" واشنطن البحرية؛ فبينما يشتد الضغط الأمريكي، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بشكل حاسم أن بريطانيا "لن تشارك" في هذا الحصار، مفضلاً النأي بلندن عن مواجهة بحرية مباشرة. وفي السياق ذاته، دعا رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز إلى ضرورة العودة الفورية للمفاوضات لتجنب سيناريو الانفجار الشامل، بينما اكتفت الصين بموقف حذر طالبت فيه بـ "الحفاظ على السلام والاستقرار في منطقة الخليج"، وهو موقف يرى فيه مراقبون محاولة من بكين لموازنة مصالحها الطاقوية مع إيران دون الدخول في صدام معلن مع إدارة ترامب في هذه المرحلة الحرجة.
تحليلات الصحف الأجنبية
أفردت الصحف الأجنبية مساحات واسعة لتحليل أبعاد الحصار البحري وتداعياته الجيوسياسية، حيث اعتبرت صحيفة الجارديان أن هذا الإجراء بات يمثل "نقطة الخلاف الرئيسية" التي تعصف بفرص نجاح المفاوضات المتعثرة، محذرة في الوقت ذاته من التحديات اللوجستية والقانونية التي تجعل من تنفيذ حصار طويل الأمد أمراً بالغ الصعوبة، فضلاً عن ارتداداته العنيفة على أسعار الطاقة العالمية التي بدأت تئن تحت وطأة التصعيد. وفي سياق متصل، كشفت صحيفة وول استريت جورنال عن كواليس القرار في واشنطن، مشيرة إلى أن الرئيس ترامب لا يكتفي بالخنق البحري، بل يدرس جدياً استئناف "ضربات عسكرية محدودة" بالتوازي مع الحصار لكسر حالة الجمود الميداني، وهو ما فجّر انقساماً حاداً داخل الكونغرس الأمريكي بين تيار يمثله صقور مثل نيكي هيلي يدعو للحسم العسكري، وتيار آخر يحذر من العواقب يقوده السناتور مارك وارنر.
على الجانب الآخر، سلطت تقارير الاندبندنت الضوء على الجبهة المقابلة، مبرزةً حدة التحذيرات الإيرانية التي استهدفت مباشرة أمن الموانئ الإقليمية واستقرار أسواق الوقود في الغرب. وأوضحت هذه المصادر أن طهران تراهن على سلاح "التضخم العالمي" لثني واشنطن عن المضي قدماً في الحصار، معتبرةً أن اتفاق الهدنة الهش بات "يُختبر بشدة" تحت ضغط العمليات العسكرية المستمرة في جنوب لبنان وتصاعد التوتر في مضيق هرمز. وخلصت التحليلات إلى أن المنطقة دخلت في صراع إرادات مفتوح، حيث تحول الممر المائي الأهم في العالم إلى ساحة لمباراة "عض أصابع" اقتصادية وعسكرية قد لا تنتهي بانتصار واضح لأي طرف.
وأخيرا يأتي هذا التصعيد بعد نحو 45 يوماً من بدء الحرب في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة استهدفت مواقع عسكرية ونووية إيرانية وقتلت قائد الثورة علي خامنئي ومسؤولين آخرين. الهدنة التي أُعلنت في 7-8 أبريل كانت تهدف إلى فتح هرمز بالكامل، لكنها لم تصمد أمام الخلافات حول النووي والوكلاء الإقليميين.تتابع الصحف الأجنبية الوضع لحظة بلحظة، مع تحذيرات من أن الحصار قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة جديدة إذا ردت إيران بقوة. يبقى السؤال: هل سيعيد الطرفان النظر في المفاوضات قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة اقتصادية واقليمية أكبر؟
