من هو المطران شيو بطريرك جورجيا الجديد وما الذي ينتظره
الثلاثاء 12/مايو/2026 - 09:37 ص
طباعة
روبير الفارس
في مشهد حمل طابعًا روحيًا ووطنيًا معًا، انتخبت الكنيسة الأرثوذكسية الجورجية المطران شيو (موجيري) بطريركًا جديدًا لعموم جورجيا، خلفًا للبطريرك الراحل إيليا الثاني الذي قاد الكنيسة لما يقارب خمسين عامًا، وارتبط اسمه بمرحلة كاملة من تاريخ البلاد الحديث.
شيو، المولود عام 1969، ينتمي إلى جيل مختلف عن سلفه. دخل الحياة الرهبانية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في وقت كانت فيه الكنيسة تعيد بناء نفسها بعد عقود من القمع الشيوعي. خدم مطرانًا على سيناكي وتشخوروتسكو، ثم عُيّن قائمًا مقامًا بطريركيًا عام 2017، ما جعله عمليًا الرجل الثاني في الكنيسة خلال السنوات الأخيرة. درس اللاهوت في موسكو إلى جانب تكوينه المحلي، وهو ما يمنحه معرفة بطبيعة العلاقات الحساسة داخل العالم الأرثوذكسي، خصوصًا بين موسكو والقسطنطينية.
كنيسة ذات وزن استثنائي
جورجيا دولة صغيرة يبلغ عدد سكانها نحو 3.7 مليون نسمة، لكن تأثير الكنيسة فيها كبير للغاية. فالمسيحيون يشكّلون ما بين 85 و88% من السكان، وغالبيتهم الساحقة ينتمون إلى الكنيسة الأرثوذكسية الجورجية. لذلك لا يُنظر إلى البطريرك باعتباره قائدًا دينيًا فحسب، بل رمزًا وطنيًا أيضًا. وغالبًا ما تحظى الكنيسة بثقة شعبية تفوق ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية.
هذا الموقع يجعل أي تغيير على رأس الكنيسة حدثًا يتجاوز الإطار الكنسي ليطال الحياة العامة برمتها.
مرحلة انتقالية دقيقة
التحدي الأول أمام البطريرك الجديد هو إدارة الانتقال بعد عهد طويل ارتبط بشخصية إيليا الثاني. فحين يقود شخص واحد مؤسسة كبرى لعقود، يصبح رحيله اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسة على الاستمرار بالزخم نفسه. المطلوب من شيو أن يحافظ على وحدة المجمع المقدس، وأن يمنع تحوّل أي خلافات داخلية إلى انقسامات مؤثرة.
وفي الداخل أيضًا، تواجه الكنيسة أسئلة متزايدة حول دورها في المجتمع الحديث، وعلاقتها بالشباب، وتعاطيها مع قضايا الحريات العامة. فهناك شريحة من الجيل الجديد تميل إلى قدر أكبر من العلمانية، ما يضع الكنيسة أمام معادلة صعبة بين التمسك بالتقاليد والانفتاح على تحولات المجتمع.
بين السياسة والإيمان
العلاقة مع الدولة تمثل تحديًا آخر. فالكنيسة في جورجيا ليست بعيدة عن الشأن العام، بل هي لاعب مؤثر فيه. ومن هنا، سيكون على شيو أن يحافظ على توازن دقيق: لا يبتعد عن القضايا الوطنية، ولا يتحول في الوقت نفسه إلى طرف في الاستقطاب السياسي الداخلي.
أما خارجيًا، فإن العالم الأرثوذكسي يعيش انقسامًا واضحًا بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وبطريركية القسطنطينية المسكونية في تركيا . وجورجيا، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، تجد نفسها دائمًا على تماس مع هذا التوتر. لذا فإن أي خطوة أو موقف للبطريرك الجديد ستكون محسوبة بدقة، خاصة في ظل العلاقة المعقدة بين تبليسي وموسكو.
اختبار السنوات الأولى
انتخاب شيو لا يعني فقط اختيار اسم جديد على رأس الكنيسة، بل بداية مرحلة مختلفة. فهو يمثل جيلًا لم يعش الحقبة السوفياتية بنفس التجربة التي عاشها سلفه، لكنه تربّى كنسيًا في زمن إعادة البناء والانفتاح النسبي.لذلك
فالسنوات الأولى من عهده ستكون حاسمة: هل ينجح في الحفاظ على الإرث الروحي والوطني الذي تركه إيليا الثاني؟ وهل يستطيع أن يقود الكنيسة وسط مجتمع يتغير بسرعة، وعالم أرثوذكسي منقسم، وبيئة سياسية إقليمية شديدة التعقيد؟
في بلد يعتبر كثير من أبنائه الكنيسة حارسًا لهويتهم ولغتهم وتاريخهم، تبدو مهمة البطريرك الجديد أكبر من مجرد إدارة مؤسسة دينية؛ إنها مسؤولية الحفاظ على توازن وطن بأكمله.
