الإخوان المسلمون في لندن: عقد من المراجعات المؤجلة، ولحظة حساسة جديدة
الأربعاء 17/يونيو/2026 - 11:03 ص
طباعة
حسام الحداد
كيف يضع التصنيف الأمريكي والضغط الشعبوي حكومة لندن أمام خيار لم تستطع تجنبه منذ عام 2014؟
في يناير 2026، وقف أحد أعضاء مجلس اللوردات البريطاني، اللورد جودسون، يسأل الحكومة سؤالاً بسيطاً ظاهرياً: هل ستحذو المملكة المتحدة حذو واشنطن في تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية؟ كانت الإجابة الرسمية مراوغة بقدر ما هي مألوفة: الأدلة التي طالب الرئيس ترامب بها بشأن الإخوان المسلمين لم تُستكمل بعد، وسيكون من الحماقة اتخاذ قرار في هذه القضية - التي تظل قيد المراجعة الدائمة - دون رؤية ما أعلنته الإدارة الأمريكية. هذا التحفظ المهذب ليس جديداً؛ إنه صدى لجملة سمعتها لندن منذ ما يقرب من اثني عشر عاماً، حين وعد رئيس الوزراء آنذاك ديفيد كاميرون بتقرير شامل عن الجماعة لم يُنشر كاملاً حتى اليوم. والسؤال الذي يتردد في أروقة وستمنستر هذا الأسبوع هو: إلى متى تستطيع بريطانيا أن "تراجع" قراراً دون أن تتخذه فعلاً؟
من تقرير جنكنز إلى مجلس السلام
تعود جذور هذه المعضلة إلى مارس 2014، عندما كلّف ديفيد كاميرون السفير البريطاني وقتها في السعودية، السير جون جنكنز، بقيادة مراجعة حكومية لتقييم فلسفة جماعة الإخوان المسلمين وأنشطتها وتأثيرها على المصالح البريطانية، بينما تولى تشارلز فار، كبير مسؤولي وزارة الداخلية، تقييم البعد المحلي للجماعة وفروعها داخل المملكة المتحدة. أنهى جنكنز مراجعته في يوليو 2014، لكن النتائج الرئيسية لم تُعلن للجمهور إلا بعد تأخير دام عاماً ونصف العام، في ديسمبر 2015.
خلصت تلك المراجعة - بحسب ملخصها المعلن - إلى أن جماعة الإخوان المسلمين لم تُظهر قدراً كافياً من الاعتدال السياسي أو الالتزام بالقيم الديمقراطية خلال فترة حكمها في مصر بين 2011 و2013 عبر حزب الحرية والعدالة، وأنها فشلت في إقناع المصريين بكفاءتها أو حسن نواياها. لكن ما كان يفترض أن يكون نقطة انطلاق لسياسة بريطانية واضحة تحوّل إلى أزمة ثقة مؤسسية. فقد أصدرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم، عقب تحقيق موسع عام 2016، تقريراً لاذعاً جاء فيه أن اختيار جنكنز - وهو سفير بريطانيا في الرياض، الدولة الأكثر عداءً للجماعة في المنطقة - لقيادة المراجعة كان "قراراً غير موفق"، إذ خلق انطباعاً بأن دولة أجنبية ذات مصلحة مباشرة كانت لديها نافذة خاصة على سير تحقيق حكومي بريطاني، وهو ما قوّض الثقة في حياد عمل وزارة الخارجية في قضية بهذا القدر من الحساسية والجدل.
أما الإخوان المسلمون أنفسهم، فقد رفعوا الأمر إلى مستوى الاتهام المباشر، حيث وصف محاموهم - في شهادة قدّموها للجنة - المراجعة بأنها "محاولة بسوء نية لدعم صفقات تجارية وتحالفات في الخارج"، فيما اعتبر محاميهم تايب علي أن تقرير جنكنز كان "معيباً منذ بدايته، ومليئاً بالمخالفات، ويفتقر إلى أي شكل من الشفافية". ومع ذلك، استخدم كاميرون حصانته البرلمانية لمنع الجماعة من اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض - وهي خطوة وصفتها اللجنة نفسها بأنها أضرّت بسمعة بريطانيا في "النزاهة في التعامل".
ثلاث جبهات ضغط، وحكومة عالقة في الوسط
اليوم، تجد حكومة حزب العمال نفسها محاصرة بين ثلاث قوى متعارضة، كل منها تدفعها في اتجاه مختلف:
الجبهة الأولى: الضغط الأمريكي والشعبوي الداخلي
منذ أن وقّع الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً في يناير 2026 يصنّف فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية، تصاعد الضغط على رئيس الوزراء كير ستارمر للسير على الخطى ذاتها. وبحسب صحيفة "ذا ناشونال"، أكد متحدث رسمي باسم رئيس الوزراء أن الجماعة توجد تحت "مراجعة وثيقة جداً"، مع احتمال استبعادها بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. لكن هذا الحذر الرسمي يتقاطع مع موقف أكثر تشدداً من حزب "الريفورم" بزعامة نايجل فاراج، الذي يتصدر استطلاعات الرأي الوطنية، والذي تعهد علناً بحظر الجماعة كمنظمة إرهابية إذا وصل للحكم. وذهب زميله ريتشارد تايس، المسؤول عن السياسة الخارجية في الحزب، إلى أبعد من ذلك، موصِفاً تصنيف الجماعة كـ"إرهابية" بأنه "علامة على القوة وأننا لن نُستضعف"، مستشهداً بمزاعم عن دور للجماعة في زعزعة استقرار السودان.
الجبهة الثانية: التريث المؤسسي والقانوني
في مقابل هذا الزخم الشعبوي، تتمسك الحكومة بخط دفاع مزدوج: الانتظار حتى تكتمل الأدلة الأمريكية، والإشارة إلى أن أدوات أخرى - غير الحظر الكامل - متاحة فعلاً للتعامل مع أي مخاطر محتملة. فقد أوضح ممثل الحكومة في مجلس اللوردات أن هيئة المفوضية الخيرية تحتفظ بالملف قيد المراقبة وستقدم توصيات للحكومة إذا لزم الأمر، يمكن للحكومة أن تتصرف بناءً عليها، في إشارة إلى أن لندن تفضّل المسار التنظيمي البطيء على المسار التشريعي الصادم. وفي السياق ذاته، أكد وزير الشرق الأوسط هاميش فالكونر التزاماً متجدداً بتوسيع نظام العقوبات البريطاني - خطوة وُصفت بأنها وسيطة بين التجاهل والحظر الكامل.
الجبهة الثالثة: المقارنة الأوروبية المحرجة
الزاوية الأكثر إحراجاً لحكومة ستارمر جاءت في تحليل نشرته صحيفة "ذا سبكتاتور" في 17 يونيو 2026، حيث جادل الكاتب دين جودسون - وهو الشخصية نفسها التي تقف وراء أسئلة اللورد جودسون في مجلس اللوردات - بأن التقارب البريطاني مع أوروبا في ملفات أخرى لا ينعكس على ملف مكافحة التطرف، وأن نهج لندن الحالي تجاه الإسلام السياسي ليس فقط "بعيداً كل البعد" عن نهج إدارة ترامب، بل إنه أيضاً أقل صرامة من مواقف دول أوروبية عديدة لا تُحسب على خط ترامب، وهي مفارقة تضع بريطانيا - بحسب التحليل - في موقع المتأخر، لا المتقدم، في هذا الملف بالمقارنة مع شركائها الأوروبيين.
الزاوية الخفية: تناقض الإسلاموفوبيا
ثمة بُعد أقل وضوحاً في النقاش العلني، لكنه يكشف حساسية الموقف الحكومي الداخلي: في الجلسة البرلمانية نفسها التي نوقش فيها ملف الإخوان، واجه ستارمر سؤالاً من النائب المستقل شوكت آدم حول سبب تراجع وعد حزب العمال بتبني تعريف رسمي للإسلاموفوبيا، حيث قال آدم إن "الإسلاموفوبيا حقيقية" في إشارة إلى أن نحو اثنين من كل خمسة جرائم كراهية دينية في بريطانيا تستهدف المسلمين. هذا التزامن - بين تشديد محتمل تجاه جماعة إسلامية سياسية، وتأخر في حماية المسلمين من خطاب الكراهية - يضع الحكومة أمام معضلة سياسية مزدوجة: أي تشدد تجاه الإخوان قد يُقرأ من جانب بعض الأوساط الإسلامية البريطانية كجزء من نمط أوسع من التشكك في الإسلام السياسي، لا كقرار أمني محض.
التداعيات والمستقبل: ما الذي يتغير فعلياً؟
على المستوى القانوني والمؤسسي: أي قرار بريطاني بحظر الجماعة سيضع الحكومة أمام تحدٍ مباشر هو تكرار سيناريو 2016 ذاته - أي مراجعة قضائية محتملة، ومطالبات بالشفافية، ودعاوى محتملة من الجماعة أو أفرادها المنتسبين إليها داخل المملكة المتحدة، خصوصاً أن سابقة "تقرير جنكنز" المحجوب جزئياً لا تزال تُستخدم كدليل على أن أي مراجعة مستقبلية ستواجه تشكيكاً مماثلاً في حيادها.
على المستوى الدبلوماسي: حظر الجماعة سينعكس مباشرة على العلاقات البريطانية مع دول إقليمية ذات مواقف متباينة حيال الإخوان - فمن جهة هناك حلفاء خليجيون (الإمارات والسعودية) يضغطون باتجاه التصنيف، ومن جهة أخرى هناك علاقات اقتصادية وتجارية متنامية مع قطر وتركيا، وكلاهما يُنظر إليه تاريخياً كراعٍ لشبكات الإخوان المسلمين الإقليمية - وهو توتر سيتعمق إذا اختارت لندن الانحياز الصريح لأحد المعسكرين.
على المستوى المجتمعي: قد يكون التأثير الأكثر حساسية داخلياً، حيث يحذر بعض الباحثين من أن أي حظر فضفاض الصياغة قد يشمل مؤسسات خيرية أو ثقافية إسلامية بريطانية لا صلة تنظيمية مباشرة لها بالجماعة الأم، مما يفتح الباب لاتهامات بالاستهداف الجماعي للمجتمعات المسلمة - وهي نفس الحساسية التي يعكسها الجدل المتزامن حول تعريف الإسلاموفوبيا.
مراجعة بلا نهاية؟
ما تكشفه هذه القصة، في جوهرها، ليس خلافاً حول طبيعة جماعة الإخوان المسلمين بقدر ما هو خلاف حول قدرة الدولة البريطانية - بمؤسساتها ودبلوماسيتها وتوازناتها الداخلية - على اتخاذ قرار حاسم في ملف يتقاطع فيه الأمن بالدبلوماسية، والسياسة الداخلية بالعلاقات الخليجية، والقانون بالرأي العام الشعبوي. فمنذ تقرير جنكنز المحجوب جزئياً في 2014، مروراً برفض نشره كاملاً، وصولاً إلى "المراجعة الوثيقة جداً" التي يتحدث عنها ستارمر اليوم دون جدول زمني محدد، يبدو أن "المراجعة" نفسها أصبحت السياسة البريطانية الفعلية تجاه الإخوان المسلمين - لا مجرد خطوة تسبقها.
والسؤال الذي يترك القارئ معه هذا التحقيق هو: هل تنتظر لندن أن تحدد واشنطن الموقف الدولي نهائياً قبل أن تتحرك، أم أن التريث نفسه - بصرف النظر عن نتيجته النهائية - هو الموقف البريطاني الحقيقي والمتعمد تجاه أحد أكثر الملفات حساسية في علاقة الغرب بالإسلام السياسي؟
