الحوثيون وحركة الشباب.. تقارب يثير المخاوف من تحالف عابر للحدود

الجمعة 19/يونيو/2026 - 12:09 م
طباعة الحوثيون وحركة الشباب.. فاطمة عبدالغني
 
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، برزت مؤشرات متزايدة على تنامي العلاقة بين جماعة الحوثي في اليمن وحركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة. 
وبينما ظل هذا الملف لسنوات في الظل مقارنة بالصراعات الكبرى في غزة ولبنان والبحر الأحمر، فإن التطورات الأخيرة دفعت مراقبين وخبراء أمنيين إلى التحذير من تداعياته المحتملة على الأمن الإقليمي وحركة التجارة العالمية. 
وترى الكاتبة إميلي ميليكين، في تقرير نشرته مجلة ذا ناشيونال إنترست، أن هذا التقارب قد يعكس تحولات أعمق داخل شبكة الحلفاء والجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها طهران ووكلاؤها في المنطقة.

مؤشرات متزايدة على التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب

بحسب التقرير، تشير معلومات استندت إلى مصادر فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن إلى وجود تعاون متنامٍ بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، وذكرت المصادر أن عشرات العناصر التابعة للحركة، بمن فيهم قيادات بارزة، انتقلوا إلى اليمن خاصة إلى محافظتي شبوة ومأرب، للمشاركة في إدارة وتسهيل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات بين اليمن والصومال.

وفي المقابل، يعتقد أن عناصر حوثية تنشط داخل الصومال لتقديم تدريبات متخصصة لمقاتلي حركة الشباب في مجالات تشغيل الطائرات المسيرة وصناعة المتفجرات وأساليب الحرب غير التقليدية، وهي خبرات اكتسبها الحوثيون خلال سنوات من الدعم والتدريب الإيراني.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران تراجعاً ملحوظاً، فحزب الله تعرض لضربات مؤثرة، والنظام السوري فقد أحد أهم أركانه بسقوط نظام بشار الأسد، كما تواجه الفصائل المسلحة العراقية ضغوطاً داخلية متزايدة، بينما تراجعت قدرات حركة حماس بصورة كبيرة، ومع ذلك تمكن الحوثيون من الحفاظ على تماسك بنيتهم القيادية والعسكرية رغم الضربات التي تعرضوا لها من الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل.

المصالح المشتركة وراء التقارب

يرى التقرير أن التقارب بين الحوثيين وحركة الشباب لا يقوم على أسس أيديولوجية بقدر ما تحركه المصالح المشتركة، فمن جانب الحوثيين يوفر التعاون مع الشبكات المسلحة وشبكات التهريب الصومالية فرصة لتعزيز النفوذ عبر خليج عدن وتوسيع الوصول إلى ممرات التهريب غير المشروعة وشبكات المعلومات والبنية اللوجستية على الضفة الأفريقية لمضيق باب المندب.

كما يمنح هذا التعاون الحوثيين فرصة لتنويع مصادر الدعم وتقليل الاعتماد على إيران في وقت تواجه فيه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متزايدة.

أما بالنسبة لحركة الشباب، فإن العلاقة مع الحوثيين تفتح الباب أمام الحصول على تقنيات عسكرية أكثر تطوراً، بما في ذلك الطائرات المسيرة المسلحة والخبرات الفنية المرتبطة بتشغيلها، كما تشير تقديرات نقلها التقرير إلى أن الحركة أبدت اهتماماً بالحصول على صواريخ موجهة مستقبلاً، فضلاً عن الاستفادة من تنامي الأنشطة المرتبطة بالتهريب والقرصنة البحرية التي قد توفر لها موارد مالية إضافية.

تهديدات تتجاوز اليمن والصومال

لا تقتصر تداعيات هذا التقارب على البلدين فحسب، بل تمتد إلى الأمن البحري العالمي، فالهجمات الحوثية على الملاحة التجارية في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 دفعت شركات شحن عالمية عديدة إلى تحويل مسارات سفنها بعيداً عن قناة السويس والبحر الأحمر نحو طريق رأس الرجاء الصالح.

وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وإطالة فترات الشحن، الأمر الذي انعكس على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار السلع والطاقة، ويحذر التقرير من أن أي توسع في التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب قد يضيف بعداً جديداً من عدم الاستقرار إلى أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، ما يزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يعاني تداعيات أزمات متلاحقة.

هل يتحول الحوثيون إلى لاعب إقليمي مستقل؟

تلفت الكاتبة إلى أن العلاقة بين الحوثيين وإيران أكثر تعقيداً من الصورة التقليدية التي تصف الجماعة بأنها مجرد وكيل لطهران، فعلى الرغم من الدعم العسكري والاستخباراتي الإيراني، احتفظ الحوثيون بهويتهم السياسية والدينية الخاصة، وغالباً ما تصرفوا وفق أولويات مرتبطة بالساحة اليمنية.

ومع تراجع فاعلية بعض أذرع إيران الإقليمية، يبدو أن الحوثيين يسعون إلى ترسيخ مكانتهم كقوة مستقلة نسبياً عبر توسيع شبكة علاقاتهم الخارجية، ويشمل ذلك الانفتاح على قوى دولية مثل روسيا والصين، إضافة إلى بناء قنوات تواصل مع جماعات مسلحة مختلفة، من بينها حركة الشباب الصومالية وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحتى شبكات القرصنة في القرن الأفريقي.

ويرى التقرير أن هذا النهج يعكس محاولة حوثية لبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن، مع تقليل الاعتماد على الدعم الإيراني المباشر.

ويرى المراقبون أن التقارب بين الحوثيين وحركة الشباب قد يكون مؤشراً على مرحلة جديدة من تطور الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، حيث تتراجع الاعتبارات الأيديولوجية لصالح المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة.
 كما يعكس هذا المسار احتمالية ظهور شبكات أكثر استقلالية وتداخلاً عابراً للحدود، خاصة إذا استمرت الضغوط المفروضة على إيران وحلفائها. 
ويحذر المراقبون من أن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط زيادة قدرات الجماعات المسلحة، بل صعوبة التنبؤ بسلوكها مستقبلاً، ما قد يؤدي إلى بيئة أمنية أكثر تعقيداً وتشرذماً تمتد آثارها من البحر الأحمر وباب المندب إلى عمق الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، مع انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة والتجارة العالمية.

شارك