كيف تحول "تيليجرام" إلى الشريان الرقمي للتنظيمات المتطرفة؟

السبت 27/يونيو/2026 - 10:59 م
طباعة كيف تحول تيليجرام حسام الحداد
 
يقف المجتمع الدولي اليوم أمام تحدٍ أمني وأخلاقي بالغ التعقيد في فضاء الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب الرقمي، وهو ما وثقه بالتفصيل تقرير حديث وصادم صادر عن "مشروع مكافحة التطرف". ويكشف التقرير عن تحول دراماتيكي في آليات عمل الجماعات المتشددة، بعد أن نجح تطبيق المراسلة الفورية "تيليجرام" في فرض نفسه كأداة استراتيجية وشريان رئيسي لإدارة الأنشطة العملياتية لعدد من أبرز التنظيمات المصنفة إرهابياً دولياً، وفي مقدمتها تنظيم "داعش"، وتنظيم "القاعدة"، وحركتا "حماس" و"طالبان". ويسلط هذا التحول الضوء على معضلة العصر الرقمي الشائكة، والتي تضع الحقوق الحتمية في الخصوصية وحماية بيانات المستخدمين في كفة ميزان، وتضع في الكفة الأخرى الضرورات الأمنية الملحة للتصدي للاعتداءات الدامية التي تنسقها هذه الجماعات عبر الفضاء الافتراضي مستغلةً الحصانة التي توفرها لها المنصة.
وفي محاولة لفهم آليات هذا الاختراق الرقمي، يصف التقرير بنية تطبيق "تيليجرام" بأنه تحول إلى "سلاح ذو استخدام مزدوج" أتقنت التنظيمات المتطرفة توظيفه لصالح أجنداتها. فقد تمكنت هذه الجماعات من هندسة استراتيجية اتصال ذكية تعتمد على التوظيف المتوازي والدقيق لخصائص التطبيق؛ حيث قامت بفصل مستويات العمل وتقسيم الأدوار بدقة متناهية بين الواجهات والقنوات العامة المفتوحة المخصصة للتأثير الجماهيري، وبين الغرف والمحادثات المغلقة والمشفرة المخصصة للعمل الأمني السري. هذا التناغم التقني سمح للمتطرفين ببناء بيئة عمل متكاملة تبدأ من التحريض الشامل وتنتهي بالتنفيذ على أرض الواقع دون مغادرة المنصة.
كيف تحول تيليجرام
القنوات العامة كمنصات للبث والبروباجندا
تُمثل القنوات العامة (Public Channels) على تطبيق تيليجرام المنصة الإعلامية الأبرز للتنظيمات المتطرفة، حيث تُدار كآلة بروباغندا ضخمة وعابرة للحدود تهدف إلى الوصول اللحظي لآلاف المتابعين والمؤيدين حول العالم دون قيود رقابية تُذكر. وتُوظف هذه الجماعات القنوات المفتوحة لنشر ترسانتها الدعائية بشكل مكثف، بما يشمل الإصدارات المرئية عالية الدقة، والبيانات السياسية، فضلاً عن المجلات الأيديولوجية الموجهة مثل مجلة "رومية" التي تُنشر بلغات متعددة لاستقطاب فئات جديدة. كما تحولت هذه القنوات إلى منصات رسمية وموثوقة لدى التنظيمات لتبني العمليات الإرهابية فور وقوعها؛ إذ تعتمد منصات إعلامية متطرفة، وفي مقدمتها وكالة "أعماق" التابعة لتنظيم داعش، على التطبيق كقناة رئيسية وحصرية لبث بيانات تبني الهجمات، مما يمنحها زخماً إعلامياً فورياً ويرفع من الروح المعنوية لأتباعها.
إلى جانب الترويج الإعلامي، تُستغل هذه الواجهات العامة كأداة مباشرة للتحريض الميداني وجمع الأموال، متجاوزةً دورها الدعائي إلى التوجيه العملياتي الفعلي. فمن خلالها، يتم بث نداءات صريحة وتعبئة مستمرة تحث ذئابها المنفردة ومؤيديها على شن هجمات واستهداف تجمعات مدنية محددة في العواصم الغربية، وهو ما تجسد بشكل واضح في الرسائل التحريضية المكثفة التي سبقت هجوم سوق عيد الميلاد الدامي في برلين. ولم يقتصر الأمر على التحريض الفكري والعسكري، بل امتد ليشمل البعد المالي؛ حيث أطلقت هذه الجماعات عبر قنواتها العامة حملات تمويل رقمي واسعة ومنظمة، مستغلةً غياب الرقابة لطلب الدعم المادي المباشر، وجمع التبرعات العينية والمالية لصالح تمويل المقاتلين في الجبهات وكفالة عائلاتهم، مما يجعل من هذه القنوات شرياناً حيوياً لتغذية واستدامة الأنشطة الإرهابية.

 المحادثات الخاصة كغرف عمليات سرية
في المقابل، تُشكل المحادثات والجروبات الخاصة (Private Chats) على تطبيق تيليجرام العمود الفقري اللوجستي لإدارة الأنشطة السرية للتنظيمات المتطرفة، مستفيدةً من الميزات التقنية للمنصة التي تسمح بإنشاء مجموعات مغلقة تستوعب ما يصل إلى 5000 عضو. وتُوظف هذه الغرف المشفرة كـ "مراكز قيادة وسيطرة" عن بُعد لإدارة وتنسيق العمليات الإرهابية والتخطيط لها بدقة بعيداً عن أعين أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون؛ حيث تتيح للقادة والمجندين التواصل المباشر مع المنفذين وتوجيه تحركاتهم في الميدان لحظة بلحظة، فضلاً عن تزويدهم بالدعم الفني الحساس مثل مشاركة أدلة وخطط تصنيع المتفجرات، وتسهيل طرق الحصول على الأسلحة والمعدات اللوجستية اللازمة لتنفيذ الاعتداءات، وهو ما ثبت فعلياً في آلية إدارة هجمات باريس الدامية عام 2015.
علاوة على التنسيق العملياتي، تحولت هذه المجموعات الخاصة إلى ساحات متقدمة لإتمام عمليات التجنيد الذكي وإدارة الحملات الرقمية الموازية عبر استراتيجية تدفق دقيقة. وتبدأ هذه العملية باستدراج العناصر المتعاطفة من المنصات العامة المفتوحة (مثل تويتر) وتوجيههم إلى روابط غرف تيليجرام المغلقة، حيث يخضعون هناك لآليات فرز وتدقيق أمني صارمة (Vetting) تهدف إلى التحقق من هوياتهم واستبعاد أي اختراقات محتملة من قِبل الصحفيين، المحللين، أو الجواسيس. وبمجرد نيل الثقة، يتم تزويد المجندين الجدد بتعليمات حساسة تشمل كيفية السفر والالتحاق بمناطق النزاع. كما تُستغل هذه الغرف السرية كخلايا إعلامية مصغرة لتنسيق وإعداد الحملات الدعائية والترويجية سراً، وتجهيز المواد البصرية والروابط، قبل إطلاقها بشكل جماعي ومنظم وفي توقيت موحد على منصات التواصل الاجتماعي الأخرى مثل يوتيوب وتويتر لتحقيق أكبر قدر من التأثير.

سجل حافل بالدماء: أبرز الهجمات المنسقة عبر التطبيق
لم يعد الخطر الرقمي مجرد افتراضات؛ إذ تؤكد التحقيقات الجنائية والمصادر الأمنية أن "تيليجرام" كان حاضراً في التخطيط لعدة اعتداءات إرهابية كبرى، منها:
اعتداءات باريس (نوفمبر 2015): أثبت المحققون الفرنسيون استخدام المنفذين لدردشات التطبيق لتنسيق الهجمات المتزامنة التي أودت بحياة 130 شخصاً.
هجوم سوق عيد الميلاد في برلين (ديسمبر 2016): تواصل المنفذ أنيس عامري مع خلاياه وعائلته عبر التطبيق، مسبوقاً برسايل تحريضية بثت عبر قناة عامة قبل أسبوعين من الحادث.
حادثة كنيسة نورماندي بفرنسا (يوليو 2016): حيث تعارف المهاجمون وتلقوا تشجيعاً وتوجيهاً مباشراً من المنسق "رشيد قاسم" عبر غرف التطبيق.
مخططات دولية أحبطت ونفذت: شملت خلايا في إندونيسيا تلقت وثائق تصنيع قنابل، ومحاولات اعتداء في نيويورك، وتنسيق مبيعات أسلحة لخلايا في الهند (يونيو 2016)، فضلاً عن مؤامرة استهداف أولمبياد ريو في البرازيل.

الموقف الرسمي لـ "تيليجرام": 
يصف الخبراء موقف شركة "تيليجرام" وإدارتها بأنه يتسم بـ "التناقض والتردد"، حيث تمنح الشركة الأولوية المطلقة لخصوصية البيانات على حساب الاعتبارات الأمنية.
ورغم أن مؤسس التطبيق، بافل دوروف، قد صرح علانية في سبتمبر 2015 بأن "الحق في الخصوصية أكثر أهمية من خوفنا من وقوع أشياء سيئة مثل الإرهاب"، إلا أن الصدمة الدولية جراء هجمات باريس في نوفمبر من العام ذاته دفعت الشركة لتعديل جزئي في سياستها، وتعهدت بحظر القنوات العامة و"البوتات" التابعة لتنظيم داعش.
ومع ذلك، تصر الشركة في سياسة الأسئلة الشائعة لديها على الرفض القاطع لمراقبة أو إزالة المحادثات والمجموعات الخاصة، معتبرة إياها ملكاً حصرياً للمستخدمين، وهو الموقف الذي تراه الأجهزة الأمنية ثغرة تمنح المتطرفين "إفلاتاً نسبياً من العقاب".
وعلاوة على ذلك، ينتقد التقرير ما يصفه بـ "الصمت الانتقائي" للشركة، فبينما تلاحق قنوات داعش العامة بشكل محدود، تُبدي تجاهلاً تاماً لنشاطات تنظيمات أخرى مدرجة على قوائم الإرهاب الدولية مثل القاعدة، وحماس، وحزب الله، وطالبان، والتي تستمر قنواتها بالعمل بحرية كاملة ودون قيود ملموسة، مما يجعل جهود المنصة في مكافحة الإرهاب الرقمي – بنظر المراقبين – غير كافية وقاصرة عن مواجهة التهديد المتصاعد.

شارك