. زيارات ميدانيةلسفير الفاتيكان ترسم خريطة واقع المسيحيين بسوريا

الإثنين 29/يونيو/2026 - 11:02 ص
طباعة . زيارات ميدانيةلسفير روبير الفارس
 
 



منذ وصوله إلى دمشق سفيرًا بابويًا جديدًا، لم يكتفِ المطران لويجي روبرتو كونا باللقاءات البروتوكولية مع المسؤولين السوريين، بل اختار أن ينزل إلى الميدان، متنقلًا بين البطريركيات والإيبارشيات والرعايا في أكثر من منطقة، في رسالة واضحة مفادها أن فهم الواقع يبدأ من الإصغاء إلى الكنائس المحلية قبل صياغة أي تحرك دبلوماسي أو رعوي.

فالزيارات التي شملت عددًا من الكنائس والأساقفة والكهنة والمؤمنين لم تكن مجرد لقاءات تعارف، بل بدت أقرب إلى جولة استطلاعية لرسم صورة دقيقة عن أوضاع المسيحيين بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من الحرب، وما خلفته من نزيف بشري واقتصادي واجتماعي.

ويأتي هذا الحراك بعد سلسلة لقاءات رسمية أجراها السفير البابوي مع مسؤولين في الدولة السورية، إلى جانب اجتماعات مع رؤساء الكنائس، في محاولة لربط المسار الدبلوماسي بالواقع الكنسي والاجتماعي على الأرض.

الإصغاء قبل اتخاذ القرار

يعتمد الفاتيكان تقليديًا على السفراء البابويين بوصفهم "عيون الكرسي الرسولي" في الدول التي يخدمون فيها. ولذلك فإن المرحلة الأولى من مهمة أي سفير جديد تقوم على الاستماع إلى مختلف الأطراف، وجمع المعلومات من مصادر متعددة، والوقوف على احتياجات الكنائس المحلية بعيدًا عن التقارير الرسمية وحدها.

ومن هنا تكتسب زيارات المطران كونا للإيبارشيات أهمية خاصة، لأنها تتيح له الاطلاع المباشر على حجم التحديات التي تواجه الرعايا، من تراجع أعداد المؤمنين بسبب الهجرة، إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وصولًا إلى احتياجات المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية التابعة للكنائس.

 رسائل طمأنة 

يحمل وجود السفير البابوي بين المؤمنين بعدًا معنويًا لا يقل أهمية عن البعد الدبلوماسي. فزيارة القرى والرعايا والاستماع إلى الكهنة والعائلات توصل رسالة بأن الكنيسة الجامعة لا تزال تتابع أوضاعهم عن قرب، وأن الفاتيكان لا ينظر إلى المسيحيين في سوريا كأرقام في تقارير، بل كجماعات حية تحتاج إلى المساندة والرجاء.

كما تسهم هذه الزيارات في تعزيز التواصل بين الكنائس المحلية والكرسي الرسولي، وتفتح الباب أمام نقل الصورة الحقيقية إلى دوائر صنع القرار في الفاتيكان.

 ماذا يقدم  الفاتيكان ؟

ورغم المكانة الروحية والدبلوماسية الكبيرة للكرسي الرسولي، فإن قدرته على تغيير الواقع السوري بصورة مباشرة تبقى محدودة، إلا أنه يمتلك أدوات مؤثرة يمكن توظيفها لدعم الوجود المسيحي.

أول هذه الأدوات هو الحضور الدبلوماسي من خلال مواصلة الحوار مع السلطات السورية، والتأكيد على مبادئ المواطنة الكاملة، وحماية الحريات الدينية، وضمان مشاركة جميع مكونات المجتمع في بناء مستقبل البلاد.

كما يستطيع الفاتيكان أن يعزز الدعم الإنساني عبر تنسيق جهود المؤسسات الكنسية والمنظمات الكاثوليكية الدولية لتوسيع برامج الإغاثة، وإعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية، ودعم العائلات الأكثر تضررًا، خاصة في المناطق التي شهدت دمارًا واسعًا.

ويبرز أيضًا الدعم التعليمي والشبابي باعتباره استثمارًا طويل الأمد، من خلال توفير منح دراسية، وتمويل برامج تدريب مهني، وتشجيع المبادرات التي تساعد الشباب على البقاء في وطنهم بدلًا من الهجرة.

أما على المستوى الكنسي، فيمكن للفاتيكان أن يواصل دعم التعاون بين مختلف الكنائس في سوريا، بما يعزز الشهادة المسيحية المشتركة في مواجهة التحديات الراهنة.

تحديات تتجاوز الإمكانات

في المقابل، يدرك الفاتيكان أن معالجة أزمة المسيحيين في سوريا لا ترتبط بالكنيسة وحدها، بل بعوامل سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، أبرزها استمرار الهجرة، وتراجع فرص العمل، وصعوبة إعادة الإعمار، والعقوبات، وضعف الاستقرار في بعض المناطق.

ولذلك، فإن أي دعم كنسي لن يحقق أثرًا مستدامًا ما لم يترافق مع تحسن في الظروف العامة التي تسمح للعائلات بالبقاء، وتشجع من غادروا على التفكير في العودة.

 بداية مرحلة جديدة

تشير التحركات الأولى للمطران لويجي روبرتو كونا إلى أنه يفضل بناء مهمته على المعرفة الميدانية والحوار المباشر، وهو نهج يعكس أسلوب الدبلوماسية البابوية القائمة على الإصغاء قبل المبادرة.

ويبقى الرهان الأكبر أن تتحول هذه الزيارات إلى خطوات عملية تترجم احتياجات الكنائس المحلية إلى برامج دعم ملموسة، وأن يسهم الحضور البابوي في إبقاء قضية المسيحيين في سوريا حاضرة على جدول الاهتمام الدولي، في وقت لا يزال فيه هذا المكون التاريخي يواجه تحديات وجودية تتطلب أكثر من مجرد التضامن، بل شراكة حقيقية في حماية الإنسان، وصون التنوع الذي شكّل على مدى قرون أحد أبرز ملامح الهوية السورية.

شارك