هل بدأ "داعش" إعادة تنظيم صفوفه؟ قراءة في هجمات يونيو الدامية في سوريا

الأربعاء 01/يوليو/2026 - 02:21 م
طباعة هل بدأ داعش إعادة علي رجب
 
عادت المخاوف من تهديدات تنظيم "داعش" لتتصدر المشهد الأمني في سوريا، بعد أن وثقت تقارير ميدانية تنفيذ التنظيم لخمس هجمات خلال شهر يونيو المنصرم، استهدفت مناطق استراتيجية في محافظات حلب والرقة وريف دمشق. 

العمليات، التي اتسمت بالدقة والمباغتة، أسفرت عن سقوط 5 قتلى و3 جرحى، مما يعيد طرح تساؤلات جدية حول قدرة خلايا التنظيم على إعادة تنظيم صفوفها رغم فقدانها لسيطرتها الجغرافية الواسعة قبل سنوات.

خارطة العمليات: ضربات موزعة ومكثفة
تنوعت أساليب التنظيم في هجماته الأخيرة لتشمل العبوات الناسفة، وإطلاق النار المباشر عبر مسلحين يستقلون دراجات نارية، واستهداف المواقع الأمنية والعسكرية. 
في محافظة حلب سجل "المرصد السوري لحقوق الإنسان" عمليتين؛ الأولى استهدفت صهريجا لنقل النفط في منطقة منبج بريف المحافظة الشرقي، مسببة أضرارا مادية. 
أما الثانية، فقد كانت الأكثر دموية، حيث استهدفت مفرق "طحنة" بالريف الغربي لمنبج، مما أدى إلى مقتل عنصرين من "الفرقة 76 مدرعات" التابعة للحكومة السورية الانتقالية أثناء توجههما لخدمتهما العسكرية.

وشهدت محافظة الرقة المحافظة عمليتين؛ استهدفت الأولى عناصر من "الأمن الداخلي"، حيث قتل عنصران من الجهاز وعنصر من التنظيم في اشتباك مسلح تبناه "داعش" لاحقا عبر منصاته الإعلامية.
 بينما استهدفت العملية الثانية دورية تابعة لـ "فوج الهندسة" في الفرقة 72، حيث أطلق مسلحان النار على عنصرين على طريق عين عيسى، ما أدى إلى إصابتهما بجروح متفاوتة.

في ريف دمشق: انتقلت خطورة التنظيم إلى محيط العاصمة، حيث سجلت عملية نوعية استهدفت سيارة رئيس قسم "القصر العدلي" في بلدة ببيلا بواسطة عبوة ناسفة لاصقة. 
الانفجار أدى إلى إصابة المسؤول بجروح بالغة انتهت ببتر إحدى ساقيه، مما يشير إلى قدرة التنظيم على استهداف الشخصيات المدنية والأمنية حتى في المناطق التي يفترض أنها تحت السيطرة الأمنية المشددة.

دلالات الحصيلة: نمط هجومي جديد
بجمع هذه الوقائع، يتبين أن خسائر يونيو بلغت 5 قتلى (4 عسكريين وعنصر من التنظيم) و3 مصابين (عسكريان ومسؤول مدني). 
الأرقام، وإن بدت محدودة مقارنة بفترات السيطرة الواسعة للتنظيم، إلا أنها تعكس تحولا في استراتيجية "الخلايا النائمة"، التي باتت تعتمد على الضربات "الجراحية" السريعة لإرباك التشكيلات العسكرية والأمنية، وخلق حالة من عدم الاستقرار في المناطق التي شهدت نشاطا سابقا للتنظيم.

تقرير أمريكي: مخاوف من "انفلات أمني"
تأتي هذه الهجمات متزامنة مع تحذيرات دولية متصاعدة؛ ففي مايو الماضي، أشار تقرير أمريكي صادر عن المفتش العام المرتبط بعملية "العزم الصلب" إلى أن الانفلات الأمني في شمال شرقي سوريا يمثل بيئة خصبة تتيح للتنظيم استعادة جزء من قدراته على التنظيم والتحرك.

وأكد التقرير أن التطورات التي أعقبت انهيار خطوط السيطرة أواخر يناير 2026 أدت إلى تراجع ملحوظ في قدرة الجهات المحلية على ضبط منشآت الاحتجاز ومخيمات النازحين. ولعل أبرز التحديات التي يواجهها المجتمع الدولي هي الحالة داخل "مخيم الهول"، الذي كان يضم ما يزيد عن 23 ألف شخص عشية انتقال السيطرة، بينهم أجانب من أكثر من 40 جنسية. وبحسب وكالة "رويترز"، فإن الفوضى الأمنية أدت إلى فرار أعداد كبيرة من المقيمين، لا سيما من القسم المعروف بـ "الملحق"، حيث تشير مصادر سورية إلى أن هؤلاء الفارين انتشروا بالفعل داخل الأراضي السورية وخارجها، مما يمهد لولادة جيل جديد من الخلايا النشطة.

التحديات القادمة: إعادة التنظيم في ظل الهشاشة
يؤكد المراقبون أن نشاط "داعش" الحالي لا يقتصر على الهجمات المسلحة، بل يمتد ليشمل العداء للمنظمات الإنسانية والصدام مع حراس المخيمات، في محاولة مستمرة لزعزعة الاستقرار الاجتماعي والأمني. إن هشاشة الوضع الأمني في شمال شرقي سوريا، مقترنة بوجود آلاف العناصر والمتهمين بالانتماء للتنظيم في مراكز احتجاز غير محصنة بشكل كامل، يجعل من "العودة الرقمية والعملياتية" للتنظيم سيناريو واقعيا يهدد المسارات السياسية والأمنية في البلاد.

إن العمليات الخمس التي شهدها يونيو الماضي ليست سوى انعكاس لواقع ميداني مضطرب، حيث يجد التنظيم في "ثغرات الفوضى" ملاذا لإثبات وجوده.
 وباتت السلطات الانتقالية والجهات الفاعلة في المنطقة أمام تحدي مزدوج: ضبط الحدود والمواقع الحيوية من جهة، ومواجهة استراتيجية "الضربات الخاطفة" التي تعتمدها خلايا التنظيم لإبقاء حالة الاستنزاف مستمرة لأطول فترة ممكنة، بانتظار متغيرات ميدانية قد توفر له فرصا أوسع لإعادة التمركز.

ختاما، يبقى السؤال مطروحا: هل تنجح القوى المحلية والدولية في سد الثغرات الأمنية التي يتسلل منها التنظيم، أم أننا أمام مرحلة طويلة من "حرب الاستنزاف" التي سيظل فيها "داعش" لاعبا قادرا على تعكير صفو الاستقرار مهما كانت قدراته المادية محدودة؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف مدى فاعلية الإجراءات الأمنية التي من المتوقع أن تشهد تصعيدا في أعقاب هذه الهجمات.

شارك