دراسة جديدة اثناسيوس سرجيوس يحلل العلاقة بين البابا شنوده ومكرم عبيد انتقال الكاريزما من السياسي إلى الكنسي
الإثنين 10/أغسطس/2026 - 11:27 ص
طباعة
روبيرالفارس
في دراسة حديثة متفردة قدم المفكر الكبير اثناسيوس سرجيوس مقارنة تحليلية بين البابا شنوده ومكرم عبيد شارحا في تفاصيل دقيقة كيف انتقلت الكاريزما من المؤسسة السياسية الي المؤسسة الكنسية .وتنفرد البوابة بنشر هذه الدراسة حيث كتب اثناسيوس سرجيوس يقول
مدخل: لا تُفهم القمم من ذُراها وحدها
لا تُقرأ الشخصيات التاريخية الكبرى قراءةً جادّة من ذروة حضورها وحدها؛ فالذروة، مهما بدت مكتفيةً بذاتها، ليست إلا الموضع الأخير الذي تظهر فيه قوى تكوينية سبقتها، وتفاعلت في الخفاء زمنًا طويلًا قبل أن تتجسد في خطابٍ أو موقفٍ أو مؤسسة. ومن يكتفِ بتأمل الثمرة بعد نضجها، من غير أن يعود إلى التربة والمناخ والجذور، يستبدل بالتاريخ سيرةً تقديسية، وبالتحليل احتفاءً إنشائيًّا، ويجعل العظمة حدثًا مفاجئًا لا مسارًا إنسانيًّا مركبًا.
من هنا تنطلق هذه الدراسة من أطروحة محددة: إن شخصية البابا شنودة الثالث، بما اتسمت به من قدرة استثنائية على صوغ العبارة، وإدارة المنبر، واستدعاء الوجدان الوطني، وبناء الحضور الكنسي في المجال العام، لا يمكن تفسيرها بالرهبنة وحدها، ولا بالتكوين اللاهوتي وحده، ولا حتى بموهبته الشعرية الفطرية. فقد سبقت الصحراءَ مرحلةٌ مدينية وسياسية وصحفية كثيفة، كان فيها نظير جيد روفائيل شاهدًا على اضطراب مصر الليبرالية في أربعينيات القرن العشرين، ومشاركًا — ولو زمنًا محدودًا — في الحياة الحزبية والخطاب الجماهيري، ومتصلًا بشخصية مكرم عبيد باشا، أحد أكثر خطباء مصر الحديثة قدرةً على تحويل اللغة إلى سلطة رمزية.
ولذلك فالمسألة ليست بحثًا عن «مصدر وحيد» لشخصية البابا شنودة، ولا محاولةً لاختزال تاريخه في أستاذٍ واحد؛ فالشخصية الإنسانية لا تُسكب في قالب مفرد، ولا تُردّ إلى علة واحدة. إنما المقصود الكشف عن طبقة مبكرة من طبقات التكوين: كيف وجد الشاعر الشاب في مكرم عبيد نموذجًا للقبطي الذي يعبر من حدود الجماعة إلى فضاء الأمة؟ وكيف تعلّم أن العبارة الموجزة تستطيع أن تؤسس ولاءً، وأن الإلقاء ليس حاملًا محايدًا للمعنى بل جزء من صناعته؟ وكيف انتقلت بعض تقنيات الميدان السياسي، بعد إعادة تعميدها روحيًّا، إلى منبر الكاتدرائية ومجلة الكنيسة والمؤسسة البابوية؟
وعليه، فالعلاقة بين الرجلين لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تشابهًا عابرًا بين خطيبين، بل باعتبارها حلقةً في تاريخ انتقال الكاريزما المصرية: من زعيم حزبي قبطي يخاطب أغلبية مسلمة باسم الوطن، إلى بطريرك قبطي يخاطب الكنيسة والدولة والمجتمع باسم الدين والوطن معًا.
أولًا: الطفولة الجريحة واللغة بوصفها وطنًا بديلًا
وُلد نظير جيد روفائيل في الثالث من أغسطس سنة ١٩٢٣ في قرية سلام بمحافظة أسيوط. وتوفيت والدته بلسم جاد بعد مولده متأثرة بحمّى النفاس، فتناوبت نساء القرية على رعايته وإرضاعه، وتحتفظ الروايات المحلية بذكر سيدة مسلمة عُرفت بالحاجة صابرة ضمن مَن قمن بإرضاعه. وهذه التفاصيل، وإن كانت تحتاج دائمًا إلى التمييز بين الوثيقة الصلبة والذاكرة الشفوية، تتفق في جوهرها على أن الطفل بدأ حياته بفقدٍ مبكر، ثم تلقّى الرعاية من دائرة بشرية أوسع من حدود الأسرة المباشرة.
ولا يصح أن نحمل هذه الواقعة أكثر مما تحتمل، فنستخرج منها آليًّا عقيدةً سياسية مكتملة في الوحدة الوطنية؛ فالرضيع لا يصوغ فلسفةً للمواطنة من خبرة الرضاعة. غير أن الذاكرة اللاحقة، حين تستعيد واقعةً كهذه وتمنحها موقعًا في السيرة، لا تستعيدها بوصفها حادثًا بيولوجيًّا فحسب، بل تصوغ منها رمزًا: طفل مسيحي فقد أمّه، فحملته نساء القرية، مسلمات ومسيحيات، وتوزّع جسده الصغير على عناية الجماعة قبل أن يعرف معنى الانتماء أو الاختلاف.
هنا يمكن للقراءة النفسية الحذرة أن تتحدث عن مستويين متداخلين. المستوى الأول هو فقدان الموضوع الأول: غياب الأم في اللحظة التي لم يكن فيها العالم قد انفصل بعدُ في إدراك الطفل عن جسدها وصوتها ورائحتها. أما المستوى الثاني فهو تعدد موضوعات الرعاية البديلة؛ أي انتقال وظيفة الاحتواء من الأم الواحدة إلى جماعة من النساء والأقارب. ولا يتيح لنا ذلك تشخيصًا بأثر رجعي، لكنه يفتح مجالًا لفهم بعض السمات اللاحقة: الحساسية الشديدة تجاه الفقد، والبحث عن الأمان في الأبنية الرمزية الكبرى، والقدرة على جعل الجماعة أمًّا بديلة، واللغة بيتًا داخليًّا، والمؤسسة جسدًا حاميًا.
لقد ظهر نهم نظير جيد إلى الكلمة في وقت مبكر؛ قرأ الشعر وحفظه، وشرع في نظمه، وصارت اللغة لديه أكثر من أداة تعبير. كانت وسيلةً لتنظيم العالم الداخلي، ومنح الخبرة المبعثرة وزنًا وقافيةً وصورة. فالطفل الذي لا يستطيع أن يستبقي الموضوع المفقود في الخارج قد يتعلم، بطرق لا شعورية شديدة التعقيد، أن يستبقيه في الرمز. ومن هذه الزاوية لا يكون الشعر مجرد موهبة فنية، بل صورةً من صور التعويض الخلّاق: لا بمعنى أن كل شاعر يتيم، ولا أن كل إبداع أثر مباشر لجرح، بل بمعنى أن النفس قد تحول النقص إلى طاقة تشكيل، والغياب إلى حضور لغوي، والحرمان إلى قدرة على منح الآخرين كلماتٍ يسكنون إليها.
ولعل هذا يفسر — جزئيًّا لا كليًّا — لماذا كانت العبارة عند البابا شنودة فيما بعد ذات وظيفة وجدانية تتجاوز مضمونها التعليمي. فهو لم يكن يقدّم الأفكار بوصفها قضايا ذهنية مجردة، بل كان يصوغها في صورة أقوال قابلة للحفظ والترديد؛ كأن الكلمة لا تكتمل عنده إلا حين تصير مأوىً مشتركًا، يرددها السامعون فيشعرون أن لهم في اللغة بيتًا وفي الخطيب أبًا.
غير أن الأمانة العلمية تقتضي رفض السهولة التفسيرية. فالسيرة ليست جوابًا واحدًا عن جرح واحد، والبابا شنودة لا يُختزل في طفل فقد أمّه، كما لا يُختزل بولس الرسول في طريق دمشق ولا أغسطينوس في دموع مونيكا. إن الجرح قد يهيئ إمكانًا، لكنه لا يفرض مصيرًا؛ وما يصنع الشخصية هو تفاعل الاستعداد النفسي مع التعليم والثقافة والمؤسسات والاختيارات الحرة والوقائع التاريخية.
ثانيًا: التنقل بين المدن وتكوين الذات متعددة الأصوات
انتقل نظير جيد في طفولته وشبابه بين أكثر من مدينة، وتولى شقيقه الأكبر روفائيل جانبًا مهمًّا من رعايته. وعاش في دمنهور وأسيوط وبنها ثم القاهرة، ولا سيما شبرا؛ ذلك الحي الذي جمع في نسيجه الاجتماعي الطبقات الوسطى والدنيا، والمهاجرين من الأقاليم، والكنائس والمدارس والأسواق، والتدين الشعبي والثقافة الحديثة.
لم يكن هذا الانتقال الجغرافي عديم الأثر. فالطفل المستقر في مكان واحد يتلقى هويته من محيط شبه ثابت، أما الطفل المتنقل فيتعلم باكرًا أن يعيد تعريف ذاته في كل فضاء جديد، وأن يقرأ إشارات الجماعة ولهجتها ومراتبها وقيمها، وأن يكتسب ما يمكن تسميته المرونة الرمزية: القدرة على حمل هوية ثابتة نسبيًّا داخل سياقات متغيرة.
وهذا التكوين المتنقل يساعد على فهم إحدى خصائص البابا شنودة الخطابية اللاحقة: قدرته على مخاطبة مستويات مختلفة من الجمهور من غير أن يبدو غريبًا عن أي منها. فقد كان يستطيع أن يتكلم بلغة اللاهوتي في الكلية الإكليريكية، ولغة الواعظ الشعبي في اجتماع الأربعاء، ولغة السياسي في اللقاءات العامة، ولغة الأديب مع الشعراء والصحفيين، ولغة الأب مع السائل الفرد. لم تكن هذه القدرة مجرد حيلة خطابية، بل ثمرة حياة مبكرة عرفت تعدد البيئات، واضطرت إلى الترجمة المستمرة بين عالم وآخر.
وفي شبرا تحديدًا اتصل نظير جيد بحركة مدارس الأحد، وهي الحركة التي لم تكن نشاطًا تعليميًّا للأطفال فحسب، بل مشروعًا لإعادة تكوين الوعي القبطي الحديث. فقد جمعت بين التعليم الديني، وتنظيم الشباب، والإصلاح الكنسي، وإعادة الاعتبار إلى المعرفة اللاهوتية والكتاب المقدس، وتشكيل نخبة علمانية متعلمة رأت أن تجديد الكنيسة يبدأ من تجديد العقل والضمير.
وهكذا صار نظير جيد يعيش منذ شبابه عند ملتقى دوائر أربع: الأدب، والتاريخ، والعمل الكنسي، والشأن العام. ولم تكن هذه الدوائر مستقلةً بعضها عن بعض، بل كانت تتفاعل في داخله: التاريخ يمنحه حسّ الزمن والاستمرار؛ والشعر يمنحه الصورة والإيقاع؛ والخدمة تمنحه الجمهور والغاية؛ والسياسة تمنحه الوعي بالقوة والمجال العام.
ثالثًا: المؤرخ واللاهوتي والجندي والمعلّم
التحق نظير جيد بجامعة فؤاد الأول، التي صارت لاحقًا جامعة القاهرة، ودرس التاريخ والآثار والحضارة القديمة والإسلامية، وتخرج سنة ١٩٤٧ بتقدير متميز. وفي أثناء دراسته الجامعية التحق أيضًا بالكلية الإكليريكية في قسمها المسائي، ثم خدم ضابطًا احتياطيًّا، وعمل بالتدريس قبل أن يتفرغ للعمل الكنسي والتعليمي. وتجمع المصادر على أن تكوينه لم يكن دينيًّا منعزلًا، بل مزج بين الدراسة التاريخية، والخدمة، والتعليم، والخبرة العسكرية المبكرة.
وهذا التعدد ليس تفصيلًا هامشيًّا؛ لأنه أسهم في صوغ أربع ملكات ستظهر لاحقًا في شخصيته.
أولها ملكة المؤرخ: الميل إلى ترتيب الوقائع في تسلسل، وربط الحاضر بالماضي، وإضفاء شرعية تاريخية على الموقف الراهن. وقد ظل التاريخ في خطاب البابا شنودة مخزنًا للحجج والأمثلة والرموز، لا سجلًّا باردًا للأحداث.
وثانيها ملكة اللاهوتي المعلّم: القدرة على تحويل القضايا المعقدة إلى وحدات معرفية مرتبة، وتعريفات وتقسيمات ومقابلات يسهل على الجمهور حفظها. وهذه ليست ملكة الواعظ المرتجل وحده، بل ثمرة عقل تعليمي يشتغل بالتصنيف والتبويب والتدرج.
وثالثها ملكة الضابط: الانضباط، والحضور الجسدي، وحسّ النظام والتراتبية، والنظر إلى المؤسسة بوصفها جسدًا لا يقوم بغير قيادة واضحة وتسلسل للسلطة. ولا يصح أن نبالغ فنجعل خدمته العسكرية مفتاح شخصيته كلها، لكن من الصعب تجاهل انسجام هذه الخبرة مع ميله اللاحق إلى التنظيم المركزي، وضبط الخطاب، وتوحيد التعليم.
أما الرابعة فهي ملكة المعلّم؛ وهي أعمق من مجرد القدرة على الشرح. فالمعلم الناجح لا ينقل المعلومة فحسب، بل يبني جماعةً من المتلقين حول صوته، ويضبط زمنهم وانتباههم، ويصوغ العلاقة بين السؤال والجواب، وبين المعرفة والسلطة. ومن هذا المنظور كانت خبرة التدريس تهيئةً مباشرة لمنبره اللاحق؛ فقد تعلم قبل الرعاية أن يقود الانتباه، وقبل البطريركية أن يحول جمهورًا متفرقًا إلى فصل رمزي واحد.
لقد اجتمع في نظير جيد، إذن، ما قلما يجتمع في رجل كنسي واحد: المؤرخ الذي يحسن بناء السرد، والشاعر الذي يحسن صنع الصورة، والجندي الذي يفهم النظام، والمعلم الذي يدير الجمهور. وكانت هذه الأدوات تنتظر المجال الذي سيجمعها ويمنحها غايةً واحدة.
رابعًا: مصر الأربعينيات وانهيار البراءة الليبرالية
لا يمكن فهم انجذاب نظير جيد إلى مكرم عبيد من غير استحضار المسرح التاريخي الذي جرى فيه اللقاء. كانت مصر في الأربعينيات تعيش أزمةً مركبة: الاحتلال البريطاني، وصراع القصر مع الأحزاب، وآثار الحرب العالمية الثانية، وتآكل الثقة في التجربة البرلمانية، وتصاعد الأسئلة المتعلقة بالهوية والدين والعدالة الاجتماعية.
وكان حزب الوفد قد مثّل، منذ ثورة ١٩١٩، الصيغة الأكثر نجاحًا — وإن لم تكن مكتملة ولا خالية من التناقضات — لدمج المسلمين والأقباط في حركة وطنية واحدة. فلم يكن انخراط القبطي في الوفد مجرد مشاركة فردية، بل خروجًا رمزيًّا من موقع «الطائفة» إلى موقع «الأمة». وفي هذا السياق صعد مكرم عبيد، لا بوصفه زعيمًا قبطيًّا يفاوض الدولة على حقوق جماعته، بل بوصفه سياسيًّا مصريًّا يتكلم باسم الأغلبية الوطنية ويشارك في قيادة حزبها الأكبر.
تصفه دراسة أكاديمية صادرة عن مكتبة الإسكندرية بأنه كان خطيبًا وكاتبًا بارعًا، وأنه مثّل نموذجًا لقبطي خرج من جماعته الأقلية ليشارك بفاعلية في المجال السياسي للأغلبية، مستندًا إلى المناخ الليبرالي والديمقراطي الذي أتاح له أن يكون جزءًا من الحركة الوطنية لا ممثلًا طائفيًّا منفصلًا. كما تؤكد الدراسة أنه تجنب عمدًا أن يُختزل في دور الزعيم الملي، وسعى إلى تجاوز السياسة الطائفية نحو الأرضية الوطنية المشتركة.
كانت هذه الصورة، بالنسبة إلى شاب قبطي موهوب وطموح، أكثر من سيرة سياسية ناجحة؛ كانت إمكانًا وجوديًّا. فقد أثبت مكرم عبيد أن القبطي يستطيع أن يتحدث فيسمعه المسلمون، وأن يستشهد بالقرآن فلا يُتهم بالتصنع، وأن يصير لسانًا لجماهير تتجاوز حدود ملّته، وأن تتحول خصوصيته الدينية من قيدٍ على الحضور إلى خلفية أخلاقية تغنيه من غير أن تحبسه.
غير أن الأربعينيات كانت أيضًا زمن انهيار هذه البراءة. ففي سنة ١٩٤٢ انفجر الخلاف بين مكرم عبيد ومصطفى النحاس، وأُقصي مكرم من الوفد، فتأسست الكتلة الوفدية، ثم ظهر «الكتاب الأسود» سنة ١٩٤٣ متضمنًا اتهامات للحكومة الوفدية بالمحاباة والفساد. وقد كان لهذا الانشقاق أثر بالغ في الحياة الحزبية، لكنه مثّل كذلك بداية الانحسار السياسي لمكرم، إذ لم تستطع الكتلة أن ترث مكانة الوفد الجماهيرية، وظل انفصاله عنه محل جدل بين من رأوه موقفًا أخلاقيًّا ضد الفساد ومن رأوه خطأً سياسيًّا أضعف الحركة الوطنية وأتاح للقصر الانتفاع من الانقسام.
وهنا بالضبط دخل نظير جيد إلى المشهد: لا في زمن صعود مكرم المطلق، بل في زمن المحنة والانشقاق والدفاع والهجاء. ولذلك لم يتعلم منه بلاغة الإجماع فقط، بل تعرّف أيضًا إلى بلاغة الصراع؛ لا لغة الوحدة الوطنية وحدها، بل لغة الخصومة، وكشف الفساد، وتسمية العدو، وتعبئة الأنصار.
وهذه الثنائية ستظل حاضرة في خطاب البابا شنودة نفسه: قدرةٌ على صوغ كلمات جامعة للأمة، وقدرةٌ موازية على بناء خطاب حادّ حين يرى أن العقيدة أو الكنيسة أو الجماعة مهددة. ومن الخطأ تفسير الوجه الثاني بأنه نقيض الوجه الأول؛ فكلاهما خرج من تصور واحد للكلمة بوصفها أداة قيادة: تجمع حين يكون الجمع واجبًا، وتفصل حين يصبح التمييز ضرورة.
خامسًا: مكرم عبيد — القبطي الذي رفض أن يكون زعيم طائفة
وُلد مكرم عبيد سنة ١٨٨٩ في قنا، وتلقى تعليمًا قانونيًّا رفيعًا، ثم برز في الحركة الوطنية، وارتبط بسعد زغلول، ونُفي معه، وتولى مناصب سياسية ونقابية ووزارية متعددة، وصار سكرتيرًا عامًّا للوفد وأحد أبرز خطبائه ومنظّريه. وتجمع الدراسات على أنه كان من أكثر رجال عصره قدرةً على التأثير في الجماهير وصوغ العبارة السياسية المحكمة.
لكن الأهم في تجربته لم يكن مجرد وصول قبطي إلى الوزارة أو قيادة حزب؛ فقد سبقه أقباط إلى مناصب الدولة. الأهم هو أنه حاول أن يحلّ تناقضًا عميقًا في وضع الأقلية: كيف يحافظ الإنسان على انتمائه الخاص من غير أن يتحول هذا الانتماء إلى سجن سياسي؟ وكيف يشارك في وجدان الأغلبية من غير أن يذوب فيها أو يتنكر لتراثه؟
كان جواب مكرم عمليًّا قبل أن يكون نظريًّا. فلم يضع نفسه في موقع المتحدث باسم «المسيحيين» أمام «المسلمين»، بل في موقع المصري الذي يخاطب المصريين. وحين استدعى النص القرآني أو العبارة الإسلامية، لم يكن يعاملها زينةً مستعارة من ثقافة الآخر، بل جزءًا من الرصيد الرمزي المشترك للجماعة الوطنية التي يخاطبها. إنه لم يقف خارج وجدان الأغلبية ليجامله، بل دخل إلى لغته من الداخل، وحاول أن يبرهن أن المسيحي يستطيع أن يكون أمينًا لدينه ومشاركًا في الوقت نفسه في الحساسية الثقافية الإسلامية المحيطة به.
في هذا السياق تُفهم العبارات المنسوبة إليه من قبيل: «نحن مسلمون وطنًا ونصارى دينًا»، و«مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا». فقيمة هذه الأقوال لا ترجع إلى زخرفها وحده، بل إلى هندستها الجدلية. إنها تضع عنصرين متعارضين ظاهريًّا داخل جملة واحدة، ثم تعيد ترتيب العلاقة بينهما حتى يزول التعارض: الوطن لا يلغي الدين، والدين لا ينفي الوطن؛ المسيحي يستطيع أن يكون «مسلمًا» بالمعنى اللغوي الرمزي، أي مستسلمًا لله ومناصرًا للوطن، والمسلم والمسيحي يستطيعان أن يدخلا في تركيب بلاغي واحد من غير أن يفقد كل منهما اسمه.
هذه البلاغة ليست محسنات بديعية محضة، بل لاهوت مدني مضغوط في عبارة. فهي لا تقدم مفهومًا قانونيًّا للمواطنة، بل تصنع صورة وجدانية لها؛ ولا تناقش علاقة الدين بالدولة في مواد دستورية، بل تؤسس في المخيال الشعبي إمكان الاجتماع بين الهوية الدينية والهوية الوطنية.
ومن هنا كانت جاذبية مكرم لنظير جيد. فقد رأى فيه نموذجًا لا يطلب من القبطي أن يتخفف من مسيحيته ليكون وطنيًّا، ولا أن ينكفئ داخل كنيسته ليظل مسيحيًّا، بل يخرج بخصوصيته إلى المجال العام ويعيد ترجمتها في لغة يشترك فيها الجميع.
سادسًا: «شاعر الكتلة الوفدية» — الاعتراف الذي يصنع صاحبه
تشير الشهادات الصحفية والذكريات المنشورة إلى أن نظير جيد ارتبط في شبابه بالكتلة الوفدية، وكان يلقي القصائد الوطنية في اجتماعاتها، وأن مكرم عبيد كان يستقبله بعبارة: «أهلًا بشاعر الكتلة الوفدية». وتروي شهادة لأحد زملائه أن مكرم كان يضع يده على كتفه ويقدمه بهذا اللقب، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن قصيدته الهجائية الموجهة ضد مصطفى النحاس أدت إلى ملاحقة منزله وتفتيشه.
وليس اللقب هنا أمرًا شكليًّا. فالأسماء التي يمنحها أصحاب السلطة الرمزية للشباب قد تصبح جزءًا من هويتهم قبل أن تكون وصفًا لإنجازهم. حين يقول مكرم عبيد أمام الجمهور: «شاعر الكتلة الوفدية»، فإنه لا يصف نظير جيد فحسب، بل يمنحه موضعًا في المسرح العام. إنه ينقله من شاب يكتب الشعر إلى شاعر تعترف به الجماعة، ومن صوت فردي إلى وظيفة رمزية داخل الحركة.
في علم النفس الذاتي يمكن وصف مثل هذه اللحظة بأنها لحظة انعكاس مرآوي: يرى الشاب صورته الممكنة منعكسةً في اعتراف شخصية أسبق وأقوى. ولا تنشأ الذات من الداخل وحده، بل تتشكل أيضًا من نظرات الآخرين الذين يملكون سلطة التسمية. فحين يعترف الأستاذ بموهبة التلميذ علنًا، يصبح الاعتراف طاقةً نفسية، ويكتسب التلميذ ثقةً بأن صوته قادر على عبور المسافة بينه وبين الجمهور.
وكان نظير جيد، بحكم يتمه المبكر وتنقله بين البيئات، مهيأً لأن تكون لحظة الاعتراف هذه ذات قيمة خاصة. غير أن استعمال مفهوم «مثال الأنا» ينبغي أن يكون منضبطًا. فليس معنى ذلك أن مكرم حلّ نفسيًّا محل الأم أو الأب، ولا أن كل ما فعله البابا شنودة لاحقًا كان تكرارًا لسلوك أستاذه؛ بل إن مكرم جسّد أمام الشاب صورةً اجتماعية ممكنة لذاته: رجل الكلمة، والقبطي الوطني، والخطيب الذي يملك مجلسه، والمثقف الذي لا يكتفي بالتأمل بل يتدخل في الواقع.
وقد جرى بين الاثنين ما يمكن تسميته التماهي الانتقائي. لم ينسخ نظير جيد شخصية مكرم بكاملها؛ فلم يتبنَّ مصيره الحزبي، ولم يستمر في السياسة، ولم يجعل من الزعامة الوطنية غايته الأخيرة. لكنه أخذ منه عناصر محددة: الثقة بالمنبر، والإيمان بسلطان العبارة، والقدرة على تحويل الخصوصية القبطية إلى حضور وطني، والجرأة على مخاطبة السلطة، وفنّ صناعة الجملة التي تعيش بعد انتهاء المناسبة.
والتماهي الناضج لا يصنع نسخةً من الأصل، بل يمنح الذات مادةً أولى تعيد تشكيلها. لذلك كان انسحاب نظير جيد من السياسة، ثم انتقاله إلى الخدمة والرهبنة، فعل استقلال بقدر ما كان استمرارًا. لقد قبل الاعتراف الذي منحه له مكرم، لكنه رفض أن يظل اللقب الأخير في سيرته هو «شاعر الكتلة الوفدية».
سابعًا: من البلاغة المطوّلة إلى الجملة الأيقونة
أهم ما يمكن رصده في الأثر المكرمي هو تصور العبارة بوصفها كيانًا مستقلًّا قابلًا للحفظ والتداول. فمكرم عبيد لم يكن خطيبًا يعتمد على تراكم الحجج وحدها، بل كان بارعًا في استخراج جملة مركزية من الخطبة، جملة تعمل بعد انتهاء الكلام عمل الشعار والمثل والحكمة.
وتقوم هذه الجمل عادة على عناصر بلاغية واضحة:
1. المقابلة بين طرفين: الوطن الذي نعيش فيه والوطن الذي يعيش فينا.
2. قلب العلاقة النحوية والدلالية: لا يعود الإنسان فاعلًا يسكن الوطن فقط، بل يصبح الوطن فاعلًا يسكن الإنسان.
3. التوازي الإيقاعي الذي يجعل العبارة قابلة للاستظهار.
4. الاقتصاد اللفظي؛ إذ تُضغط الفكرة السياسية أو الأخلاقية في بناء قصير.
5. المفارقة المضيئة التي تفاجئ السامع من غير أن تربكه.
وسوف تصبح هذه الهندسة إحدى العلامات الفارقة في خطاب البابا شنودة. فقد كان يبدأ أحيانًا بفكرة واسعة، ثم يضغطها في تعريف أو مقابلة أو حكمة، كأن العظة كلها تمهيد لجملة واحدة ينبغي أن تبقى. وهو ما يفسر انتشار أقواله منفصلةً عن سياقاتها الأصلية؛ فالعبارة عنده مصممة لكي تستقل عن الخطبة وتواصل حياتها في الذاكرة.
إلا أن هذه التقنية ليست مجرد أثر مباشر لشخص مكرم، بل التقاء بين مؤثرات عدة: الشعر العربي، والأمثال، والحكمة الكتابية، والخطابة السياسية، والتعليم الكنسي. وما قدمه مكرم هو النموذج الحي لكيفية استعمال هذه المواد في الفضاء الجماهيري الحديث.
كان البابا شنودة يدرك أن الجماهير لا تحمل معها بنية المحاضرة كاملة، لكنها تحمل الجملة المحورية. ولذلك كان يبني ذاكرة السامعين لا معلوماتهم فقط. والفرق بين التعليم الذي يملأ العقل والتعليم الذي يشكل الوجدان هو أن الثاني يمنح الإنسان عبارةً يستدعيها في لحظة الأزمة. ومن هنا تحولت أقواله عند أجيال واسعة من الأقباط إلى ما يشبه «الأمثال الرعوية» التي تستخدم في العزاء والنصح والخصومة والتوبة والتأمل.
غير أن لهذه البلاغة وجهًا آخر ينبغي ألا يُغفل. فالجملة المحكمة، بقدر ما تنير، قد تختزل؛ وبقدر ما تُحفظ، قد تُغلق النقاش. وحين تصدر الحكمة عن قائد ديني ذي سلطة واسعة، يمكن أن تنتقل من كونها مدخلًا إلى التفكير إلى كونها خاتمةً له. وهذه إحدى المفارقات التي ستصاحب خطاب البابا شنودة: قوته التعليمية نشأت من قدرته على التبسيط، لكن التبسيط نفسه كان قادرًا أحيانًا على تحويل المسألة المركبة إلى ثنائية حاسمة لا تترك مساحة كافية للمنطقة الرمادية.
وهذا أيضًا مما يمكن ردّه، لا إلى مكرم وحده، بل إلى طبيعة الخطاب الجماهيري الذي عاشه الشاب في الأربعينيات: خطاب يحتاج إلى الوضوح والتعبئة أكثر مما يحتاج إلى التردد الأكاديمي والتحفظات الدقيقة.
ثامنًا: التناص الديني بوصفه عقدًا وطنيًّا
كان استدعاء مكرم عبيد للقرآن والتراث الإسلامي أكثر من استعراض لثقافة واسعة. لقد كان فعلًا بلاغيًّا وسياسيًّا يقصد به الدخول إلى الذاكرة الجمعية للأغلبية، وإثبات أن النص الديني الذي يخص الآخر عقديًّا يستطيع أن يكون مساحةً مشتركة ومرجعًا أخلاقيًّا في المجال الوطني.
وفي هذا الاستعمال تتجلى وظيفة شديدة الدقة للبلاغة: إلغاء المسافة من غير إلغاء الاختلاف. لم يكن مكرم مسلمًا من الناحية العقدية، لكنه كان قادرًا على التحرك داخل اللغة الإسلامية المصرية من غير أن ينكر مسيحيته. وبذلك لم يعد الاقتباس من القرآن استعارةً من الخارج، بل إعلانًا أن الثقافة القومية أوسع من حدود الانتماء الديني المفرد.
وقد ورث البابا شنودة هذه الحساسية، وإن أعاد توجيهها بما يلائم موقعه الكنسي. فلم يكن خطابه الوطني قائمًا على مصطلحات مسيحية مغلقة، بل كان يستخدم اللغة العربية المشتركة، والشعر، والأمثال، والتاريخ، والتعبيرات التي يستطيع المسلم والمسيحي أن يتلقياها من غير حاجة إلى ترجمة عقائدية. وكان حين يتحدث في مناسبة وطنية لا يتخلى عن موقعه الديني، لكنه يختار من مخزون هذا الموقع ما يمكن أن يلتقي عنده الجميع: المحبة، والعدل، والوفاء، والتضحية، وحرمة الوطن.
وهنا يظهر فرق مهم بين التوفيق السطحي والتناص العميق. التوفيق السطحي يجمع آية من هنا وعبارة من هناك ليصنع صورة احتفالية للوحدة، أما التناص العميق فيعيد بناء موقع المتكلم نفسه، بحيث لا يعود يخاطب الآخر من وراء سور، بل يعترف بأن لغة الآخر جزء من العالم الرمزي الذي يعيش فيه.
لقد تعلم نظير جيد من مكرم أن الخطيب لا يخاطب جمهورًا جاهزًا فحسب، بل يصنع الجمهور الذي يخاطبه. حين يقول المتكلم «نحن»، فإنه يحدد ضمنيًّا من يدخل في هذه الـ«نحن» ومن يبقى خارجها. وقد كانت عبقرية مكرم في توسيع ضمير الجمع حتى يضم المسيحي والمسلم في ذات وطنية واحدة. أما البابا شنودة فقد سعى، في أفضل لحظاته الوطنية، إلى توسيع ضمير الكنيسة بحيث لا يبدو انتماؤها القبطي انفصالًا عن مصر، بل صورةً من صور الانتماء العميق إليها.
تاسعًا: الأداء — حين يصبح الصوت جسدًا للمعنى
لا تقوم الخطابة على النص وحده؛ فالعبارة المكتوبة لا تساوي العبارة حين تتجسد في صوت ونظرة وصمت وحركة. وكان مكرم عبيد مشهورًا بحضوره الخطابي، وبقدرته على التأثير في الجمهور، حتى وصفه معاصرون بأنه خطيب عاطفي كالموسيقي، قادر على الانتقال بين النبرات واستثارة الحماسة وتوجيه الانفعال الجمعي. وتؤكد الدراسات التاريخية مكانته بوصفه واحدًا من أفضل خطباء الحياة السياسية المصرية في عصره.
وهذه الخبرة لم يتلقها نظير جيد من الكتب، بل رآها في المجال الحي: الزعيم يقف أمام الجموع، يضبط توترها، يختار لحظة الصمت، يرفع صوته حين ينبغي الارتفاع، ويخفضه حتى يجبر الجمهور على الاقتراب النفسي منه. وكان الشاب الشاعر يتعلم أن القصيدة لا تُكتب لكي تُقرأ فقط، بل لكي تُلقى، وأن البيت الشعري في الميدان ليس وحدة أدبية محضة بل طاقة جماهيرية.
وقد اتسم أداء البابا شنودة لاحقًا بالبناء التدريجي نفسه. كان يبدأ غالبًا بصوت المعلم الهادئ، فيهيئ السامع لاستقبال الفكرة، ثم ينتقل إلى التوكيد، فالمفارقة، فالدعابة، ثم يعود إلى الجملة الجادة في اللحظة التي تكون فيها المقاومة النفسية قد انخفضت. لقد كان يعرف أن الجمهور لا يستقبل المعنى بالعقل وحده، بل بالجسد والانفعال والتوقع.
أما الدعابة فكانت إضافته الخاصة إلى الميراث الخطابي. لم تكن نكتةً هامشية، بل آليةً نفسية متعددة الوظائف: تخفيف للقلق، وكسر للمسافة الهرمية، وإعادة توجيه للسؤال المحرج، وتمكين للخطيب من توجيه نقد حاد من غير أن يبدو عدوانيًّا. وبحسب المفهوم الفرويدي، تستطيع الدعابة أن تطلق قدرًا من الطاقة النفسية المحتجزة، فتجعل الحقيقة الثقيلة محتملة. وبحسب المنظور البلاغي، هي استراحة محسوبة تمهد لتثبيت الفكرة التالية.
ولم يكن الجسد غائبًا عن هذا الأداء: وضع اليدين، وتوجيه النظر، والتوقف، والابتسامة، وتغيير ملامح الوجه. كان المعنى يكتمل بالصورة الحية للخطيب. وهنا يظهر أن الانتقال من ميدان باب الحديد إلى منبر الكاتدرائية لم يكن انتقالًا من الجسد إلى الروح، بل من مسرح رمزي إلى آخر؛ فالمنبر الديني، مثل السياسي، يحتاج إلى حضور يترجم السلطة غير المرئية إلى هيئة مرئية.
عاشرًا: البلاغة بين الوحدة والتعبئة
من السهل تمجيد البلاغة الجامعة عند الرجلين، لكن القراءة الأكاديمية مطالبة بأن ترى وظيفتها المزدوجة. فالبلاغة الجماهيرية تستطيع أن توحّد، لكنها تستطيع أيضًا أن تستقطب؛ وأن تبني «نحن» واسعة، لكنها لا تفعل ذلك إلا برسم حدود «هم» في الجهة المقابلة.
استطاع مكرم عبيد أن يصنع «نحن» وطنية تضم المسلمين والمسيحيين في مواجهة الاحتلال والاستبداد والفساد. لكنه حين دخل الصراع مع النحاس انتقلت بلاغته من توحيد الأمة إلى تعبئة الكتلة، ومن فضاء الإجماع الوطني إلى فضاء الاتهام الحزبي. ولم يكن «الكتاب الأسود» وثيقةً إدارية باردة، بل فعلًا بلاغيًّا وسياسيًّا قصد إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن قيادة الوفد.
أما نظير جيد فقد شارك، في طوره السياسي القصير، في هذا اللون من الهجاء، ولم يكن شعره كله وطنيًّا تصالحيًّا؛ فقد عرف مبكرًا كيف تتحول الكلمة إلى سلاح، وكيف يُختزل الخصم في صورة شعرية لاذعة. ومن ثمّ فإن التكوين المكرمي لم يمنحه فحسب لغة الوحدة الوطنية، بل منحه كذلك خبرة الخطاب الحدّي: الكلام الذي يميز بين المخلص والخائن، والصادق والفاسد، والحارس والمفرّط.
وسوف يظهر هذا الاستعداد في بعض مراحل خطابه الكنسي. فحين كان البابا شنودة يرى قضيةً ما متصلة بجوهر العقيدة أو سلامة الكنيسة، كان يميل إلى وضوح ثنائي، وإلى تسمية الموقف، وحشد الجماعة حول تعريف مركزي للأرثوذكسية. وقد كان لذلك أثر إيجابي في تثبيت الهوية والتعليم في زمن اتساع الكنيسة وانتشارها، لكنه أسهم أحيانًا في تضييق مجال التعدد اللاهوتي، وفي انتقال الخلاف من دائرة البحث إلى دائرة الولاء والانتماء.
وهنا لا يصح إلقاء المسؤولية على مكرم عبيد، ولا اختزال التاريخ الكنسي في أثر سياسي مبكر. لكن يجوز القول إن نظير جيد دخل الرهبنة وهو يعرف بالفعل قوة البلاغة التعبوية، وأن المؤسسة الكنسية أتاحت لهذه البلاغة مجالًا أشد دوامًا من الحزب السياسي؛ لأن الخطيب الديني لا يخاطب ناخبين مؤقتين، بل جماعةً تتصل هويتها بكلماته ومعانيه وطقوسها وخلاصها.
حادي عشر: من الوطني القبطي إلى البطريرك الوطني
قدّم مكرم عبيد لنظير جيد نموذجًا لقبطي لم يرضَ أن يكون حضوره العام ملحقًا بحضوره الطائفي. ولم يكن هذا النموذج سهلًا أو مأمون العواقب؛ فالقبطي الذي يدخل قلب السياسة الوطنية قد يتعرض لاتهامين متناقضين: أن تتهمه بعض دوائر الأغلبية باستثمار وطنيته لتغطية انتمائه الخاص، وأن تتهمه بعض دوائر جماعته بالتفريط في مصالحها من أجل قبول الأغلبية.
وقد واجه مكرم شيئًا من هذا التوتر. فهو لم يتخذ من المجلس الملي أو الشأن الكنسي مركزًا لنشاطه، بل تجنب أن يتحول إلى ممثل سياسي للطائفة. وتبرز الدراسة الأكاديمية لتجربته أنه حاول التحرر من «الانفصالية النفسية» التي قد تدفع جماعة الأقلية إلى الانسحاب من الحياة العامة، وسعى إلى الاندماج الفاعل في النشاط الوطني اليومي.
أما البابا شنودة فقد وجد نفسه لاحقًا في موقع مختلف وأكثر تعقيدًا؛ فهو لم يعد مواطنًا قبطيًّا مشاركًا في حزب، بل صار رأس المؤسسة الدينية القبطية نفسها. ومن ثمّ لم يكن يستطيع أن يتهرب من تمثيل الجماعة، لكنه حاول في الوقت نفسه ألا يُختزل فيه. لقد جمع بين وظيفتين متوترتين:
• أن يكون أبًا للأقباط ومدافعًا عن حقوقهم.
• وأن يكون شخصيةً وطنية تخاطب الدولة والمجتمع المصري كله.
وهذا التوتر هو أحد مفاتيح حبريته. فقد رفض من ناحية أن تكون الكنيسة كيانًا سياسيًّا منفصلًا أو أن ينشأ حزب مسيحي، وأكد انتماء الأقباط إلى الشعب المصري؛ لكنه من ناحية أخرى أصبح، بحكم ضعف المؤسسات المدنية وتراجع التمثيل القبطي الحزبي، المفاوض الأبرز باسم الأقباط أمام الدولة.
لقد ورث من مكرم الرغبة في تجاوز الطائفة، لكنه عاش في زمن جعل تجاوزها أكثر صعوبة. فمكرم تحرك داخل حزب جماهيري واسع يتيح للقبطي أن يصبح قائدًا وطنيًّا من غير وساطة الكنيسة؛ أما البابا شنودة فصعد في عصر تراجعت فيه الأحزاب، واتسعت سلطة الدولة، وانكمش المجال المدني، فصارت الكنيسة إحدى المؤسسات القليلة القادرة على تمثيل الجماعة وتنظيمها.
ومن هنا لم يكن انتقال البلاغة من مكرم إلى شنودة مجرد انتقال بين شخصين، بل انتقالًا بين نظامين تاريخيين: من ليبرالية حزبية متعثرة كان القبطي يستطيع أن يصعد داخلها مواطنًا، إلى دولة مركزية صارت الكنيسة في ظلها قناةً أساسية لإدارة العلاقة بين الأقباط والسلطة.
ثاني عشر: مكرم والسادات وشنودة — ضرورة التمييز بين الأثر والتكرار
قد يغري التشابه بين مواجهة مكرم عبيد لمصطفى النحاس ومواجهة البابا شنودة لأنور السادات بإقامة خط سببي مباشر: الأستاذ يواجه رئيس الحكومة باسم الحق، والتلميذ يواجه رئيس الجمهورية بعد عقود. لكن هذه المقارنة، على قوتها الأدبية، تحتاج إلى قدر كبير من التحفظ التاريخي.
فالسياقان مختلفان. كان صراع مكرم مع النحاس صراعًا داخل النخبة الحزبية حول القيادة والفساد وشرعية الوفد، وقد تداخلت فيه حسابات القصر والحرب والاحتلال. أما صراع البابا شنودة مع السادات فدار في سياق تصاعد العنف الطائفي، وتوتر علاقة الدولة بالكنيسة، وخلافات حول تمثيل الأقباط، وسياسات الرئيس الداخلية والخارجية، وانتهى في سبتمبر ١٩٨١ بإلغاء القرار الجمهوري المعترف به بطريركًا وتحديد إقامته في الدير، قبل عودته في عهد حسني مبارك سنة ١٩٨٥.
ولذلك فالأدق أن نقول إن خبرة مكرم لم تمْلِ على البابا شنودة موقفه من السادات، لكنها زوّدته بمخزون رمزي سابق عن معنى القيادة والكرامة العامة. لقد عرف منذ شبابه أن السياسي الكبير يمكن أن يخسر موقعه إذا رأى أن الصمت خيانة، وأن الشعبية لا تضمن البقاء، وأن الاصطدام بالسلطة قد يحول الهزيمة العملية إلى انتصار رمزي طويل الأجل.
لكن ثمة فارقًا حاسمًا: كان مكرم زعيمًا حزبيًّا يمكن للدولة أن تعزله من موقعه فينكمش حزبه، أما البابا شنودة فكان رأس كنيسة لا تستمد شرعيتها الكاملة من القرار الجمهوري. ولذلك حين حاول السادات نزع الاعتراف السياسي عنه، بقيت شرعيته الدينية قائمةً في وعي شعبه. لقد كانت المؤسسة التي يقودها أقدم وأعمق من النظام السياسي الذي قيّده، وهو ما جعل صموده مختلفًا في طبيعته ومآله عن محنة مكرم.
ومن هنا تتضح أهمية البعد المؤسسي: ما لم يستطع مكرم أن يحققه في الحزب — أي تحويل الكاريزما الشخصية إلى بنية دائمة تتجاوز صاحبها — استطاع البابا شنودة أن يحققه بدرجة أكبر داخل الكنيسة، حيث اجتمع الرمز الديني، والتسلسل الكنسي، والتعليم، والإعلام، والطقس، والذاكرة الجمعية.
ثالث عشر: الرهبنة لا تمحو الماضي بل تعيد ترميزه
في الثامن عشر من يوليو سنة ١٩٥٤ دخل نظير جيد دير السريان، وصار الراهب أنطونيوس السرياني. ثم سيم أسقفًا للتعليم سنة ١٩٦٢، وجلس على الكرسي المرقسي سنة ١٩٧١. وهذه المحطات لا تمثل انتقالًا بسيطًا من «العالم» إلى «الدين»، بل إعادة بناء شاملة للهوية والغاية.
كثيرًا ما تُروى الرهبنة في السير الدينية بوصفها قطيعةً كاملة مع الماضي: يموت الإنسان القديم ويولد الراهب الجديد. وهذا معنى روحي أصيل في التراث النسكي، لكنه لا يعني نفسيًّا محو الذاكرة أو إلغاء المواهب والخبرات. فالإنسان لا يدخل الدير صفحةً بيضاء؛ يحمل معه لغته وخياله وجروحه وطموحه وعلاقته بالسلطة وصور آبائه ومعلميه.
ومن ثمّ فإن مفهوم التسامي يفيد هنا بشرط ألا يُستعمل استعمالًا تبسيطيًّا. لم تُقمع طاقة نظير جيد السياسية والأدبية، ولم تختفِ، بل أعيد توجيهها نحو غاية روحية وكنسية. تحولت المنصة الحزبية إلى منبر تعليمي، والقصيدة السياسية إلى شعر روحي، والبحث عن الجمهور إلى خدمة الشعب، والطموح إلى التأثير العام إلى مشروع لإصلاح الكنيسة وبناء التعليم.
لكن التسامي لا يعني تطهير الطاقة من كل توتراتها السابقة. فالمجرى الجديد يحمل شيئًا من شكل المجرى القديم. ولذلك ظل الراهب والبابا يعرف كيف يفكر السياسي، وكيف تعمل الجماهير، وكيف يُبنى الولاء، وكيف تصنع الصحافة الرأي، وكيف تتحول القضية إلى شعار، وكيف يمكن للصمت أو الغياب أن يكونا موقفًا عامًّا لا انسحابًا خاصًّا.
لم يصعد إلى كرسي مار مرقس «شاعر الكتلة الوفدية» كما كان، لكنه لم يختفِ تمامًا أيضًا. لقد اندمج في شخصية أوسع: الراهب، واللاهوتي، والشاعر، والمعلّم، والمؤرخ، والقائد المؤسسي. وكان نجاح البابا شنودة راجعًا جزئيًّا إلى أنه لم يحاول قتل هذه الأصوات المتعددة، بل جمعها تحت هوية واحدة ووظيفة واحدة.
رابع عشر: من الكاريزما إلى المؤسسة
هنا نبلغ أعمق نقطة في المقارنة. كان مكرم عبيد صاحب كاريزما بلاغية وسياسية واسعة، لكن تجربته بعد الانشقاق أظهرت حدود الكاريزما حين لا تسندها مؤسسة جماهيرية مستقرة. فقد ظلت الكتلة الوفدية محدودة قياسًا إلى الوفد، ثم تراجع حضورها، وانحسرت زعامة مكرم مع تغير النظام السياسي وأفول الحياة الحزبية. وتؤكد الدراسة التاريخية أن انفصاله عن الوفد كان منعطفًا حاسمًا في انحدار موقعه السياسي، مهما كانت المبررات الأخلاقية التي دفعته إليه.
أما البابا شنودة فقد استطاع أن ينقل مواهبه من مستوى الحضور الفردي إلى مستوى البناء المؤسسي. فلم يكتفِ بأن يكون واعظًا محبوبًا، بل شارك في تشكيل منظومة تعليمية وإعلامية وإدارية واسعة: الكلية الإكليريكية، مجلة الكرازة، اجتماع الأربعاء، الكتاب الديني المبسط، المؤتمرات، الأسقفيات العامة، الانتشار في المهجر، وتوسيع حضور البابا في تفاصيل الحياة الكنسية. وقد أطلقت مجلة الكرازة في صورتها الأولى سنة ١٩٦٥ تحت إشرافه حين كان أسقفًا للتعليم، ثم صارت لاحقًا لسانًا أوسع للكنيسة.
وتتمثل عبقريته المؤسسية في أنه جعل الخطاب قابلًا للتكرار والتوزيع. فالكاريزما، بطبيعتها، مرتبطة بحضور صاحبها: صوته، وهيئته، وسحر شخصيته. أما المؤسسة فتحاول أن تحفظ أثر هذا الحضور في أنظمة ونصوص وأدوار. وقد فعل البابا شنودة ذلك على مستويات عدة:
• حوّل العظة الشفوية إلى كتاب مطبوع.
• حوّل التعليم الفردي إلى مناهج ومؤسسات.
• حوّل لقاء الجمهور بالخطيب إلى موعد أسبوعي منتظم.
• حوّل الأفكار إلى تعريفات متداولة بين الخدام.
• حوّل المكانة الروحية للبابا إلى مركز إداري وتعليمي وإعلامي واسع.
• حوّل الجملة البلاغية إلى جزء من الذاكرة الجمعية للأقباط.
وهكذا لم يعد المنبر حدثًا عابرًا، بل صار جهازًا لإنتاج المعنى والهوية. ومن هذه الناحية تجاوز التلميذ أستاذه؛ لا لأنه كان أبلغ بالضرورة، بل لأنه وجد مؤسسةً تستطيع أن تمنح البلاغة عمرًا أطول من عمر الحزب والمناسبة السياسية.
غير أن هذا النجاح حمل في داخله إشكاليته. فحين تتمركز المعرفة والرمزية والقرار في شخص واحد، تصبح المؤسسة قوية بقدر حضوره، لكنها قد تواجه صعوبةً في إنتاج تعددية مستقلة عنه. وقد أسهم اتساع سلطة البابا التعليمية والإعلامية في توحيد الكنيسة وتعزيز حضورها، لكنه جعل التمييز بين «تعليم الكنيسة» و«صياغة البابا للتعليم» أكثر تعقيدًا في الوعي الشعبي.
ومن ثمّ فإن انتقال الكاريزما إلى المؤسسة لم يكن انتقالًا كاملًا من الشخصنة إلى النظام؛ بل كان، في جوانب منه، مأسسةً للكاريزما الشخصية نفسها. وهذا أحد المفاتيح الضرورية لفهم قوة عهد البابا شنودة وحدوده معًا.
خامس عشر: من خطاب الأمة إلى خطاب الجماعة
كان جمهور مكرم عبيد هو «الشعب» بالمعنى السياسي: المواطنون الذين تجمعهم قضية الاستقلال والدستور والحكم. أما جمهور البابا شنودة فكان في الأصل «الجماعة المؤمنة»، وإن اتسع حضوره إلى المجتمع الوطني كله.
وهذا الاختلاف في الجمهور غيّر وظيفة البلاغة. فالمتكلم السياسي يحتاج إلى إقناع جمهور يستطيع أن يمنحه أو يمنعه التأييد؛ أما البطريرك فيخاطب جمهورًا يرتبط به برابطة روحية وطقسية ومؤسسية. ولذلك فإن سلطته الرمزية أعمق، وكلمته لا تُستقبل باعتبارها رأيًا فحسب، بل توجيهًا أبويًّا وتعليمًا دينيًّا وربما معيارًا للولاء الكنسي.
ومن هنا اكتسبت تقنيات مكرم البلاغية، حين انتقلت إلى المجال الكنسي، قوةً مضاعفة. فالجملة التي كانت في الميدان السياسي شعارًا قابلًا للنقاش صارت في المجال الرعوي حكمةً صادرة عن أب ومعلم. والتقسيم الذي كان ينظم الحجة صار قادرًا على تنظيم تصور المؤمن عن الصواب والخطأ. والنبرة التي كانت تستنفر الناخب صارت تستنفر الضمير الديني.
لكن البابا شنودة لم يستعمل هذه القوة في اتجاه واحد. ففي خطابه الروحي كان يسعى غالبًا إلى تهدئة الضمير المذعور، وإعادة الإنسان من اليأس إلى الرجاء، ومن الشعور بالرفض إلى خبرة القبول الإلهي. وفي خطابه التعليمي كان يمنح غير المتخصص أدوات أولية لفهم العقيدة والكتاب. وفي خطابه الوطني كان يعيد وصل الجماعة القبطية بمصر. وفي خطابه الجدلي كان يحشد الهوية في مواجهة ما اعتبره خطرًا عقائديًّا أو اجتماعيًّا.
وهذه الوجوه لا يمكن فصلها تمامًا؛ فالخطيب ذاته الذي يواسي قادر على أن يحاكم، والأب الذي يضم قادر على أن يرسم الحدود. إن السلطة الأبوية، في بعدها النفسي، تجمع الحماية والمنع، الحنان والقانون. وقد نجح البابا شنودة في تمثيل هذين القطبين أمام قطاعات واسعة من شعبه، ولذلك لم يكن تأثيره قائمًا على الإعجاب البلاغي وحده، بل على علاقة تحويلية أعمق جعلت صوته جزءًا من الضمير الداخلي لكثيرين.
سادس عشر: حدود فرضية التأثير
مع قوة القرائن، تظل الأمانة المنهجية ملزمةً بتحديد ما يمكن إثباته وما يبقى في دائرة التفسير المرجح.
يمكن إثبات أن نظير جيد اتصل بمكرم عبيد والكتلة الوفدية، وألقى الشعر في اجتماعاتها، وحمل لقب «شاعر الكتلة الوفدية»، وأنه عرف الخطابة السياسية والحياة الحزبية في شبابه. ويمكن كذلك رصد تشابه واضح بين بلاغة مكرم وبلاغة البابا شنودة في الاقتصاد اللفظي، والمقابلة، والتعبير الوطني الجامع، والقدرة على تحويل العبارة إلى شعار.
لكن لا يمكن، من هذه الوقائع وحدها، إثبات أن كل تقنية بلاغية عند البابا شنودة مأخوذة مباشرة من مكرم، أو أن بينهما تلمذة منهجية طويلة بالمعنى المدرسي. فالمصادر المتاحة تقدم مشاهد وذكريات وقرائن أكثر مما تقدم مراسلات أو يوميات تفصيلية توثق تطور العلاقة.
كما أن شخصية البابا شنودة تشكلت من روافد أخرى لا تقل أهمية:
• التراث الشعري العربي.
• الكتاب المقدس والحكمة الكتابية.
• حركة مدارس الأحد.
• التعليم الإكليريكي.
• الصحافة القبطية.
• الحياة الرهبانية.
• خبرة التدريس.
• التكوين التاريخي.
• الخبرة العسكرية.
• علاقته بالبابا كيرلس السادس.
• التحديات السياسية والكنسية التي واجهها بعد الأسقفية والبطريركية.
ومن ثمّ فإن مكرم عبيد ليس «العلة» التي تفسر البابا شنودة، بل أحد المفاتيح التكوينية التي تساعد على فهمه. والأثر التاريخي لا يعمل عادةً في صورة نقل مباشر وواعٍ؛ فقد يترسب النموذج في المخيلة، ويعود بعد عقود في سياق مختلف وقد اكتسب معنى جديدًا لا يعرفه صاحبه الأول.
والأدق، لذلك، أن نتحدث عن ثلاثة مستويات من الأثر:
1. أثر موثق: الاتصال السياسي، وإلقاء الشعر، واللقب العلني.
2. أثر مرجح: اكتساب بعض تقنيات الخطابة والعبارة الوطنية الجامعة.
3. أثر تأويلي: اعتبار مكرم مثالًا للأنا أو نموذجًا مبكرًا للقيادة القبطية المتجاوزة للطائفة.
والتمييز بين هذه المستويات يحفظ للتحليل عمقه من غير أن يسمح له بادعاء ما لا تستطيع الوثائق أن تحمله.
سابع عشر: ما أخذه التلميذ وما تجاوزه
إذا أردنا تلخيص العلاقة بين مكرم عبيد ونظير جيد من غير تبسيط، أمكن القول إن الأول قدم للثاني أربعة دروس كبرى.
الدرس الأول: أن الكلمة سلطة.
فالخطاب ليس تعليقًا على الواقع، بل قوة تشارك في تشكيله، تصنع السمعة وتمنح الشرعية وتنزعها.
الدرس الثاني: أن القبطي يستطيع أن يتكلم من قلب الأمة لا من هامشها.
فلا يلزمه أن يتنكر لخصوصيته، ولا أن يجعل منها سورًا يحول بينه وبين المجال الوطني.
الدرس الثالث: أن العبارة التي تعيش هي العبارة المصوغة.
فالفكرة لا تبلغ الجمهور بصدقها وحده، بل تحتاج إلى هندسة لغوية تجعلها قابلة للحفظ والتداول.
الدرس الرابع: أن القيادة موقف أخلاقي لا منصب فقط.
فالزعيم قد يدفع ثمن اعتراضه، وقد يخسر الموقع ويحفظ الصورة الرمزية لنفسه.
لكن البابا شنودة تجاوز أستاذه في ثلاثة أمور.
أولها أنه نقل البلاغة من المجال السياسي المتقلب إلى مجال ديني أكثر ثباتًا وعمقًا في النفوس.
وثانيها أنه جمع الخطيب بالشاعر والمعلّم والراهب، فصارت الكلمة عنده ليست أداة تعبئة فقط، بل وسيلة إرشاد وتعليم وعزاء.
وثالثها أنه حوّل حضوره الشخصي إلى شبكة مؤسسات وكتب ومواعيد وطقوس تعليمية، فأعطى الكاريزما شكلًا قابلًا للاستمرار خارج لحظة الخطبة.
غير أن هذا التجاوز لم يكن إلغاءً للأصل. فقد ظل مكرم حاضرًا في بنية العبارة، وفي تصور الوطن، وفي نموذج القبطي الذي يريد أن يكون صوته أوسع من حدود جماعته، وفي الإيمان بأن المنبر يستطيع أن يمنح صاحبه سلطةً لا تقل شأنًا عن سلطة المنصب.
خاتمة: من ميدان باب الحديد إلى منبر الكاتدرائية
لم يكن لقاء نظير جيد بمكرم عبيد فصلًا طريفًا من فصول الشباب يمكن أن يُذكر في هامش السيرة ثم يُطوى، بل كان إحدى اللحظات التي رأت فيها موهبة شابة صورتها الممكنة مجسدةً في رجل سبقها إلى المنبر والمجال العام. وجد الشاعر في الخطيب اعترافًا، ووجد القبطي في الزعيم الوطني نموذجًا، ووجد الشاب المتنقل بين المدن لغةً تستطيع أن تجمع المختلفين حول ضمير واحد.
علّمه مكرم — بالقدوة أكثر من التعليم المباشر — أن الخطيب لا ينقل المعنى فحسب، بل يصنع له إيقاعًا وجسدًا وذاكرة؛ وأن العبارة قد تكون أقصر من الموقف، لكنها أبقى منه؛ وأن الهوية الدينية لا تبلغ كمالها المدني بالانغلاق، بل حين تخرج من ذاتها لتشارك في بناء الوطن؛ وأن القائد لا يقف أمام الجموع فردًا منعزلًا، بل يصوغ من تشتتها جماعةً ويمنحها اسمًا وصوتًا وصورة عن نفسها.
ثم دخل نظير جيد الصحراء، لا ليمحو هذه الخبرة، بل ليعيد ترتيبها حول مركز جديد. فالرهبنة لم تطفئ الشاعر، وإنما طهرت وجهة الشعر؛ ولم تُسكت الخطيب، وإنما بدلت منبره؛ ولم تقتل حسه السياسي، وإنما أدخلته في رؤية أوسع للكنيسة والوطن والتاريخ.
وحين صار أسقفًا ثم بطريركًا، لم يعد تلميذ مكرم كما كان في الأربعينيات، لكنه ظل يحمل في طبقاته العميقة أثر تلك المدرسة: الإيمان بالكلمة المحكمة، والحضور المهيمن، والعبارة الوطنية الجامعة، والاستعداد للمواجهة، والقدرة على تحويل الموهبة الفردية إلى رأسمال رمزي للجماعة.
ومع ذلك، لم يكن البابا شنودة نسخةً كنسية من مكرم عبيد. فالنسخة تعيد الأصل، أما الشخصية التاريخية الكبرى فتهضمه وتتجاوزه. أخذ من أستاذه القالب البلاغي، لكنه ملأه بمضمون كتابي ورهباني ورعوي. ورث منه منبر الميدان، لكنه أقامه داخل الكاتدرائية. تعلم منه كيف يخاطب الأمة، ثم أضاف إلى ذلك كيف يخاطب النفس القلقة والضمير المذنب والجماعة الباحثة عن أب.
لقد أفلتت من مكرم المؤسسة التي تحفظ كاريزمته؛ أما شنودة فاستطاع أن يجعل من صوته كتبًا، ومن عظته موعدًا، ومن عبارته ذاكرة، ومن حضوره نظامًا كنسيًّا ممتدًّا. وبذلك انتقلت الكلمة من موسم السياسة إلى زمن المؤسسة، ومن التصفيق العابر إلى التكوين طويل المدى.
ومن هنا فإن الإرهاصات السياسية والأدبية في حياة نظير جيد لا تقف خارج سيرته الرهبانية، بل تقيم في داخلها مثل الجذر الذي اختفى تحت التراب ولم يفقد فعله. فالتجارب الأولى لا تزول حين نتجاوزها؛ إنها تتوارى، ثم تعود في صورة اختيار ونبرة وموقف وأسلوب قيادة. وقد عادت تجربة مكرم عبيد في حياة البابا شنودة لا بوصفها تقليدًا، بل بوصفها ميراثًا أعيد خلقه: بلاغةً وطنية لبست الثوب الكنسي، وكاريزما سياسية استحالت سلطةً رعوية، وصوتًا خرج من ميدان باب الحديد ليجد مداه الأوسع من فوق منبر الكرازة المرقسية.
