الإمام الخضر حسين.. العقل الأصولي في مواجهة التنوير
الأحد 16/أغسطس/2026 - 10:07 ص
طباعة
حسام الحداد
من واحات "طولقة" بالجنوب الجزائري ورحاب جامع الزيتونة بتونس، بزغ اسم محمد الخضر حسين (1876-1958م) كأحد أعتى حراس التراث الإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين. شيخ الأزهر الحادي والأربعون، الذي تنقل بين الشام وتركيا وألمانيا قبل أن يستقر بمصر، يمثل النموذج الأنصع للفقيه اللغوي الذي كرس حمولته التراثية الثقيلة لتشييد جدار صد منيع أمام رياح العصرنة والمناهج الحديثة.
يتجلى الوعي التنويري في قراءة تجربة الخضر حسين بوصفها صراعا محوريا بين مشروعين: مشروع يرى التراث نصا مفتوحا للتفكيك والنقد التاريخي، ومشروع يمثله الشيخ يرى فيه قلعة حصينة يجب حمايتها من أي "اختراق" حداثي. ورغم محاولاته المبكرة للتعاطي مع الأدوات الحديثة عبر الصحافة والإصلاح اللغوي، إلا أن عقله الفقهي ظل محكوما بالبنية المقفلة التي تهاب الفكر الحر وتتوجس من العلوم الإنسانية الوافدة.
تبلورت هذه الفجوة المعرفية بشكل صارخ في معركته الشهيرة ضد الشيخ علي عبد الرازق وكتابه "الإسلام وأصول الحكم" (1925م). فعندما طرح عبد الرازق رؤية نقدية أصلت لفصل الدين عن السلطة السياسية واعتبار الخلافة نظاما دنيويا غير مقدس، سارع الخضر حسين إلى تأليف كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" ليعيد ترميم الفكرة التقليدية حول حتمية الرابطة بين الشريعة والدولة، متسلحا بالحشد الفقهي المباشر دون أن يلامس عمق الأسئلة السياسية الحديثة.
لم تكن المعركة مع علي عبد الرازق مجرد خلاف نظري، بل كشفت عن ضيق العقل السلفي بالاجتهاد الجريء من داخل المؤسسة نفسها؛ حيث سعى الخضر حسين عبر نقضه إلى تثبيت هيمنة الرؤية الأحادية للدين، ونزع المشروعية عن أي محاولة لتحديث الفكر السياسي الإسلامي، حاطا من قدر الطرح التنويري الذي حاول تخليص الدين من أوهام السلطة والاستبداد السياسي.
ولم يكد المشهد الفكري يستكين حتى اندلعت معركته الثانية والأشد شراسة مع الدكتور طه حسين إبان صدور كتابه "في الشعر الجاهلي" (1926م). واجه الشيخ المنهج الديكارتي والشك العقلاني الذي اعتمده عميد الأدب العربي برفض قاطع، متصديا له بكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، حيث تعامل مع النقد الفيلولوجي والتحليل التاريخي للنصوص بوصفهما تهديدا إيمانيا ومساسا بالمقدس.
من منظور نقد حداثي، يحسب للخضر حسين امتلاكه بيانا لغويا وحجة سجالية متماسكة تجنبت التكفير المباشر وسعت نحو "المحاججة المنهجية"، لكنها ظلت محاججة تدور في فلك "الدفاع عن النص" لا "استكشافه". لقد عجز نقضه لطه حسين عن استيعاب أن الشك المنهجي ليس طعنا في العقيدة، بل هو أداة التنوير الأساسية لتطهير التاريخ واللغة من الأساطير والمسلمات الموروثة.
يتجسد المأزق التاريخي لمشروع الخضر حسين في استقالته الشهيرة من مشيخة الأزهر عام 1954م احتجاجا على إلغاء القضاء الشرعي. وبينما يراها مناصروه موقفا مبدئيا صلبا، يراها التحليل التنويري تعبيرا عن عجز الفكر الأصولي عن التكيف مع مفهوم "الدولة الحديثة" وقوانينها المدنية الموحدة، ومكابرة في وجه تحولات اجتماعية وسياسية لم يعد ينفع معها الارتهان لهياكل القرون الوسطى.
يبقى الإمام الخضر حسين قامة لغوية وفقهية شاهقة، وعلامة فارقة في تاريخ السجال العربي؛ غير أن إرثه الفكري يظل في المحصلة الحداثية بيانا عنفوانيا ل "المقاومة التراثية" التي آثرت حراسة الماضي وشكوكه على الخوض في مخاطرة المستقبل وأسئلة التنوير الحر.
