دير سيدة البشارة في جنوب لبنان.. من أنقاض الحرب إلى استعادة الرسالة

الإثنين 17/أغسطس/2026 - 10:46 ص
طباعة دير سيدة البشارة روبير الفارس
 

في جنوب لبنان، لا تقتصر آثار الحرب على البيوت والطرق والبنية التحتية، بل تمتد إلى أماكن العبادة التي شكّلت على مدى عقود جزءًا من ذاكرة القرى وحياتها الاجتماعية. وفي زوطر الغربية، جنوب لبنان، بدأت عملية ترميم دير سيدة البشارة التابع لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة، في محاولة لإعادة فتح أحد الأماكن التي لم تكن مخصصة للصلاة وحدها، وإنما لعبت دورًا اجتماعيًا وتعليميًا في خدمة أبناء المنطقة.

كان الدير قد تعرض خلال الحرب للقصف بالمدفعية والأسلحة الرشاشة الثقيلة، قبل أن يتعرض للاقتحام والتخريب، ما ألحق أضرارًا كبيرة بجدرانه وقاعاته ومحتوياته. ومع بدء انتشار الجيش اللبناني في البلدة، بدأ القيّم على الدير الأب عمر الهاشم، بمساعدة عدد من المتطوعين من أبناء زوطر، عملية رفع الأنقاض وتنظيف المبنى، تمهيدًا لإعادة تأهيله.

وجاء أول نشاط يعود إلى الدير بعد الحرب في صورة قداس أُقيم على نية شهداء الجيش اللبناني، في إشارة تحمل دلالة رمزية على أن استعادة المكان لا تعني إصلاح جدرانه فقط، وإنما إعادة الحياة إلى دوره الروحي والاجتماعي في البلدة.

وتأتي هذه الخطوة في وقت بدأت فيه زوطر الغربية تستعيد حضور الدولة اللبنانية على الأرض. ففي يوليو 2026 أعلن الجيش اللبناني بدء انتشاره في البلدة بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، داعيًا السكان إلى عدم التوجه إليها إلى حين استقرار الوضع الأمني. وأكد الجيش لاحقًا أن قواته تعرضت لإطلاق نار من القوات الإسرائيلية الموجودة قرب أطراف البلدة أثناء تنفيذ مهمة الانتشار. 

الدير.. أكثر من مكان للصلاة

تعود أهمية دير سيدة البشارة إلى أن تأسيسه عام 2008 لم يكن بهدف توفير مكان للعبادة فحسب، إذ ارتبط أيضًا بخدمة أبناء المنطقة من خلال المدرسة المهنية الزراعية التي أُنشئت لمساعدة أبناء القرى المحيطة وتأمين مجال للتعليم والتدريب المهني.

ومن هنا، فإن إعادة ترميم الدير تعني استعادة جزء من الوظيفة الاجتماعية للمنطقة، في وقت لا تزال فيه عودة السكان إلى قراهم مرتبطة بدرجة كبيرة بالوضع الأمني وبإزالة مخلفات الحرب والألغام والأجسام غير المنفجرة.

وقد أظهرت التقارير التي أعقبت انسحاب القوات الإسرائيلية من عدد من مناطق الجنوب حجم الدمار الذي لحق بالبلدات. وفي زوطر الغربية نفسها، عاد بعض السكان لمعاينة منازلهم وممتلكاتهم بعد إزالة الألغام والأجسام المشبوهة، وسط مشهد واسع من الأبنية المتضررة. 

دير سيدة البشارة ليس وحده

ويعيد ترميم دير سيدة البشارة إلى الواجهة ملفًا أوسع يتعلق بالأضرار التي لحقت بالكنائس والأديرة والأماكن المسيحية في جنوب لبنان خلال الحرب الأخيرة.

ومن أبرز هذه المواقع كنيسة مار جرجس للروم الملكيين الكاثوليك في ديردغيا، التي تعرضت لقصف جوي إسرائيلي في 9 أكتوبر 2024، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منها ومقتل أشخاص كانوا يحتمون داخلها. وتعود الكنيسة إلى نحو 150 عامًا، وكانت قد خضعت للترميم قبل الحرب الأخيرة. وقد وثقت تقارير عن التراث اللبناني تعرضها لأضرار جسيمة، فيما ظلت آثار الدمار واضحة بعد توقف القتال. 

وفي يارون، تعرضت كنيسة مار جرجس لأضرار كبيرة جراء القصف المدفعي، كما طال الدمار مقام القديس جرجس وتمثال القديس في البلدة. ولم يتوقف الضرر عند الكنيسة، إذ وثقت تقارير حديثة هدم مدرسة المخلص المسيحية في يارون بواسطة الجرافات الإسرائيلية في مايو 2026، في إطار الدمار الواسع الذي أصاب البلدة.

وفي سردا، لحقت أضرار بكنيسة مار يوحنا المعمدان المارونية، بعدما شهدت البلدة عمليات عسكرية وهدمًا لعدد من المنازل. وأصبحت الكنيسة من المواقع الدينية التي تحمل آثار الحرب الأخيرة في منطقة مرجعيون. 

أما دير مار ماما للروم الأرثوذكس في دير ميماس، فقد ارتبط اسمه أيضًا بأحداث الحرب. وتعرض محيط الدير للقصف خلال الحرب، كما دخلت القوات الإسرائيلية إلى الكنيسة التابعة للدير، وظهرت لاحقًا مشاهد أثارت استنكارًا واسعًا بسبب السخرية من الرموز والممارسات الدينية داخل المكان. 

وفي الخيام، كانت كنيسة سيدة التقدمة للروم الملكيين الكاثوليك واحدة من أكثر الحالات وضوحًا على صعوبة ترميم المباني الدينية التي تعرضت لأضرار متراكمة. ففي ديسمبر 2025 هُدمت الكنيسة بعد تقييم حالتها باعتبارها آيلة للسقوط وغير قابلة للترميم، نتيجة الأضرار التي لحقت بها في الحرب الأخيرة، إضافة إلى أضرار حرب عام 2006، تمهيدًا لإعادة بنائها. 

كما أصابت الأضرار كنيسة ملكية كاثوليكية في مدينة صور خلال أكتوبر 2024، وقد أدرجها مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ضمن المباني الدينية التي تعرضت للتدمير أو الأضرار الجسيمة منذ أكتوبر 2023. وكان المكتب قد وثق في نوفمبر 2024 تضرر أو تدمير ما لا يقل عن عشرة مبانٍ مخصصة للعبادة في لبنان، بينها الكنيسة الملكية الكاثوليكية في صور. 

ذاكرة دينية تحت الأنقاض

ولا يمكن فصل الأضرار التي أصابت الكنائس والأديرة عن حجم الدمار الأوسع الذي طال الجنوب اللبناني. فقد وثقت منظمة العفو الدولية، اعتمادًا على تحليل صور الأقمار الصناعية، تضرر أو تدمير 10,803 مبانٍ في 26 بلدية على امتداد الحدود الجنوبية خلال الفترة بين أواخر سبتمبر 2024 ونهاية يناير 2025. وفي عدد من البلدات الحدودية تجاوزت نسبة المباني المدمرة أو المتضررة بشدة نصف إجمالي المباني. 

وتشير منظمة ICOMOS إلى أن أضرار الحرب لا تتعلق بالحجارة وحدها، لأن تدمير الكنائس والأديرة والمدارس والمواقع التاريخية يؤدي أيضًا إلى قطع الصلة بين السكان وذاكرتهم الجماعية وممارساتهم الدينية والاجتماعية. وقد وثقت المنظمة أكثر من 20 موقعًا تراثيًا تعرض للضرر أو التدمير خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر 2024، بينها تسعة مواقع دُمرت بالكامل. 

ولهذا تكتسب عملية ترميم دير سيدة البشارة في زوطر الغربية معنى يتجاوز إعادة تأهيل مبنى ديني. فالدير، مثل الكنيسة والمدرسة والبيت، يمثل جزءًا من قدرة القرية على استعادة حياتها الطبيعية. وكل حجر يعاد وضعه في مكانه، وكل قاعة تنظف من آثار القصف، وكل قداس يعود إلى مكانه، يشكل خطوة في طريق إعادة بناء مجتمع حاولت الحرب أن تقتلع سكانه من أرضهم وتقطع صلتهم بأماكنهم.

ويختصر الأب عمر الهاشم هذا المعنى في رجاء بسيط: أن يعود أهل البلدة وأهل الجنوب إلى قراهم، وأن يستعيد لبنان الأمان والاستقرار.

وفي بلد اعتاد أن تعود الكنائس والأديرة إلى الحياة بعد كل حرب، تبدو عملية ترميم دير سيدة البشارة رسالة بحد ذاتها: أن إعادة البناء ليست فقط إصلاحًا للحجر، بل دفاع عن بقاء الناس، وعن ذاكرتهم، وعن حقهم في الصلاة والعمل والتعليم والعيش في قراهم من جديد.

شارك