جائزة «دون تونينو بيلو» للكاردينال بيتسابالا.. شهادة سلام من قلب الصراع في القدس
الإثنين 17/أغسطس/2026 - 10:48 ص
طباعة
روبيرالفارس
لم تأتِ جائزة «دون تونينو بيلو» للسلام التي مُنحت إلى الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، باعتبارها تكريمًا بروتوكوليًا لشخصية كنسية بارزة، وإنما جاءت تقديرًا لمسار طويل من الحضور في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، ولرؤية دينية وإنسانية تضع الإنسان وكرامته في مقدمة أي حديث عن الحرب والسياسة والسلام.
وقد تسلّم بيتسابالا الجائزة في مدينة أليسانو بجنوب إيطاليا، أمام ضريح المونسنيور أنطونيو «دون تونينو» بيلو، وذلك خلال الدورة الثالثة للجائزة، في مناسبة حملت عنوان «السلام في العالم، السلام في القدس». وأكدت مؤسسة دون تونينو بيلو أن اختيار البطريرك جاء تقديرًا لـ«التزامه النبوي» في الدفاع عن السلام والتضامن واستقبال المتألمين، ولما وصفته بأنه وقوف واضح إلى جانب الفئات الأضعف والمتألمة في الأرض المقدسة.
وتكتسب الجائزة دلالة خاصة من ارتباطها بإرث دون تونينو بيلو، أسقف مولفيتا ورئيس فرع «باكس كريستي» الإيطالي، الذي جعل من الدفاع عن الفقراء والمهمشين ونبذ الحرب واللاعنف والحوار جزءًا أساسيًا من رسالته. ولذلك رأت مؤسسة الجائزة أن تجربة بيتسابالا في القدس وغزة تلتقي بصورة واضحة مع هذا الإرث، خصوصًا في رفض تحويل السلام إلى مجرد شعار، والإصرار على أن يتحول إلى مواقف وأفعال.
وفي القدس، حاول بيتسابالا أن يحافظ على دور الكنيسة باعتبارها مساحة للقاء لا طرفًا إضافيًا في الصراع. فهو يتحدث باستمرار عن ضرورة الاعتراف بآلام الإسرائيليين والفلسطينيين معًا، لكنه في الوقت نفسه يرفض مساواة الضحية بمن يملك القوة والسلاح. وفي مبررات الجائزة، استند رئيس مؤسسة دون تونينو بيلو إلى موقف عبّر عنه البطريرك بقوله إن هناك فارقًا بين من يمارس السلطة ومن يخضع لها، وبين من يملك السلاح ومن يتهدده، وبين المحتل ومن يعيش تحت الاحتلال، معتبرًا أن الاعتراف بهذا الفارق جزء من احترام العدالة والحقيقة.
ومن أبرز ملامح مواقف بيتسابالا رفضه اختزال قضية القدس في الحدود السياسية وحدها. ففي رؤيته، القدس ليست مجرد مدينة متنازعًا عليها، وإنما مدينة ذات هوية دينية وروحية عالمية، ينبغي أن تكون «بيتًا بأبواب مفتوحة» للجميع. وهذه الرؤية تنعكس في دفاعه عن الوجود المسيحي في القدس، في وقت يتراجع فيه عدد المسيحيين وتزداد الضغوط الاجتماعية والسياسية التي تؤثر في قدرتهم على الاستمرار في المدينة.
أما غزة، فقد تحولت في السنوات الأخيرة إلى محور أساسي في نشاط البطريرك ومواقفه. ففي يونيو 2026، قام بيتسابالا بزيارة جديدة إلى القطاع، هي الخامسة منذ اندلاع الحرب، وتفقد خلالها عمليات كاريتاس القدس الإنسانية والطبية، والتقى العاملين فيها واستمع إلى شهاداتهم حول أوضاع السكان. وأكد أن غزة لا تزال بحاجة إلى الصلاة والمساعدة العملية، وأن دعم الفئات الأكثر ضعفًا واجب لا يمكن التخلي عنه.
وقبل ذلك بأيام، دخل بيتسابالا غزة برفقة البطريرك الأرثوذكسي ثيوفيلوس الثالث، في زيارة رعوية هدفت إلى الوقوف إلى جانب المسيحيين وكل المتضررين من الحرب. ولم تكن الزيارة مقتصرة على البعد الكنسي، إذ رافقتها مشاركة جهات إنسانية وطبية، في تأكيد على أن الكنائس في القدس ترى أن رسالتها تجاه غزة تتجاوز حدود الطائفة إلى الدفاع عن حياة الإنسان وكرامته.
وبعد عودته من غزة، وصف بيتسابالا المشهد بأنه «كارثة»، متحدثًا عن مدن مدمرة، ومخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وأطفال يعيشون وسط الصرف الصحي والركام. كما تحدث عن الضفة الغربية، محذرًا من عنف المستوطنين والاعتداءات وغياب سيادة القانون، ومؤكدًا أن الأزمة لا يمكن التعامل معها بمنطق أمني فقط.
لكن خطاب بيتسابالا لا يتوقف عند الإدانة. فهو يكرر أن الطريق إلى السلام يبدأ من استعادة الثقة بين الناس. وفي فبراير 2026 قال إن الحرب قتلت الثقة قبل أي شيء آخر، وإن السلام يحتاج إلى ظروف سياسية وإلى شخصيات جديدة قادرة على تقديم رؤى مختلفة. كما شدد على أن إعادة بناء الثقة ستحتاج إلى موارد روحية وإنسانية كبيرة، وليس إلى حلول سياسية سريعة فقط.
وفي يوليو الماضي، لخّص رؤيته بقوله إن «السلام الذي يأتي من أعلى قد فشل»، وإن البداية يجب أن تكون من أسفل، من العلاقات والمدارس والمجتمع المدني. وهي رؤية تتطابق بصورة لافتة مع فلسفة دون تونينو بيلو الذي كان يرى أن صناعة السلام ليست مهمة الحكومات وحدها، وإنما مسؤولية المجتمعات والأفراد أيضًا.
كما يرفض بيتسابالا استخدام الدين لتبرير الحرب، مؤكدًا أن توظيف اسم الله في الصراعات يمثل خطيئة خطيرة، وأن الحرب في جوهرها ذات أسباب سياسية ومادية، ولا ينبغي تغطيتها بخطاب ديني زائف. وهو موقف يكتسب أهمية خاصة في القدس، المدينة التي تتقاطع فيها الأديان الثلاثة، ويصبح فيها الخطاب الديني قادرًا إما على بناء الجسور أو تعميق الانقسامات.
وهكذا تبدو جائزة «دون تونينو بيلو» للكاردينال بيتسابالا أقرب إلى اعتراف بمسار أكثر منها مكافأة على موقف واحد. فالبطريرك الذي يعيش في القدس ويقود كنيسة صغيرة العدد وسط صراع مفتوح، اختار أن يكون حاضرًا بين المتألمين، وأن يزور غزة، ويستمع إلى ضحايا الحرب، ويدافع عن المدنيين، ويطالب بالعدالة، وفي الوقت نفسه يتمسك بالحوار والمصالحة ورفض الانتقام.
ومن ضريح دون تونينو بيلو في أليسانو، حمل بيتسابالا معه إلى القدس رسالة الجائزة: أن السلام لا يُبنى بالكلمات وحدها، وأن الكنيسة مطالبة بأن تقف إلى جانب من يدفعون ثمن الحرب، لا أن تكتفي بمراقبتها من بعيد. وربما لهذا تحديدًا رأى منظمو الجائزة أن بطريرك القدس للاتين يجسد اليوم، في واحدة من أكثر بقاع العالم احتياجًا إلى السلام، شيئًا من إرث «نبي السلام» الذي حمل اسمه الجائزة.
