الحرب الإيرانية تعيد القرصنة الصومالية إلى خليج عدن وتهدد الملاحة
الجمعة 21/أغسطس/2026 - 11:30 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
تتزايد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر مع عودة القرصنة الصومالية إلى الواجهة بالتزامن مع تصاعد الاضطرابات الأمنية في المنطقة.
وفي أحدث هذه التطورات، سيطر مسلحون على ناقلة نفط قبالة السواحل اليمنية وأجبروها على تغيير مسارها باتجاه الصومال، في حادث يضيف تهديداً جديداً إلى قطاع الشحن الذي يواجه بالفعل تداعيات التوتر في مضيقي هرمز وباب المندب.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتركز فيه موارد بحرية دولية كبيرة على حماية الممرات الحيوية في الشرق الأوسط، وسط الحرب الإيرانية وتداعياتها على حركة التجارة والطاقة، وبحسب تقرير نشره موقع "بوليتيكو"، فإن تحويل بعض هذه الموارد نحو المنطقة قد يكون أحد العوامل التي منحت القراصنة الصوماليين مساحة أكبر للتحرك في غرب المحيط الهندي وخليج عدن.
ستة مسلحين يسيطرون على ناقلة نفط قبالة اليمن
وكانت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أفادت بتلقي بلاغ عن واقعة استهداف ناقلة نفط على بعد نحو 136 ميلاً بحرياً شرق مدينة المكلا اليمنية، بعدما أبلغت السفينة عن اقتراب مسلحين منها أثناء إبحارها غرباً في خليج عدن.
وبحسب شركة "فانغارد" المتخصصة في مراقبة الملاحة البحرية، أطلقت الناقلة "سيمول" نداء استغاثة عقب اقتراب المسلحين منها، قبل أن يؤكد مركز الأمن البحري للمحيط الهندي (MSCIO) أن ستة مسلحين صعدوا إلى متنها وسيطروا عليها، ثم غيروا مسارها باتجاه السواحل الصومالية، وأكد المركز أن أفراد طاقم الناقلة بخير.
وتكتسب الحادثة أهمية إضافية بسبب وضع الناقلة "سيمول"، إذ فرضت الولايات المتحدة عليها عقوبات في ديسمبر الماضي، باعتبارها من سفن "أسطول الظل" المرتبط بإيران، والذي تتهمه واشنطن بنقل النفط الإيراني باستخدام أساليب تهدف إلى إخفاء مصدر الشحنات.
وتدير الناقلة شركة "قطرات الندى الماسي لإدارة السفن" التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، وهي واحدة من أربع سفن تابعة للشركة سبق أن نقلت منتجات نفطية إيرانية، بينها النفتا والسولار.
عودة القرصنة الصومالية إلى خليج عدن
ولا تبدو حادثة الناقلة معزولة عن موجة جديدة من نشاط القراصنة الصوماليين، فوفق شركة "ويندوارد" للاستخبارات البحرية، شهدت المنطقة في وقت سابق من هذا الأسبوع الاستيلاء على سفينة شحن قبالة السواحل الصومالية، في خامس هجوم من هذا النوع على الأقل منذ أبريل الماضي.
وخلال أبريل ومايو، استولى القراصنة على ثلاث ناقلات محملة بمنتجات نفطية وأسمدة، ولا تزال محتجزة قبالة الساحل الصومالي، فيما شهد يوليو الاستيلاء على سفينة تحمل مواد كيميائية قبالة السواحل اليمنية ونقلها إلى الصومال، مع احتجاز عشرات من أفراد الأطقم.
وترى "ويندوارد" أن القرصنة الصومالية عادت لتشكل تهديداً عملياتياً نشطاً أمام حركة الشحن التجاري في غرب المحيط الهندي وجنوب خليج عدن.
وكانت القرصنة قد انتشرت بصورة واسعة قبالة السواحل الصومالية خلال العقد الأول من الألفية، وبلغت ذروتها عام 2011، قبل أن تتراجع بشكل كبير نتيجة انتشار القوات البحرية الدولية واعتماد شركات الشحن إجراءات أمنية أكثر صرامة.
وبين عامي 2005 و2011، نفذ القراصنة الصوماليون مئات الهجمات على السفن، وتسببت أنشطتهم في أضرار قدرت بنحو 18 مليار دولار سنوياً، قبل أن تنجح الجهود البحرية الدولية في احتواء الخطر إلى حد كبير.
الحرب الإيرانية توفر فرصة جديدة للقراصنة
ويربط تقرير "بوليتيكو" عودة القرصنة جزئياً بتحويل دول عدة مواردها البحرية نحو الشرق الأوسط نتيجة الحرب الإيرانية، وهو ما قد يقلل من مستوى الرقابة في مناطق أخرى ويمنح القراصنة فرصة لاستعادة نشاطهم.
وقال بريت إريكسون، المدير الإداري لشركة "أوبسيديان ريسك أدفايزرز"، إن عدد السفن التي استولى عليها القراصنة لا يزال محدوداً نسبياً، لكن خطورة التطور تكمن في تزامنه مع سلسلة من التهديدات التي تواجه شركات الشحن في المنطقة.
وأشار إلى أن الهجمات في محيط مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب القرصنة الصومالية، تفرض مجموعة متراكمة من المخاطر على قطاع النقل البحري، بما يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين والإنفاق على الأمن الخاص.
وفي المقابل، رفض مسؤول في البيت الأبيض الربط المباشر بين عودة القرصنة والصراعات الإقليمية المرتبطة بإيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة تظل أكبر مساهم في أمن الصومال، وأن قواتها البحرية قادرة على حماية ممرات الشحن الحيوية، بما في ذلك ناقلات النفط، بالتوازي مع مواجهة التهديدات الإقليمية الأخرى.
ناقلات النفط في مرمى القراصنة
تزداد خطورة عودة القرصنة بسبب موقع المنطقة وأهميتها بالنسبة لتجارة النفط العالمية، خصوصاً مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، كما أن ناقلات النفط والأسمدة والمواد الكيميائية أصبحت من بين السفن التي تعرضت للاستهداف خلال موجة الهجمات الأخيرة.
ويرى إريكسون أن ارتفاع أسعار النفط وشح المعروض في الأسواق يجعلان الناقلات المحملة بالمواد النفطية هدفاً أكثر جاذبية للقراصنة، بينما يؤدي انشغال الموارد البحرية الدولية بالأزمة في الشرق الأوسط إلى خفض مستوى المخاطر التي قد يواجهها منفذو الهجمات.
وفي حال استمرت العمليات أو توسعت، قد تضطر شركات الشحن إلى إعادة تقييم جدوى المرور في المنطقة، الأمر الذي قد ينعكس على أسعار التأمين وتكاليف النقل، إضافة إلى زيادة الاعتماد على إجراءات الحماية الأمنية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن المنطقة تمثل أحد المسارات الحيوية لحركة التجارة والطاقة العالمية، فيما يؤدي اضطراب مضيق هرمز إلى زيادة أهمية الطرق البديلة عبر البحر الأحمر وخليج عدن، ما يجعل أي تهديد جديد للملاحة في هذه المنطقة أكثر تأثيراً على سلاسل الإمداد.
ويرى المراقبون أن عودة القرصنة الصومالية تمثل تهديداً إضافياً للملاحة الدولية في توقيت شديد الحساسية، خصوصاً أن شركات الشحن تواجه في الوقت نفسه مخاطر مرتبطة بالهجمات في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
ولا تكمن خطورة التطور في عدد السفن المستهدفة فقط، وإنما في تزامن القرصنة مع تصاعد التوترات الإقليمية وتحول الموارد البحرية الدولية نحو مناطق الصراع،. وإذا استمرت الهجمات، فقد تتزايد تكاليف التأمين والشحن، بينما تصبح حماية طرق التجارة والطاقة في خليج عدن والبحر الأحمر تحدياً أكثر تعقيداً بالنسبة للقوى البحرية الدولية.
