نزع سلاح الميليشيات في العراق.. مواجهة جديدة بين الحكومة والفصائل المدعومة من إيران
الجمعة 21/أغسطس/2026 - 01:50 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
تدخل معركة نزع سلاح الفصائل المسلحة في العراق مرحلة جديدة، بعدما انتقلت من الغرف السياسية والمفاوضات إلى شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، ومع اقتراب الموعد المحدد في 30 سبتمبر لنزع سلاح الفصائل، تسعى بغداد إلى حشد دعم شعبي لفكرة حصر السلاح بيد الدولة، في وقت ترفض فيه جماعات مسلحة بارزة التخلي عن ترسانتها، وتربط ذلك بانسحاب القوات الأجنبية من البلاد.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة ذا ناشيونال (The National)، تعكس الحملة الإعلامية الحكومية تصاعد الضغوط على الميليشيات المدعومة من إيران، في ظل خلافات سياسية وأمنية بشأن مستقبل السلاح خارج سيطرة المؤسسات الرسمية.
بغداد تنقل معركة نزع السلاح إلى الشارع
اختارت الحكومة العراقية توجيه رسالتها إلى الجمهور من خلال مشاهد درامية وحملات عبر وسائل الإعلام الرسمية ومنصات التواصل، وتزامنت الحملة مع تحذير القيادة السياسية العراقية من أن عدم الالتزام بموعد 30 سبتمبر لنزع السلاح قد يؤدي إلى توجيه اتهامات بالإرهاب، كما نشر جهاز مكافحة الإرهاب مقاطع مصورة لجنود بكامل تجهيزاتهم العسكرية، حمل أحدها عبارة: "نحن على أهبة الاستعداد"
وفي السياق نفسه، نشرت وزارة الداخلية ملصقاً إلكترونياً يصور أيادي تحمل بندقية فوق العلم العراقي، مع عبارة تؤكد أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل مفتاحاً للسلام، كما أعادت وسائل الإعلام الرسمية نشر تصريحات سابقة للمرجع الشيعي آية الله العظمى علي السيستاني، دعا فيها إلى حصر السلاح في يد الدولة.
لماذا ترفض بعض الفصائل نزع سلاحها؟
ترتبط قضية نزع السلاح بهيكلين متداخلين، الأول هو قوات الحشد الشعبي، وهي مظلة قانونية تتلقى رواتبها من الدولة وتضم عشرات الجماعات المسلحة التي تأسست عام 2014، والثاني هو المقاومة الإسلامية في العراق، وهي شبكة أكثر مرونة تضم جماعات موالية لإيران، من بينها فصائل تنتمي أيضاً إلى الحشد الشعبي، وتركز على استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وبحسب تقرير ذا ناشيونال، أعلنت جماعات مسلحة مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، إلى جانب سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر، وضع أسلحتها تحت سلطة الدولة، لكن فصائل أكثر تشدداً، في مقدمتها كتائب حزب الله وحركة النجباء، رفضت نزع السلاح قبل انسحاب القوات الأجنبية.
وازداد موقف هذه الفصائل تشدداً عقب الغارات الجوية الأمريكية السعودية على قوات الحشد الشعبي أواخر الشهر الماضي، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 مقاتلاً وإصابة آخرين.
كما أشارت مصادر أمنية، وفق الصحيفة، إلى أن زيارة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد هذا الشهر تزامنت مع طرح الفصائل شروطاً إضافية لنزع السلاح.
وتشمل هذه المطالب نزع سلاح قوات البيشمركة في إقليم كردستان، وخروج القوات التركية الموجودة في شمال العراق، إلى جانب التأكيد على أن البلاد لا تزال تعاني من هشاشة سياسية واقتصادية وعسكرية، وأن النفوذ الأمريكي لم ينتهِ بشكل كامل.
وحذر محمد ناجي، رئيس المكتب السياسي لمنظمة بدر، من أن محاولة نزع سلاح الجماعات المسلحة بالقوة قد تقود إلى حرب أهلية وتزيد الانقسامات الداخلية.
مواجهة مباشرة بين الحكومة والميليشيات
برزت حدة الخلاف بصورة أكبر بعد اعتقال عباس اليعقوبي، مدير استخبارات عمليات حزام بغداد، في منزله، قبل أن تسلمه القوات الأمنية إلى جهاز الحشد الشعبي، ووفق التقرير أسقطت محكمة في بغداد لاحقاً جميع التهم الموجهة إليه، من دون الكشف عن تفاصيل القضية.
وأعقب ذلك استقبال اليعقوبي من جانب رفاقه بوصفه بطلاً، وتسليمه بندقية، بينما اتهم في تصريحات لإحدى وسائل الإعلام التابعة لحركة النجباء المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سوريا وإيران، توم باراك، بافتعال الأزمات ودفع العراق نحو صراع داخلي.
وفي ظل تصاعد التوتر، دعا قادة سياسيون شيعة إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، كما أعلن بيان صادر عن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي أن إطار التنسيق، الذي يمثل أكبر كتلة برلمانية شيعية، شكل لجنة للتعاون مع الحكومة في تنفيذ آلية نزع السلاح.
ويرى محللون، بحسب ذا ناشيونال، أن النتائج المتوقعة ستكون تدريجية، وقد تشمل استيعاب الفصائل المتعاونة مع الدولة، وزيادة الضغط على الفصائل الرافضة، إلى جانب تنفيذ عمليات تسليم رمزية للسلاح، إلا أن النتيجة النهائية ستتأثر بموقف منظمة بدر ومسار العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.
"حميد يرفض تسليم سلاحه".. معركة إعلامية مضادة
وبحسب الصحيفة لم تمر الحملة الحكومية دون رد من الجماعات المسلحة وأنصارها، إذ واجه المشهد التلفزيوني ردود فعل غاضبة وساخرة، واتهم بعض أنصار الفصائل السلطات العراقية بخدمة المصالح الأمريكية واتباع أجندة موالية لإسرائيل.
ففي محافظة ميسان، جنوب بغداد، صوِّر أنصار ملثمون من الميليشيات وهم يرشون هذه العبارة على جدران مبنى التلفزيون الرسمي: "حميد رجل شجاع. لن يُسلّم سلاحه"، كما أعادوا تمثيل المشهد الدرامي الذي بث على التلفزيون الرسمي، حيث يطلب الأب من ابنه عدم الاستجابة لدعوة نزع السلاح بسبب التهديدات المستمرة للبلاد، وخاصةً من الولايات المتحدة.
وجاء رد آخر من المركز الثقافي الإسلامي الجنوبي، وهي منظمة غير حكومية مرتبطة بجماعات مسلحة وأحزاب سياسية موالية لإيران، في مقطع فيديو صُوّر على ملعب كرة قدم، رفع اللاعبون لافتة كتب عليها: "لن نسلم أسلحتنا. إذا كنتم تريدون لعب كرة القدم، فتعالوا" - وهو تعبير يُترجم عادةً في العراق ببساطة إلى: "انس الأمر".
في رسالة مباشرة إلى الحكومة بشأن موقف الفصائل الرافض لنزع السلاح.
وتكشف هذه الردود أن الحكومة لا تخوض معركة سياسية وأمنية فقط، بل دخلت أيضاً في مواجهة على مستوى الخطاب والرأي العام، في محاولة لإقناع العراقيين بأن الدولة قادرة على توفير الحماية، بينما تسعى الفصائل المسلحة إلى الحفاظ على روايتها بشأن دورها الأمني وضرورة الاحتفاظ بالسلاح.
ويرى المراقبون أن انتقال الحكومة العراقية إلى استخدام التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي يعكس إدراكاً بأن ملف نزع سلاح الميليشيات لا يمكن حسمه من خلال المفاوضات السياسية وحدها، خصوصاً مع استمرار رفض فصائل قوية التخلي عن أسلحتها.
وفي المقابل، فإن تصاعد الخطاب بين بغداد والفصائل المسلحة يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً، خاصة مع ارتباط ملف السلاح بالتوازنات الداخلية العراقية وبالعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.
ومع اقتراب موعد 30 سبتمبر، تبدو المعركة مفتوحة بين مسعى الدولة لترسيخ احتكارها للسلاح، وإصرار فصائل مسلحة على الاحتفاظ بقدراتها وشروطها الخاصة.
ويبقى نجاح الحكومة مرهوناً بقدرتها على تحقيق نزع تدريجي للسلاح دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، وبمدى قدرتها على تحويل الدعم الشعبي الذي تسعى إلى بنائه إلى خطوات سياسية وأمنية ملموسة.
