تمدد "نصرة الإسلام والمسلمين" نحو خليج غينيا: حذر تكتيكي أم تآكل تدريجي؟

السبت 22/أغسطس/2026 - 08:49 م
طباعة تمدد نصرة الإسلام حسام الحداد
 
تطرح قراءة "مجموعة الأزمات الدولية" الصادرة في فبراير 2026 حول استراتيجية "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" فرنسية الإلهام والإدارة، فرضية مثيرة للجدل؛ إذ ترى أن التنظيم لا يضع التمدد نحو دول خليج غينيا على رأس أولوياته، بل يتعامل معه بحذر خشية تفكك بنيته الداخلية. غير أن هذه الرؤية تصطدم بمعطيات الواقع الميداني الذي يسجل منحنى تصاعديا مطردا منذ عام 2021. إن قراءة التحركات الميدانية تشير إلى أن التنظيم لا يتردد، بل يطبق استراتيجية "توسع منخفض الكلفة" تراهن على هشاشة الدولة واختلال التنسيق الإقليمي أكثر من رهانها على قرارات القيادة المركزية.

لغة الأرقام تفند فرضية "التوسع الهامشي"
تظهر البيانات الميدانية المسجلة لدى المراكز المتخصصة أن ما يحدث على الأرض ليس مجرد تحركات هامشية أو مناوشات عابرة. فوفقا لمشروع رصد النزاعات "أكليد"، شهدت الهجمات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة في المنطقة قفزة بنسبة 86% بين عامي 2024 و2025، لتنتقل من 150 هجوما إلى نحو 280 هجوما.
وتبرز بنين كنموذج صارخ لهذا التحول الميداني، بعد أن أصبحت أكثر دول خليج غينيا تعرضا للضغط العسكري. ففي شمال البلاد، ارتفع عدد العمليات من 22 هجوما فقط عام 2021 إلى 176 هجوما بحلول عام 2024، ما يعكس تسارعا لا ينسجم مع أطروحة الحذر التكتيكي.
ولم يتوقف هذا التصاعد عند حدود العمليات، بل انعكس مباشرة على حصيلة الضحايا؛ حيث تضاعفت أعداد القتلى في بنين بين عامي 2022 و2024 لتصل إلى 131 قتيلا. هذا الاستنزاف البشري المتزايد يؤكد أن المنطقة الشمالية لبنين لم تعد مجرد منطقة خلفية، بل ساحة استهداف مباشر.
إن التتبع الزمني لهذه الأرقام على مدى أربع سنوات متتالية يكشف عن خط بياني صاعد ومستقر، مما ينفي صفة العشوائية عن هذه التحركات. فالنمط الممتد يشير إلى مسار استراتيجي ثابت يعتمد التدرج، وليس مجرد مناورات مؤقتة تدار على هامش الصراع في دول الساحل.

منطق الدفع والجذب: لماذا الساحل الغيني؟
تستند ديناميكية الحركة نحو الجنوب إلى ثنائية ضاغطة تتداخل فيها العوامل العسكرية والجغرافية. فمن جهة، شكل الضغط العسكري المتزايد في بوركينا فاسو تحت قيادة إبراهيم تراوري عامل دفع رئيسي، أدى إلى إرهاق خطوط إمداد الجماعة وقواعدها التقليدية ودفعها للبحث عن متنفس جديد.
وفي المقابل، شكلت الجغرافيا الساحلية عامل جذب مثالي، ولا سيما مجمع محميات "دبليو-آرلي-بندجاري" (WAP) الممتد بين بنين والنيجر وتوغو. يوفر هذا الفضاء الطبيعي المعقد غطاء نباتيا كثيفا وشبكة طرق محدودة تمكن عناصر الجماعة من التخفي وحرية الحركة عبر الحدود.
ولا يقتصر التمدد على الجانب العسكري المباشر، بل يعتمد التنظيم على التغلغل الناعم في المجتمعات المحلية. فمن خلال الانخراط في شبكات التهريب، والتوسط في النزاعات العرقية، والنشاط الدعوي، يسعى التنظيم لبناء نموذج "حكم موازي" يرسخ وجوده الاجتماعي قبل العسكري.
هذا المنهج يعيد إنتاج تجربة التنظيم في شمال مالي، حيث سبقت مرحلة التغلغل الاجتماعي بناء مناطق السيطرة الفعلية. وبناء عليه، فإن هذا التريث الملاحظ قد لا يكون ترددا استراتيجيا، بقدر ما هو تطبيق واع لسياسة "التآكل التدريجي" بوتيرة بطيئة تفاديا لإثارة استجابة دولية مبكرة.

أزمة الاستجابة: تشظي المبادرات وغياب التنسيق
أمام هذا التمدد المتدرج، تبدو الاستجابة الأمنية لدول خليج غينيا متفرقة وتفتقر إلى رؤية موحدة. فقد آثرت كل دولة إطلاق مبادرتها الخاصة؛ حيث اعتمدت بنين عملية "ميرادور" وتجنيد 5000 جندي، بينما استندت توغو إلى عملية "كوندجواريه"، وغانا إلى "القبضة المهزومة"، في حين أنشأت ساحل العاج منطقتها Operational الشمالية.
تعكس هذه المبادرات المنفردة عمق الأزمة التنسيقية في المنطقة، حيث تعمل الدفاعات الوطنية في معزل عن بعضها البعض. ورغم ضخ الموارد المادية والبشرية، إلا أن الاستجابة تظل قاصرة عن مواجهة تنظيم يتحرك عبر الحدود بحرية مرنة.
وقد تعمق هذا الخلل المؤسسي عقب الانسحاب الرسمي لدول تحالف الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) من مجموعة "إيكواس" في يناير 2025. هذا الانفصال السياسي أدى إلى تعطيل آليات التبادل الاستخباراتي والمعلوماتي بين دول العمق ودول الشريط الساحلي.
يستغل التنظيم هذا الانقسام الجيوسياسي بين المعسكرين المدني والعسكري في غرب أفريقيا كأهم أداة تشغيلية له. فالتفكك الإقليمي وسهولة اختراق الحدود المسامية يقدمان للجماعة فرصا للتمدد تفوق ما توفره لها قدراتها الذاتية أو تخطيطها المركزي.

مساءلة نقدية لفرضية "الحذر التنظيمي"
تفترض قراءة "الأزمات الدولية" أن خوف القيادة المركزية ل JNIM من تفكك بنيتها اللا مركزية هو ما يضبط وتيرة التمدد. غير أن هذه الفرضية تركز على النوايا المفترضة للقيادة، وتغفل طبيعة الهيكل التنظيمي للشبكات الجهادية التي يصعب التحكم في أطرافها بشكل كامل.
فالتنظيم يتشكل من تحالف فصائل محلية متعددة الإثنيات والأهداف تحت مظلة واحدة، ما يجعل فرض السيطرة على الوتيرة الميدانية في المناطق البعيدة أمرا معقدا. وبالتالي، فإن ما يظهر ك"حذر مقصود" قد يكون مجرد انعكاس لمحدودية القدرة التنظيمية على ضبط الفروع النائية.
من جانب آخر، يغفل هذا التحليل دور المنافسة الشرسة مع تنظيم "ولاية الساحل" التابع لداعش. فالتمدد نحو الجنوب ليس مجرد قرار أحادي ل JNIM، بل هو أيضا استجابة اضطرارية لسباق النفوذ على الفراغات الجغرافية نفسها لمنع المنافس من التمدد فيها.
إن تقييم تحركات الجماعة بعيدا عن ميزان التنافس الجهادي يعطي صورة ناقصة للواقع الميداني. فالتمدد إلى الساحل هو حصيلة معادلة معقدة تتداخل فيها هشاشة الحدود، والمنافسة البينية، ومحدودية ضبط المركز، وليست مجرد خطة حذرة أعدتها القيادة في غرف المغلقة.
تكمن الخطورة الحقيقية في التعاطي مع تمدد "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" باعتباره "تهديدا ناشئا" أو مؤجلا بناء على فرضية الحذر التنظيمي، بينما تشير المعطيات الميدانية إلى أنه تحول بالفعل إلى واقع بنيوي قائم؛ وهو ما يتطلب لتداركه تجاوز الخلافات السياسية مع المجالس العسكرية في باماكو وواغادوغو ونيامي، وإعادة بناء التنسيق الاستخباراتي العابر للحدود، لسد الفراغ المؤسسي الذي يقتتل عليه التنظيم ويعتاش عليه.

شارك