حسام الحداد يكتب: بين الروحانية والسياسة.. هل التصوف "ترياق" لمواجهة التطرف أم بديل سياسي؟
السبت 22/أغسطس/2026 - 10:22 م
طباعة
حسام الحداد
في خضم التحولات الفكرية والسياسية المعقدة التي تشهدها المنطقة العربية، تبرز الأزمات والتوجهات المتطرفة التي أفرزها الإسلام الحركي كواحدة من أبرز التحديات التي تهدد نسيج المجتمعات. هذا الواقع المتأزم دفع بالعديد من الأوساط البحثية والسياسية إلى البحث عن مخارج آمنة وبدائل فكرية قادرة على مواجهة الغلو والعنف، مما أدى إلى تصدر "الاتجاه الروحي" كخيار جاذب ومطروح بقوة على طاولة النقاشات العامة.
إلا أن هذا الطرح، على الرغم من بريقه الظاهري وما يحمله من قيم تسامحية، يضعنا أمام إشكالية شديدة التعقيد تتجاوز بكثير القراءات السطحية التي تبحث عن حلول سحرية جاهزة. فالتصوف في جوهره لم يبن ليكون تنظيما سياسيا أو حزبا ينافس على مقاعد السلطة، بل وجد ليكون إطارا قيميا ومنارة أخلاقية ترتكز على تزكية النفس والصفاء الروحي، مما يفرض قراءة نقدية متأنية لمدى صلاحيته وقدرته على الحلول محل الحركات السياسية.
يقدم المقال التالي تحليلا عميقا وشاملا لهذه الإشكالية، متناولا محاولات التوظيف السياسي والاحتواء التي تعرضت لها الطرق الصوفية، مرورا بصراع الفتاوى وتآكل الوسطية الدينية بين مطرقة التكفير وسندان الجمود، وصولا إلى مناقشة التحديات الهيكلية والتاريخية التي تعرقل الرهان عليها كبديل سياسي، مع تأكيد دورها الأساسي ك "قوة ناعمة" وحصن روحي واجتماعي ضد التطرف.
محاولات التوظيف السياسي والاحتواء
يرفض التحليل النقدي العميق لمحاولات تسييس الدين أي ربط بين الجوهر الروحي الخالص للتصوف، والذي يرتكز أساسا على تزكية النفس، والارتقاء الأخلاقي، وإصلاح المجتمع، وبين السعي المحموم نحو السلطة أو غايات الحكم. فهذا التيار الروحي بطبيعته ينأى بنفسه عن الصراعات الحزبية وصراع النفوذ، إلا أن أهميته الاجتماعية والدينية جعلته محط أطماع حركات الإسلام الحركي والأيديولوجي التي نظرت إليه كخزان بشري ضخم.
وتاريخيا، لم تكتف الحركات الأيديولوجية - وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين - بالمراقبة من بعيد، بل سعت بجدية بالغة إلى "استيعاب" التيارات الصوفية أو اختراقها من الكور إلى القمة. وقد وظفت هذه الجماعات شعارات براقة ومخادعة، مستغلة بعض الجوانب التراثية أو العاطفية لدمج الأتباع والمريدين في هياكلها التنظيمية الصارمة، محولة إياهم تدريجيا من فضاء الروحانيات إلى أتون العمل الحركي المنظم.
ولم يكن هذا التوجه المتكرر لاختراق الطرق الصوفية عشوائيا أو وليد الصدفة، بل كان استراتيجية مدروسة وممنهجة بدقة. فقد اعتمدت الجماعات الحركية على تكتيكات تسريب عناصر تابعة لها داخل النسيج الصوفي، والتدرج في نيل ثقة شيوخ الطرق ومجالسها، بغية تطويع عقول الأفراد وتحويل ولاءاتهم العقائدية والفكرية بما يتلاءم مع الأجندات السياسية العليا للجماعة الأم.
وتشهد الأدبيات والشهادات الواقعية على نجاح هذه المحاولات في أكثر من محطة، حيث استطاعت عناصر حركية متغلغلة في بعض المحافظات -مثل بني سويف وغرب الدلتا- استقطاب أعداد وازنة من المريدين الصوفيين وسحبهم خارج عباءة طرقهم الأصلية. بل وصل الأمر في بعض المحطات إلى محاولة السيطرة على مفاصل اعتبارية وقيادية داخل المشهد الصوفي ونقابات الأشراف، لتوجيه بوصلتها الدينية نحو الخدمة السياسية المباشرة.
وبهذا الشكل، تعرضت الهوية الصوفية المستقلة لمحاولات مسخ وتشويه مستمرة، حيث جرى سلخ المريد عن بيئته الزهدية والتأملية وإقحامه قسرا في أتون الاستقطاب الحزبي وصراعات الهيمنة على المجال العام. وهو الأمر الذي أفرز صراعا خفيا وعلنيا بين طبيعة التصوف القائمة على السلام الداخلي، وبين طبيعة الإسلام الحركي القائمة على المنازعة على الملك ومفاصل الدولة.
الصراع الفكري وتآكل الوسطية
يشهد المشهد الديني المعاصر حالة استقطاب حادة تتجلى بوضوح في "حرب فتاوى" ومعارك كلامية مستمرة لا تتوقف. تدور رحى هذه المعارك بين قيادات ومشايخ التيار السلفي من جهة، وبين مشايخ وأبناء الطرق الصوفية من جهة أخرى. ويمتد هذا الصراع المحتدم ليتجاوز مجرد النقاشات الأكاديمية، محولا الساحة الدينية إلى مساحة تجاذب دائمة بين التحريم والتجريم والتكفير.
وفي هذا السياق، يروج الفكر السلفي لاتهامات خطيرة ضد كبار أقطاب التصوف ومريديه، معتبرا إياهم أصحاب بدع وشركيات ومنكرات ترتكب جهارا نهارا. ويزعم هذا التيار أن هذه الممارسات تخالف أصول الدين وتحاربه، من خلال إحلال الشرك مكان التوحيد والبدعة مكان السنة، وهو ما يصورونه كأسباب تخرج المنتمين للطرق الصوفية من دائرة الإيمان إلى الكفر وتستبيح دماءهم وأعراضهم.
وتتجلى قسوة هذا الصراع الفقهي والعقائدي في التصنيف الصارم الذي يتبناه السلفيون تجاه التصوف، حيث يقسمونه إلى طبقات متدرجة وصولا إلى اتهام مراحله المتقدمة بالاختلاط بالفلسفات والبدع العلمية التي تخرج عن الإسلام بالكلية. هذا التقسيم الإقصائي يدفع السلفيين إلى النظر للمتصوفة بازدراء يصل أحيانا إلى حد التكفير والتحريض، وهو ما ترجمته وقائع دموية على الأرض، مثل حادث مسجد الروضة في سيناء، ليطرح تساؤلات مؤلمة حول أسباب هذا العداء المستحكم بين فصيلين ينطقان بالشهادتين.
وفي المقابل، لا يقف أبناء الطرق الصوفية مكتوفي الأيدي، بل يردون على هذه الاتهامات برفض هذا التزمت الذي يغلف خطاب خصومهم. يرى المتصوفة أن التيار السلفي يركز بشكل مبالغ فيه على الشكل والمظهر الخارجي، مثل إطلاق اللحى وتقصير الثياب ولبس النقاب، على حساب الجوهر الروحي والديني. ونتيجة لذلك، يصف الصوفية خصومهم بأنهم جماعات متشددة ومتجهمة تتعامل مع الدين بمنطق المنفعة لا الحب، ومصابون بمرض التعالي على المجتمع وشعور زائف بالاصطفاء.
إن الخاسر الأكبر والوحيد في أتون هذه الحرب المستعرة هو الدين الإسلامي الحنيف ووسطيته السمحة. فتلك المعارك المتبادلة تسعى من خلالها التيارات الحركية والسلفية إلى تحجيم التيار الروحي أو القضاء عليه، بهدف الانفراد التام بالمشهد الديني والسيطرة على عقول المجتمعات، متفرغين بذلك لتحقيق أهدافهم السياسية الكبرى على حساب وحدة النسيج المجتمعي والديني.
تحديات الرهان على البديل
عند التفكير بعمق في مدى واقعية طرح التصوف كبديل عملي قادر على إحداث تغيير جذري في البنية السياسية للمجتمعات الإسلامية، تتكشف أمام الباحث حقيقة غاية في التعقيد. فهذا الرهان، وإن بدا مغريا على المستوى النظري لمحاربة التطرف، يصطدم في الواقع بعقبات هيكلية وتاريخية عميقة تحول دون تحوله إلى قوة سياسية ناجعة.
وفيما يلي تفصيل لأبرز هذه التحديات والعقبات التي تعرقل هذا الطرح:
تعاني الطرق الصوفية من تباين شديد وتشتت واضح في مرجعياتها الفكرية ومواقفها العملية والسياسية. فهذه الطرق ليست كيانا تنظيميا واحدا منضبطا بمركزية قوية، بل هي جماعات متعددة تتباين طرائقها وأفكارها وتوجهات قياداتها.
هذا الاختلاف الجذري يجعل من المستحيل التعويل عليها ككتلة متجانسة وموحدة قادرة على الوقوف بحجم متوازن في مواجهة تيارات الإسلام السياسي المنظمة، مما ضعضع من فاعليتها كبديل مؤسسي موحد.
تاريخيا، أثبتت التجربة أن العديد من الطرق الصوفية مالت إلى مداهنة الأنظمة الحاكمة والخضوع التام لإرادة القادة السياسيين والسلاطين. وقد أدى هذا التموضع إلى إقحام السلطة التنفيذية نفسها في صميم البنية التنظيمية والمؤسسية للتصوف، مثل وجود ممثلين لجهات حكومية وأمنية داخل المجالس العليا للطرق الصوفية.
هذه الحالة من الارتهان للسلطة أضعفت بصورة واضحة من استقلالية التيارات الروحية، وأفقدتها رصيدها التاريخي كقوة تغيير اجتماعي مستقلة تقف بمعزل عن تأثير الحكام، محولة إياها في كثير من الأحيان إلى مجرد ظهير اجتماعي للحكومات القائمة.
دخلت الطرق الصوفية عبر عقود طويلة في حالة أشبه بالكمون السياسي الطويل، وهو ما رسخ في وجدان أتباعها والمريدين قناعة تامة بالابتعاد شبه الكلي عن شؤون الحكم والصراع السياسي. فلم تبادر الصوفية تاريخيا إلى إنشاء أحزاب أو خوض غمار الصراع الحزبي إلا في محطات استثنائية وردود فعل متأخرة دفاعا عن الوجود أمام طوفان التيارات الإسلامية الأخرى.
هذا التاريخ الطويل من النأي بالنفس عن إدارة الدولة جعل الرهان عليها اليوم كبديل مباشر لخوض غمار الصراع السياسي مخاطرة كبرى قد تقوض مقوماتها الروحية الأصلية وتزج بها في حلبة لا تملك أدواتها ولا خبرتها.
تفتقر الغالبية العظمى من الطرق الصوفية إلى رؤية سياسية واقتصادية متكاملة ومؤصلة للتعامل مع معضلات وتحديات الدولة الحديثة. إن جل اهتمام الخطاب الصوفي ينصب على الجوانب الفردية، والتربية الروحية، وتزكية النفوس، والزهد في زخارف الدنيا.
هذا التركيز المطلق على البعد الروحي والداخلي يجعلها غير مؤهلة لتقديم حلول إجرائية وعملية للأزمات الاقتصادية والسياسية الراهنة التي تعاني منها المجتمعات، مما يبقيها عاجزة عن تقديم نموذج حكم متكامل يماثل أو ينافس أطروحات الحركات السياسية والأيدي
التصوف ك "قوة ناعمة" لا "كيان سياسي"
إن القيمة الحقيقية والجوهرية للاتجاه الروحي المتمثل في التصوف لا تكمن مطلقا في كونه "تنظيما هيكليا" جاهزا لإدارة الدولة أو تولي مقاليد الحكم. فالتصوف لم يبن بطبيعته ليكون حزبا سياسيا ينافس على مقاعد البرلمان أو كراسي السلطة، بل وجد ليكون منارة هداية وإطارا قيميا وأخلاقيا رفيعا.
ويرتكز هذا الإطار القيمي بشكل أساسي على منظومة متكاملة من قيم التعايش السلمي، والتسامح الإنساني، والمحبة الخالصة التي تقرب بين قلوب البشر. وهي قيم راسخة تجعل من التصوف نموذجا فكريا مغايرا تماما للتيارات التي اتخذت من العنف والانتقام أداة لتحقيق أهدافها.
وفي ظل التحديات المعاصرة، يعمل التصوف ك "قوة ناعمة" فعالة وحيوية تساهم بشكل مباشر في التحصين الاجتماعي ضد موجات العنف والتطرف الديني. فهو يسعى إلى إعادة توجيه بوصلة الإنسان نحو جوهر الدين الحقيقي، بعيدا عن الغلو والتشدد الذي أطاح بسلامة المجتمعات.
إلى جانب ذلك، ينجح التيار الروحي في تصحيح وتعميق علاقة الإنسان بخالقه من جهة، وبأخيه الإنسان من جهة أخرى، عبر التركيز على تزكية النفوس وصفاء القلوب. هذه العلاقة القائمة على الصفاء الروحي تبعد الفرد عن التناحرات المادية الضيقة وتعيده إلى رحاب الإنسانية السامية.
وبهذا الدور المتوازن، ينأى التصوف بنفسه عن دوامة الصراعات السلطوية والأجندات الحزبية الضيقة التي أدت في كثير الأحيان إلى إفقاد الحركات الدينية مصداقيتها أمام الشعوب. وبدلا من أن يستهلك طاقته في معارك الحكم، يظل التصوف حصنا روحيا دافئا وملاذا آمنا يحفظ للمجتمع هويته الوسطية وتماسكه الأخلاقي.
واخيرا فإن محاولة تحويل التيار الروحي إلى "سلعة سياسية" أو "بديل معلب" للإسلام السياسي هو خطأ منهجي وتاريخي. فالتصوف يظل تيارا فكريا يعيد للمجتمع توازنه الأخلاقي والروحي، وهو دور لا يقل أهمية عن العمل السياسي، لكنه دور طبيعته قائمة على "التأثير في القلوب" لا "السيطرة على مفاصل الدولة". وبذلك، يظل التصوف حصنا ضد التطرف، لا حلبة للمصارعة السياسية.
