في إسطنبول اكاديميون يبحثون مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط

الإثنين 24/أغسطس/2026 - 10:52 ص
طباعة في إسطنبول  اكاديميون روبير الفارس
 
؟
 
اختُتمت في مدينة إسطنبول التركية، أمس الأحد، أعمال مؤتمر الملتقى الأكاديمي المسيحي للمواطنة في العالم العربي (CAFCAW)، الذي نظمته جامعة دار الكلمة خلال الفترة من 20 إلى 23 أغسطس 2026، بمشاركة نخبة من الباحثين والباحثات والأكاديميين من دول عربية وإقليمية مختلفة، في لقاء حاول أن يضع قضية المسيحيين في الشرق الأوسط داخل إطار أوسع من أسئلة المواطنة والهوية واللاهوت والتاريخ والصراعات السياسية والاجتماعية.

وعلى مدى أربعة أيام، لم يتعامل المؤتمر مع الوجود المسيحي في المنطقة باعتباره مجرد قضية أقلية دينية أو مشكلة ديموغرافية، وإنما باعتباره جزءًا أصيلًا من تاريخ المجتمعات العربية ومستقبلها، وباعتبار المواطنة الكاملة والمشاركة في الحياة العامة مدخلًا أساسيًا لمناقشة مستقبل المنطقة.

وجاء انعقاد المؤتمر في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحروب والنزاعات والهجرة وتراجع أعداد السكان المسيحيين في بعض البلدان مع أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والانتماء والحقوق والحضور الثقافي والاجتماعي.

 من اللاهوت إلى التاريخ..

كشفت جلسات المؤتمر عن تنوع واضح في الموضوعات والمقاربات، إذ التقت الدراسات اللاهوتية بالتاريخ الكنسي، وتقاطعت دراسات الهوية مع السياسة والجغرافيا والصراع.

وفي اليوم الأول، تناولت إحدى الجلسات موضوع «اسم الله: بنية دلالية للمقدس»، في دراسة قدمها جورج ملكي وأدارها جون دانيال، بينما بحث جوزيف حزيون في ورقته «بين الهدم والإعمار: كنيسة القيامة في زمن الفاطميين والفرنجة (1009–1149 ميلادية)» مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ القدس وكنيسة القيامة.

ولم يكن استدعاء التاريخ مجرد عودة إلى الماضي، بل بدا جزءًا من محاولة لفهم العلاقة بين المسيحيين والأرض والمدينة والذاكرة، وكيف تفاعلت المؤسسات الدينية مع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة.

وانتقلت جلسات أخرى إلى قضايا أكثر التصاقًا بالواقع الراهن، من خلال مناقشة لاهوت المقاومة، وفلسطنة الكنيسة الأسقفية في القدس، وتجربة الأسقف بيار كلافيري، وصولًا إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع المسيحيون أن يبقوا في مناطق الصراع والعنف، أم يصبح الرحيل في بعض الحالات خيارًا اضطراريًا؟

 «الحضور أم الرحيل؟».. 

كان السؤال المتعلق بالبقاء أحد أبرز الخيوط التي امتدت عبر جلسات المؤتمر المختلفة.
فمن خلال دراسة تجربة الأسقف بيار كلافيري، عاد النقاش إلى مفهوم الحضور المسيحي في المجتمعات التي تعيش أزمات وحروبًا، وإلى ما إذا كان البقاء يمكن أن يمثل شكلًا من أشكال الشهادة والمقاومة، أم أن حماية الإنسان وحياته قد تفرض أحيانًا خيارات أخرى.

لكن المؤتمر لم يقدم البقاء باعتباره شعارًا مجردًا، بل ربطه بمجموعة من الشروط، في مقدمتها وجود دولة المواطنة والقانون، وحماية الحقوق، وإتاحة المجال أمام المواطنين للمشاركة في الحياة العامة، وعدم اختزال المسيحيين في دور ديني أو طائفي.

وهنا بدا أن سؤال «كيف يبقى المسيحيون؟» لا يمكن فصله عن سؤال أكبر: «كيف تصبح المجتمعات أكثر قدرة على حماية جميع مواطنيها؟».

 المواطنة..  مشروع مجتمعي

يمثل مفهوم المواطنة محورًا أساسيًا في هوية ملتقى CAFCAW منذ تأسيسه، إذ يعمل الملتقى على جمع الأكاديميين والباحثين والشباب والناشطين من أجل تطوير فهم للمواطنة الكاملة والمسؤولة في المجتمعات العربية. كما سبق للملتقى أن طرح وثيقة «من النيل إلى الفرات: نداء الإيمان والمواطنة»، التي تناولت قضايا مثل سيادة القانون، وأمن المواطنين، والمساواة، والتعليم، وفرص العمل، وحقوق المرأة والشباب، والعيش المشترك. 

ومن هذه الزاوية، اكتسب مؤتمر إسطنبول أهمية خاصة، لأنه أعاد طرح المواطنة باعتبارها قضية تتجاوز حدود المسيحيين أنفسهم.

فالمواطنة التي تحمي المسيحي لا يمكن أن تكون منفصلة عن المواطنة التي تحمي المسلم، كما أن الدفاع عن حرية الدين والمعتقد لا يمكن أن يكتمل من دون الدفاع عن المساواة وسيادة القانون وكرامة الإنسان.

 الشباب.. الرهان على جيل جديد 

ومن أبرز ما ميز المؤتمر الاهتمام بالباحثين الشباب، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من مستقبل البحث في قضايا الشرق الأوسط.
فالملتقى لا يسعى فقط إلى تنظيم مؤتمرات دورية، وإنما يعمل على بناء شبكة أكاديمية تسمح للباحثين بتبادل المعرفة والخبرات، وتطوير أبحاث مشتركة، وإنتاج مقاربات جديدة لقضايا المسيحية العربية والمواطنة والهوية والتاريخ واللاهوت السياسي.

وهذا التوجه يتفق مع طبيعة CAFCAW بوصفه منصة تجمع الباحثين والأكاديميين والشباب والفاعلين في المجتمع المدني، بهدف تعزيز ثقافة المواطنة الكاملة والمسؤولة في المنطقة والشتات. 

 الجلسة الختامية.. 
وفي الجلسة الختامية، اتجه النقاش إلى استخلاص الدروس المشتركة من الأوراق والمداخلات التي شهدتها أيام المؤتمر، مع التأكيد على ضرورة ألا تبقى نتائج الأبحاث الأكاديمية داخل قاعات المؤتمرات، وإنما تتحول إلى معرفة قابلة للتداول والاستفادة منها في المجال العام.

وبرز خلال النقاش الختامي التأكيد على أهمية استمرار الحوار الأكاديمي بين الباحثين من مختلف دول المنطقة، وتوسيع مساحة مشاركة الأجيال الجديدة، وتشجيع الدراسات المقارنة التي تتناول أوضاع المسيحيين في سياقات عربية مختلفة، بدلًا من التعامل مع التجربة المسيحية في الشرق الأوسط باعتبارها تجربة واحدة متطابقة.

كما ظهر اتجاه واضح نحو ضرورة الجمع بين دراسة التاريخ وفهم الواقع، بحيث لا تصبح دراسة المسيحية العربية مجرد استعادة للذاكرة، ولا تتحول دراسة الحاضر إلى قراءة منفصلة عن الجذور التاريخية والثقافية للمجتمعات.

 مسارات للمستقبل

ويمكن تلخيص أبرز الاتجاهات التي عكستها جلسات المؤتمر ومناقشاته في خمسة مسارات رئيسية:

أولًا: التأكيد على أن المواطنة الكاملة هي الإطار الأوسع لحماية الوجود المسيحي، وأن مستقبل المسيحيين يرتبط بمستقبل الدولة المدنية وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين.

ثانيًا: الحاجة إلى تطوير خطاب لاهوتي جديد يتفاعل مع قضايا المجتمع والسياسة والعدالة والحرية، بدلًا من عزل الإيمان عن الأسئلة التي يعيشها الإنسان في حياته اليومية.

ثالثًا: تعزيز البحث الأكاديمي المحلي والإقليمي حول المسيحية العربية، وإتاحة مساحة أكبر للباحثين الشباب لإنتاج المعرفة من داخل مجتمعاتهم وسياقاتهم الخاصة.

رابعًا: تشجيع الحوار بين الأديان والمجتمعات، ليس باعتباره نشاطًا بروتوكوليًا، وإنما بوصفه وسيلة لبناء رؤية مشتركة للمواطنة والعيش المشترك ومواجهة خطاب الكراهية والانقسام.

خامسًا: التعامل مع الهجرة والرحيل والنزوح باعتبارها ظواهر تحتاج إلى دراسة أسبابها السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وليس الاكتفاء بالنظر إلى نتائجها الديموغرافية.

 ما بعد إسطنبول..

ربما تكون القيمة الأهم للمؤتمر أنه لم يحاول تقديم إجابة سهلة عن مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط.

فالمشكلة، كما كشفتها الأوراق والنقاشات، ليست في عدد المسيحيين فقط، ولا في قدرتهم على البقاء داخل الحدود الجغرافية لبلدانهم، وإنما في طبيعة المجتمعات التي يريدون أن يعيشوا فيها، وفي شكل الدولة التي تحمي حقوقهم، وفي قدرتهم على أن يكونوا مواطنين كاملين لا مجرد جماعة تبحث عن الحماية.

ومن هنا يصبح سؤال «البقاء» أكثر تعقيدًا من مجرد البقاء الجغرافي.

فالمطلوب ليس فقط أن يبقى المسيحي في الشرق الأوسط، وإنما أن يبقى حاضرًا وفاعلًا ومشاركًا، وأن يظل جزءًا من صناعة مستقبل مجتمعه، وأن تتحول المسيحية العربية من موضوع للدراسة إلى طرف مشارك في إنتاج المعرفة وصياغة الأسئلة المتعلقة بمستقبل المنطقة.

.. رسالة تتجاوز المسيحيين

اختتم مؤتمر إسطنبول أعماله، لكن الأسئلة التي طرحها تبدو أبعد من أن تنتهي بانتهاء جلساته.
فبين اسم الله وكنيسة القيامة، وبين لاهوت المقاومة وتجربة بيار كلافيري، وبين فلسطين والهوية والمواطنة، ظل سؤال واحد يتردد بأشكال مختلفة: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إيمانه وهويته وكرامته، وفي الوقت نفسه يكون مواطنًا كامل الحقوق والواجبات؟
ولعل الإجابة التي اقترحها المؤتمر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هي أن مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى على العزلة، ولا على انتظار الحماية، ولا على الحنين إلى الماضي وحده، وإنما على المعرفة، والمواطنة، والحضور، والحوار، وبناء مجتمعات يتساوى فيها الجميع أمام القانون.
وبذلك لم يكن مؤتمر إسطنبول مجرد لقاء أكاديمي حول المسيحيين في العالم العربي، بل محاولة لطرح سؤال أكبر عن مستقبل الشرق الأوسط نفسه: هل يستطيع هذا الشرق أن يحافظ على تعدده، وأن يحول التنوع الديني والثقافي من مصدر للصراع إلى أساس لمواطنة مشتركة؟
ويبقى التحدي الحقيقي بعد إسطنبول هو تحويل ما جرى داخل قاعات المؤتمر إلى أبحاث مستمرة، وشبكات تعاون، ومبادرات شبابية، وخطاب عام قادر على التأثير في الواقع، حتى لا تبقى قضية المواطنة مجرد عنوان لمؤتمر، بل تصبح مشروعًا اجتماعيًا وسياسيًا وإنسانيًا مفتوحًا للمستقبل.

شارك