اتفاق سلام بين قادة مسيحيين ومسلمين في نيجيريا.. هل يوقف العنف ؟
الإثنين 24/أغسطس/2026 - 10:54 ص
طباعة
روبيرالفارس
في بلد أنهكته أعمال العنف المسلح والاقتتال الطائفي والنزاعات المحلية ، لأكثر من 15 عاما اختار أكثر من 50 قائدًا دينيًا مسيحيًا ومسلمًا في نيجيريا أن يبعثوا برسالة مختلفة قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في يناير 2027: برفع شعارات لا للحقد الديني، ولا لخطاب الكراهية، ولا لاستخدام الدين وقودًا للصراع السياسي.
ففي العاصمة أبوجا، وقع قادة من الديانتين اتفاقًا للسلام والتعايش الديني، خلال مؤتمر نظمته رابطة العالم الإسلامي بالتزامن مع إطلاق آلية جديدة للحوار والتعاون بين المسلمين والمسيحيين في أنحاء البلاد. وحضر مراسم التوقيع مسؤولون حكوميون، بينهم نائب رئيس مجلس الشيوخ باراو جبرين ممثلًا للرئيس بولا تينوبو، إلى جانب ثلاثة من حكام الولايات الشمالية.
المبادرة لا تقتصر، بحسب منظميها، على توقيع وثيقة رمزية؛ إذ تتضمن إنشاء هيئة تنسيق وحوار بين الأديان، مع برامج تنفيذية وتقييم دوري للنتائج، وهو ما شدد عليه الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي محمد العيسى، مؤكدًا أن الأفكار المتطرفة ألحقت الضرر بالجميع، وأن نجاح المبادرة سيكون مرتبطًا بقدرتها على تحويل الاتفاق إلى برامج عملية.
لا للكراهية.. ولا لتكفير الآخر
الرسالة الأبرز التي خرجت من اجتماع أبوجا جاءت من القيادات الدينية نفسها.
وقال رئيس مجلس القادة الدينيين المسيحيين في الشمال، المطران جون برايز دانيال، إن الاتفاق يمكن أن يساعد رجال الدين على ضبط الخطاب العام، بحيث لا يتحول المنبر الديني إلى منصة للتحريض، مؤكدًا رفض خطاب الكراهية وإهانة أتباع الديانات الأخرى ووصفهم بالكفار أو الدعوة إلى تدمير دين آخر.
وفي الاتجاه نفسه، أكد خالد أبوبكر، الأمين العام لجماعة نصر الإسلام، أن التعاون بين المسلمين والمسيحيين لا يعني أن يتخلى أي طرف عن هويته الدينية، وإنما أن يعمل الجانبان معًا من أجل التعايش والسلام.
وهذه النقطة بالذات مهمة في الحالة النيجيرية؛ لأن المبادرة تحاول الفصل بين الاختلاف الديني الطبيعي وبين تحويل هذا الاختلاف إلى أداة للصراع السياسي أو الاجتماعي.
لماذا الآن؟
يأتي الاتفاق في توقيت شديد الحساسية.
فنيجيريا تتجه إلى انتخابات يناير 2027، فيما يظل الدين أحد العوامل المؤثرة بقوة في السياسة والمجتمع. وتعيش البلاد انقسامًا جغرافيًا ودينيًا نسبيًا، إذ يغلب المسلمون على شمال البلاد، بينما يشكل المسيحيون غالبية في أجزاء واسعة من الجنوب، مع وجود أتباع الديانتين في مختلف المناطق.
وتزداد أهمية الاتفاق مع استمرار الجدل حول التوازن الديني في السياسة النيجيرية، خصوصًا أن حزب الرئيس بولا تينوبو يتجه مجددًا إلى خوض الانتخابات بتذكرة رئاسية من مسلمين، كما حدث في انتخابات 2023، في خروج عن تقليد سياسي كان يقوم على قدر من التوازن بين الديانتين في قيادة السلطة التنفيذية.
لذلك فإن اتفاق أبوجا يحمل بُعدين متداخلين: دينيًا، يسعى إلى منع تحويل الاختلاف بين المسلمين والمسيحيين إلى عداء؛ وسياسيًا، يأتي قبل انتخابات يمكن أن تصبح فيها الهوية الدينية عنصرًا شديد الحساسية في المنافسة.
لكن ماذا عن المسيحيين؟
هنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيدًا.
الاتفاق مهم، لكنه وحده لن يوقف قتل المسيحيين أو خطفهم أو إحراق قراهم وكنائسهم.
والسبب أن جزءًا كبيرًا من العنف في نيجيريا لم يعد مجرد خلاف ديني بين مواطنين مسلمين ومسيحيين، بل أصبح مرتبطًا بجماعات مسلحة وشبكات إجرامية ونزاعات على الأراضي والموارد، إضافة إلى نشاط الجماعات الجهادية في الشمال الشرقي.
وتواصل جماعة بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا تنفيذ عمليات مسلحة في شمال شرق البلاد، رغم تراجع قوة التمرد مقارنة بذروته. وفي الأيام الأخيرة، ظل ملف خطف المدنيين حاضرًا بقوة؛ إذ احتجت عائلات في ولاية بورنو على استمرار احتجاز عشرات الأطفال الذين اختُطفوا من مدارسهم، في ظل عجز السلطات عن تأمين إطلاق سراحهم حتى الآن.
والأهم أن ضحايا الإرهاب ليسوا من المسيحيين وحدهم.
فالهجمات التي تشنها الجماعات الجهادية تتركز بدرجة كبيرة في شمال شرق نيجيريا، وهي منطقة ذات أغلبية مسلمة، ولذلك يدفع المسلمون أيضًا ثمنًا باهظًا للإرهاب. وهذا لا ينفي تعرض المسيحيين للاستهداف بسبب هويتهم الدينية في مناطق أخرى، لكنه يوضح أن الأزمة الأمنية النيجيرية أوسع من مجرد صراع بين المسيحيين والمسلمين.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين نوعين من العنف: عنف جماعات إسلامية متطرفة تستهدف المدنيين والدولة وأحيانًا المسيحيين تحديدًا، وعنف العصابات والنزاعات المحلية والصراعات على الأرض والموارد، التي قد تتخذ أحيانًا أبعادًا دينية أو عرقية.
هل يمكن للاتفاق أن يحمي المسيحيين؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: يمكن أن يساعد، لكنه لن يكون كافيًا.
أول مكاسب الاتفاق أنه يضع القيادات الدينية أمام مسؤولية مباشرة في منع التحريض. فإذا التزم الأئمة والقساوسة ورجال الدين بمواجهة خطاب الكراهية، فإن ذلك قد يقلل من فرص تحويل الأحداث الأمنية والسياسية إلى مواجهات دينية واسعة.
وثانيًا، فإن وجود هيئة مشتركة للحوار يمكن أن يوفر قناة اتصال بين القيادات المسيحية والإسلامية عند وقوع الأزمات، بدلًا من ترك الشائعات وخطاب التحريض يحدد ردود الفعل الشعبية.
وثالثًا، يمكن أن يكون للقيادات الإسلامية المعتدلة تأثير مهم في مواجهة الجماعات المتطرفة، خصوصًا عندما يصدر الرفض من داخل البيئة الدينية والاجتماعية التي تحاول التنظيمات المتشددة الادعاء بأنها تتحدث باسمها.
لكن كل ذلك يظل في إطار الوقاية المجتمعية، وليس الحماية الأمنية المباشرة.
فالمسيحي الذي يعيش في قرية مهددة بهجوم مسلح لا تكفيه وثيقة سلام بين رجال الدين إذا لم تكن هناك شرطة قادرة على الوصول إلى القرية، وجيش قادر على مواجهة المسلحين، وقضاء يحاسب المسؤولين عن الجرائم.
الاختبار الحقيقي يبدأ خارج قاعة المؤتمر
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في تقييم اتفاق أبوجا.
الاختبار الحقيقي للاتفاق لن يكون في الصور التي جمعت القادة المسيحيين والمسلمين وهم يوقعون الوثيقة، وإنما في اليوم الذي يقع فيه هجوم جديد على قرية مسيحية أو كنيسة، أو عندما يخطف مسلحون مدنيين، أو عندما يندلع نزاع محلي بين رعاة ومزارعين ويتحول إلى مواجهة ذات طابع ديني.
عندها سيظهر ما إذا كانت الهيئة الجديدة قادرة على التحرك سريعًا لمنع التصعيد، وما إذا كان رجال الدين سيستخدمون نفوذهم لتهدئة الشارع، وما إذا كانت الحكومة ستترجم دعمها السياسي للمبادرة إلى إجراءات أمنية وقضائية.
والواقع أن استمرار الهجمات المسلحة حتى الآن يقدم سببًا قويًا للحذر من المبالغة في تقدير أثر الاتفاق. ففي يوليو الماضي، قُتل ما لا يقل عن 30 شخصًا في هجوم مسلح على قرية ناريدون في ولاية كادونا، في واقعة تعكس استمرار أزمة الأمن المحلي حتى خارج بؤر تمرد بوكو حرام وداعش غرب أفريقيا.
من المصالحة الدينية إلى حماية الأرواح
لذلك يمكن النظر إلى اتفاق أبوجا باعتباره بداية سياسية ودينية جيدة، وليس حلًا نهائيًا لأزمة نيجيريا.
إذا تحول الاتفاق إلى شبكة فعلية للإنذار المبكر، ووساطة في النزاعات، ومواجهة للتحريض، وتعاون بين القيادات الدينية والسلطات المحلية، فقد يصبح أداة مهمة في تقليل العنف الطائفي وحماية المجتمعات المسيحية والمسلمة على السواء.
أما إذا بقي مجرد إعلان للمجاملات الدبلوماسية قبل انتخابات 2027، فلن يكون له تأثير يذكر على واقع القرى التي تعاني من هجمات المسلحين.
وبالنسبة إلى المسيحيين تحديدًا، فإن المعيار الحقيقي لنجاح الاتفاق سيكون بسيطًا وواضحًا: هل ستصبح الكنائس والقرى المسيحية أكثر أمنًا؟ هل ستتراجع عمليات القتل والخطف والتهجير؟ وهل سيُحاسب المعتدون بغض النظر عن انتمائهم؟
عندها فقط يمكن القول إن اتفاق أبوجا غيّر شيئًا في نيجيريا.
أما الآن، فهو يمثل فرصة مهمة، لكنه لا يزال وعدًا يحتاج إلى أن يتحول من توقيع على الورق إلى حماية على الأرض.
واللافت أن الاتفاق نفسه يقر ضمنيًا بهذه الحقيقة؛ فرابطة العالم الإسلامي تتحدث عن برامج تنفيذية وهيئة تنسيق وتقييم دوري للنتائج، أي أن قيمة المبادرة ستقاس بما ستنتجه من نتائج فعلية، لا بمجرد توقيعها.
وبعبارة أخرى: السلام الذي تحتاجه نيجيريا ليس فقط أن يتصافح المسيحي والمسلم، وإنما أن يصبح هذا التصافح قادرًا على منع الرصاصة والقنبلة والخطف والتحريض من الوصول إلى الضحية التالية.
