من الشهادة إلى الشراكة.. ماذا تقدم الكنائس الأمريكية لمسبحي نيجيريا؟

الثلاثاء 25/أغسطس/2026 - 11:27 ص
طباعة من الشهادة إلى الشراكة.. روبيرالفارس
 


لم تأتِ كلمات رئيس أساقفة سان فرانسيسكو، المطران سالفاتوري كورديليوني، أمام الكهنة الجدد في أبرشية ماكوردي، باعتبارها مجرد إشادة عابرة بالمسيحيين النيجيريين، بل حملت رسالة أوسع تتعلق بعلاقة الكنائس الغربية بالكنيسة الأفريقية، وفي مقدمتها الكنيسة في نيجيريا التي تعيش تحت ضغط العنف والتهجير والاختطاف والقتل.

وخلال قداس سيامة 14 كاهنًا جديدًا في أبرشية ماكوردي بولاية بينو،الأمريكية دعا كورديليوني المسيحيين الغربيين إلى الإصغاء إلى شهادة الكنيسة النيجيرية، معتبرًا أن ما يقدمه مسيحيو أفريقيا للكنيسة العالمية لا يقتصر على نموذج الصمود في مواجهة العنف، وإنما يمتد إلى تقديم رؤية مختلفة للإنسان والعائلة والعلاقات القائمة على التضامن وبذل الذات.

وقال إن المسيحيين في نيجيريا يواجهون احتمال دفع الثمن بحياتهم بسبب إيمانهم، بينما يواجه المسيحيون في الغرب أشكالًا أخرى من المعاناة، مثل العزلة والوحدة والقلق والاكتئاب وتراجع الروابط الاجتماعية. ومن هنا رأى أن الكنيسة الغربية تحتاج إلى الاستماع إلى الخبرة الأفريقية، لا باعتبار أفريقيا متلقية للمساعدة فقط، وإنما باعتبارها أيضًا صاحبة خبرة روحية وإنسانية يمكن أن تقدم شيئًا للغرب.

وكان كورديليوني قد وصف السياق الذي سيعمل فيه الكهنة الجدد بأنه سياق خطير، مشيرًا إلى إمكانية أن يُطلب من بعضهم أن يبذلوا حياتهم من أجل شعبهم. وتأتي هذه الكلمات في منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة موجات من العنف والتهجير، خصوصًا في ولايات الحزام الأوسط النيجيري.

لكن السؤال الذي تفرضه هذه الشهادة هو: ماذا تقدم الكنائس والمؤسسات المسيحية الأمريكية بالفعل للكنيسة النيجيرية التي تواجه هذه الأوضاع؟

الإجابة تكشف أن العلاقة بين الكنائس الأمريكية والمسيحيين في نيجيريا لا تقتصر على بيانات التضامن أو الصلوات، بل تمتد إلى الإغاثة الإنسانية والرعاية الطبية ودعم النازحين والمساندة الاقتصادية والتدريب الكنسي والدفاع عن الحريات الدينية.

المساعدات الطبية وإعادة بناء الحياة

من أبرز صور الدعم القادمة من الولايات المتحدة المساعدات الطبية والإنسانية. فقد ساهمت جهات مسيحية أمريكية في إيصال إمدادات طبية إلى مستشفيات نيجيرية، بما في ذلك مستشفيات في ولاية بلاتو، كما طُرحت داخل الأوساط الكنسية الأمريكية دعوات إلى توجيه مزيد من الموارد إلى الاحتياجات العملية للمجتمعات التي فقدت منازلها وكنائسها ومصادر دخلها.

وتبرز هنا أهمية الانتقال من مفهوم "مساعدة الكنيسة المضطهدة" إلى مفهوم أكثر شمولًا يقوم على مساعدة الإنسان نفسه؛ فالمجتمعات التي تتعرض للهجمات تحتاج إلى الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والتعليم وإعادة بناء مصادر الرزق، وليس فقط إلى الكتب الدينية. وقد دعا ناشطون مسيحيون أمريكيون صراحة إلى زيادة هذا النوع من المساعدات، مؤكدين أن الناجين من العنف يحتاجون إلى إعادة بناء حياتهم بقدر حاجتهم إلى الدعم الروحي. 

دعم النازحين والمهجرين

وتحتل قضية النازحين داخليًا موقعًا أساسيًا في برامج المؤسسات المسيحية الدولية التي تعمل بدعم أمريكي. فالمسيحيون الذين اضطروا إلى مغادرة قراهم بسبب الهجمات يحتاجون إلى الغذاء والمياه والمأوى والرعاية النفسية، إلى جانب مساعدتهم على استعادة سبل العيش.

وتعمل منظمة Catholic Relief Services، وهي الذراع الإنسانية الدولية للكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة، في نيجيريا عبر برامج تشمل الاستجابة للطوارئ والصحة والزراعة والتعليم وسبل كسب العيش وبناء السلام. وفي ولاية بورنو، على سبيل المثال، شملت برامجها مساعدات غذائية وتغذية ومساندة زراعية ومأوى ومياه وصرف صحي ودعمًا للحماية، بما يستهدف الفئات الأكثر هشاشة والمتضررة من النزاع. 

كما شملت استجابات إنسانية في ولاية بلاتو توفير مساعدات أساسية للأسر النازحة، بينها تغطية الإيجار ومستلزمات النظافة والأسِرّة ومصابيح تعمل بالطاقة الشمسية وغيرها من الاحتياجات الضرورية. 

الدعم النفسي للناجين من العنف

لا تتوقف آثار العنف عند لحظة الهجوم؛ فالاختطاف والقتل وتدمير القرى والنزوح تترك آثارًا نفسية عميقة، خصوصًا على النساء والأطفال.

ولهذا تتضمن برامج مؤسسات مسيحية دولية تعمل مع شركاء محليين في نيجيريا خدمات الرعاية النفسية ومعالجة الصدمات. وتوضح بيانات Open Doors لعام 2026 أن شركاءها في نيجيريا يقدمون الاستشارات الخاصة بالصدمات، والمساعدات الطارئة، والتدريب على التعامل مع الاضطهاد، والدعم الاقتصادي، إلى جانب التدريب الروحي والتلمذة المسيحية. 

وتكشف أرقام المنظمة عن حجم هذا التدخل؛ إذ استفاد نحو 330 ألف مسيحي في نيجيريا من برامجها خلال عام 2024، وكان النازحون والمتضررون من العنف من بين الفئات التي تلقت المساعدات الطارئة والرعاية الخاصة بالصدمات. 

تقوية الكنائس المحلية بدلًا من الحلول محلها

ومن الجوانب المهمة في المساعدة الخارجية دعم الكنائس المحلية لتتمكن من الاستمرار في أداء رسالتها وسط الأزمات. ويشمل ذلك تدريب القيادات، والتلمذة، والاستجابة للاضطهاد، وتقوية القدرة الاقتصادية للمجتمعات، ومساعدة المؤمنين على التعامل مع المخاطر الأمنية.

وتشير برامج Open Doors في نيجيريا إلى العمل من خلال شركاء محليين بهدف بناء كنيسة قادرة على الاستجابة للاضطهاد اجتماعيًا واقتصاديًا وروحيًا، وليس فقط تقديم مساعدات مؤقتة وقت الكارثة. 

الدفاع عن الحريات الدينية والضغط السياسي

وهناك مسار آخر للدعم لا يصل مباشرة إلى القرى أو الكنائس، لكنه يتحرك في واشنطن من خلال الضغط السياسي والدبلوماسي.

فمنظمات مسيحية أمريكية مثل International Christian Concern تعمل على توثيق أوضاع المسيحيين في نيجيريا، كما شاركت قضايا الاضطهاد في النقاش التشريعي الأمريكي. وفي فبراير 2026، أُدخل إلى الكونجرس مشروع قانون يطالب وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد تقرير شامل حول جهود الولايات المتحدة للتعامل مع اضطهاد المسيحيين والفظائع الجماعية في نيجيريا، بما في ذلك المساعدات الإنسانية للنازحين وتقييم أوضاعهم الأمنية والاحتياجات اللازمة لحمايتهم. 

وبذلك تتحول الكنيسة الأمريكية في بعض الحالات من مجرد جهة مانحة إلى طرف يحاول التأثير في السياسات العامة تجاه الأزمة النيجيرية.

لكن المساعدة ليست بلا جدل

ومع ذلك، فإن الحديث عن الدعم الأمريكي للكنيسة النيجيرية يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فالكنائس والمنظمات الأمريكية ليست كتلة واحدة، كما أن جميع المساعدات التي تقدمها مؤسسات أمريكية في نيجيريا لا تستهدف المسيحيين وحدهم.
فمنظمة 
ـCatholic Relief Services، على سبيل المثال، تؤكد أن برامجها الإنسانية تقدم المساعدة وفق الحاجة، دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنسية. وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من العمل الكنسي الأمريكي في نيجيريا يدخل في إطار العمل الإنساني العام، حتى عندما تكون المناطق المستفيدة من أكثر المناطق التي تضم جماعات مسيحية متضررة من العنف. 

كما أن توصيف العنف النيجيري باعتباره صراعًا دينيًا فقط يظل موضع نقاش بين الباحثين والمؤسسات الدولية؛ فالعنف في البلاد يرتبط أيضًا بعوامل أمنية وإثنية واقتصادية وصراعات على الأرض والموارد، بينما تشير تقارير حديثة إلى أن المسلمين أيضًا يتعرضون للقتل والاختطاف في مناطق النزاع. وفي الوقت نفسه تؤكد Open Doors أن المسيحيين في المناطق المتأثرة بالعنف يواجهون مستويات مرتفعة من المخاطر والاستهداف الديني.

من "الكنيسة التي تساعد" إلى "الكنيسة التي تتعلم"

في هذا السياق تكتسب كلمات كورديليوني معنى يتجاوز مسألة الاضطهاد نفسه.

فالرسالة التي خرجت من ماكوردي تقول إن العلاقة بين الكنيسة الأمريكية والكنيسة النيجيرية لا ينبغي أن تقوم على نموذج واحد: كنيسة غربية تمتلك الموارد وكنيسة أفريقية تتلقى المساعدة.

المشهد أكثر تعقيدًا؛ فالكنيسة الأمريكية تستطيع تقديم المال والخبرة الطبية والبرامج الإنسانية والدعم السياسي، بينما تقدم الكنيسة النيجيرية خبرة الصمود والعيش المشترك والشهادة في ظروف الخطر، فضلًا عن نموذج اجتماعي أكثر اعتمادًا على الأسرة والجماعة والتكافل.

وهنا تصبح عبارة كورديليوني: "شكرًا لكم على صمودكم"، أكثر من مجرد تحية للكهنة الجدد؛ إنها اعتراف بأن الكنيسة التي تواجه العنف في نيجيريا لا تحتاج فقط إلى من ينقذها، بل تستطيع أيضًا أن تكون هي نفسها مصدر إلهام وتجديد للكنائس الغربية.

وفي لحظة تتراجع فيها الروابط الاجتماعية في أجزاء من المجتمعات الغربية، بحسب توصيف رئيس أساقفة سان فرانسيسكو، قد لا يكون اتجاه العلاقة من واشنطن إلى ماكوردي فقط، بل يمكن أن يتحرك في الاتجاه المعاكس أيضًا: من أفريقيا إلى الغرب، حيث تحمل الكنيسة النيجيرية رسالة عن التضامن والشجاعة والإيمان الذي لا ينفصل عن الجماعة.

وهكذا تبدو الشراكة بين الكنائس الأمريكية والنيجيرية أمام اختبار جديد: هل تظل في حدود المساعدات الطارئة عندما تقع المأساة، أم تتحول إلى شراكة طويلة الأمد تجمع بين حماية الإنسان، وإعادة بناء المجتمعات، ودعم الكنائس المحلية، والدفاع عن الحرية الدينية، والاستفادة في الوقت نفسه من الخبرة الروحية والإنسانية التي راكمتها الكنيسة الأفريقية في مواجهة الأزمات؟

شارك