لوفيجارو: في محاولة لضرب إيران، واشنطن تفرض عقوبات على 60 كياناً، بما في ذلك مصفاة فرنسية للوقود الحيوي

الأربعاء 26/أغسطس/2026 - 01:24 م
طباعة لوفيجارو: في محاولة
 
تشنّ الإدارة الأمريكية حملة واسعة النطاق من الإجراءات القسرية لقطع طهران عن قنوات تمويلها العالمية. ولا يزال المحللون متشككين في جدوى هذه الحملة.
مع اقتراب الحرب التي ستستمر ستة أشهر بين  الولايات المتحدة  وإيران، أطلقت الإدارة الأمريكية حملة عقوبات واسعة النطاق تهدف إلى قطع مصادر تمويل طهران في جميع أنحاء العالم. وحذر وزير الخزانة سكوت بيسنت في مؤتمر صحفي مساء الاثنين قائلاً: "لا أحد بمنأى  عن العقوبات الأمريكية  "
الهدف هو استهداف القنوات العديدة التي تُمكّن النظام الإيراني من مواصلة التجارة رغم العقوبات الغربية. وتزعم وزارة الخزانة الأمريكية أنها رصدت "كل عقدة، وكل وسيط، وكل شبكة" تستخدمها طهران لبيع نفطها، والتحايل على القيود المالية، وتمويل الحرس الثوري. وقد أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، وهو الجهة الأمريكية المسؤولة عن مراقبة العقوبات، عن اتخاذ إجراءات ضد 60 شركة وشخصًا وسفينة في جميع أنحاء العالم.
وبالتالي، تستهدف واشنطن خمسة قطاعات تشكل إيرادات النظام الإيراني: العملات المشفرة، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن. وتقول وزارة الخزانة إن هذه القطاعات تمثل مسارات رئيسية تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات والوصول إلى العملات الأجنبية ونقل الأموال والسلع. وبموجب الإجراءات الجديدة، أصبح بإمكان واشنطن توسيع نطاق العقوبات الثانوية ليشمل أطرافًا موجودة خارج إيران، إذا ثبت تورطها في هذه الأنشطة.
ويعني ذلك أن الحملة الجديدة لا تستهدف إيران مباشرة فقط، بل تستهدف أيضًا البيئة الاقتصادية الدولية التي تسمح لها بالبقاء على اتصال بالأسواق العالمية. فواشنطن تريد أن تجعل التعامل مع طهران مكلفًا إلى درجة تدفع الشركات والمصارف وشركات النقل والتأمين إلى الابتعاد عنها، حتى في الحالات التي لا تكون فيها هذه المؤسسات خاضعة للعقوبات الأمريكية بصورة مباشرة.
وفي قطاع العملات المشفرة، منحت وزارة الخزانة نفسها صلاحيات أوسع لمعاقبة أي شخص أو جهة، أينما كانت، تعمل في قطاع الأصول الرقمية الإيراني. وترى واشنطن أن العملات المشفرة أصبحت إحدى الأدوات التي تستخدمها طهران للالتفاف على القيود المصرفية وتحويل الأموال بعيدًا عن النظام المالي التقليدي. كما استهدفت العقوبات شبكة يُتهم أحد عناصرها بمعالجة أكثر من 100 مليون دولار من مدفوعات مرتبطة بمبيعات النفط لصالح قوة القدس التابعة للحرس الثوري.
أما التكنولوجيا، فقد ركزت الإجراءات الجديدة بصورة خاصة على شبكات شراء المعدات ذات الاستخدام المزدوج، أي المنتجات التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية في الوقت نفسه. وشملت العقوبات أكثر من عشرين جهة وفردًا في الشرق الأوسط وآسيا، تتهمهم واشنطن بالمساعدة في تمويل أو توفير الدعم اللوجستي لبرامج إيران النووية والصاروخية. ومن بين المستهدفين شركات صينية تقول وزارة الخزانة إنها زودت مؤسسة تكنولوجية إيرانية خاضعة للعقوبات بمواد ومعدات ذات استخدام مزدوج.
ويأتي الذهب في مرتبة أخرى من الأهمية. فالمعدن النفيس يمثل بالنسبة إلى الدول الخاضعة للعقوبات وسيلة للحصول على السيولة ونقل القيمة بعيدًا عن القنوات المصرفية التقليدية. ولذلك تسعى واشنطن إلى مراقبة شبكات تجارة الذهب والوسطاء الذين يمكن أن يساعدوا طهران على تحويل الإيرادات أو تسوية المدفوعات خارج النظام المالي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة.
وفي الطيران، تستهدف الإجراءات شبكات النقل والشركات التي يمكن أن توفر لإيران القدرة على نقل الأشخاص والمعدات أو الالتفاف على القيود المفروضة على قطاع الطيران الإيراني. أما الشحن، فيمثل الحلقة الأكثر ارتباطًا بالنفط؛ إذ أعلنت وزارة الخزانة عقوبات على وسطاء السفن ومقدمي خدمات تموين السفن والوسطاء الماليين المرتبطين بتصدير النفط الإيراني، كما أدرجت خمس ناقلات ضمن ما تسميه "أسطول الظل".
ومن بين الأهداف اللافتة في الحملة الجديدة شركة "ويلبريد كابيتال" السنغافورية وشبكة الشركات المرتبطة بها في الإمارات وسويسرا وفرنسا. وتقول السلطات الأمريكية إن هذه الشبكة مرتبطة بمحمد حسين شمخاني، نجل المسؤول الإيراني السابق علي شمخاني، وإنها لعبت دورًا في شبكة دولية لنقل النفط والمنتجات البتروكيماوية من إيران وروسيا. كما شملت العقوبات مصفاة فرنسية لإنتاج الوقود الحيوي مرتبطة بهذه الشبكة.
وهذه النقطة تكشف اتساع نطاق الحملة الأمريكية: فالعقوبات لم تعد تستهدف شركات إيرانية أو مؤسسات تابعة للحكومة الإيرانية فحسب، بل أصبحت تطارد الشبكات التي تعمل خارج إيران، وتستخدم شركات مسجلة في دول ثالثة، وحسابات مصرفية متعددة، وناقلات ترفع أعلام دول مختلفة، وسلاسل من الوسطاء لإخفاء المصدر الحقيقي للنفط والأموال.
كما تستهدف العقوبات الجديدة شبكات مرتبطة ببيع النفط الإيراني، بما في ذلك وسطاء ومؤسسات مالية وشركات خدمات بحرية في الإمارات وسنغافورة وهونغ كونغ. وقد أدرجت وزارة الخزانة خمس ناقلات باعتبارها جزءًا من "أسطول الظل"، بما يمنع المواطنين الأمريكيين والمؤسسات الخاضعة للولاية الأمريكية من إجراء معاملات مالية معها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع واشنطن بالفعل إغلاق جميع المنافذ التي تستخدمها إيران؟
هنا تبدأ حدود الحملة الأمريكية.. فإيران لا تواجه العقوبات للمرة الأولى. فقد بنت خلال سنوات طويلة منظومة كاملة للالتفاف عليها، تعتمد على شركات واجهة، ووسطاء، وناقلات متغيرة الأسماء والأعلام، ومسارات مالية غير مباشرة، ومقايضات، وعملات بديلة، إضافة إلى علاقاتها التجارية مع الصين وروسيا ودول أخرى لا تنظر إلى العقوبات الأمريكية بالطريقة نفسها التي تنظر إليها الدول الغربية.
والأهم أن العقوبات نفسها أصبحت بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني واقعًا مزمنًا. فقد تعلمت الشركات الإيرانية، وكذلك شركاؤها الأجانب، كيف تعمل في بيئة تفرض عليها باستمرار تغيير المسارات والأسماء والقنوات المالية. وكلما أغلقت واشنطن شبكة، ظهرت شبكة أخرى، وإن كان ذلك بتكلفة أعلى وبكفاءة أقل.
ولهذا فإن نجاح الحملة لا يتوقف على عدد الأسماء التي أدرجتها وزارة الخزانة في قوائم العقوبات، وإنما على قدرتها على الوصول إلى الحلقة الأهم: المشترين النهائيين للنفط، والبنوك التي تسدد ثمنه، وشركات التأمين والنقل، والدول التي توفر لهذه التجارة الغطاء السياسي أو الاقتصادي.
وهنا تظهر الصين باعتبارها الاختبار الأكبر.. فالصين هي المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، كما أنها تمثل أحد أهم المنافذ التي تستطيع طهران من خلالها الحفاظ على تدفق الإيرادات. ولذلك فإن العقوبات الأمريكية على شركات صينية صغيرة أو متوسطة قد تسبب اضطرابًا في بعض الشبكات، لكنها لن تكون كافية وحدها لخنق الاقتصاد الإيراني ما لم تستعد واشنطن للمواجهة مع المؤسسات الصينية الأكبر.
وحتى الآن، يبدو أن إدارة ترامب تتحرك بحذر في هذه النقطة. فقد استهدفت شركات صينية مرتبطة ببرامج الشراء الإيرانية، لكنها لم تفرض في هذه الجولة العقوبات الأكثر قسوة على البنوك الصينية الرئيسية التي تسهّل تجارة النفط الإيراني. ويرتبط ذلك جزئيًا بالحسابات الأمريكية تجاه بكين، خصوصًا في ظل الاستعداد للقاء جديد بين دونالد ترامب وشي جين بينج.
وهكذا، فإن واشنطن تريد خنق إيران اقتصاديًا، لكنها لا تريد في الوقت نفسه تفجير مواجهة مالية مباشرة مع الصين. وهذه هي المعضلة الأساسية في استراتيجية "العاصفة الاقتصادية" التي أعلنها سكوت بيسنت: كلما اقتربت العقوبات من الشرايين الحقيقية للاقتصاد الإيراني، اقتربت بالضرورة من مصالح دول كبرى لا تريد الولايات المتحدة الدخول معها في حرب اقتصادية شاملة.
ثم هناك عامل آخر: الزمن.  فالحملة الأمريكية تأتي بعد نحو ستة أشهر من الحرب، وفي وقت تعرض فيه الاقتصاد الإيراني لضغوط هائلة بالفعل. وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن صادرات النفط الإيرانية تراجعت من نحو 1.75 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى نحو 255 ألف برميل يوميًا في أغسطس، وهو تراجع بالغ الحدة في مصدر الإيرادات الرئيسي لطهران.
ومن هنا، قد لا تكون واشنطن بحاجة إلى تدمير الاقتصاد الإيراني بالكامل؛ يكفي أن تمنع النظام من الحصول على الموارد التي يحتاجها لمواصلة الحرب، وتمويل مؤسساته العسكرية، والحفاظ على شبكات نفوذه الخارجية. وهذا يفسر التركيز المتزايد على النفط، وعلى الحرس الثوري، وعلى شبكات الشحن والتمويل والتكنولوجيا.
لكن الضغط الاقتصادي له وجه آخر. فإذا نجحت العقوبات في خفض الإيرادات الإيرانية بصورة أكبر، فإنها لن تضرب مؤسسات الدولة فقط، وإنما ستصل إلى المجتمع الإيراني أيضًا: الأسعار، وسعر العملة، والوظائف، والواردات، والقدرة على تمويل الخدمات الأساسية. وفي بلد يعيش أصلًا تحت عقوبات طويلة، يمكن لجولة جديدة من الخنق الاقتصادي أن تزيد السخط الشعبي، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى النتيجة المعاكسة، أي دفع النظام إلى مزيد من التشدد وإلقاء مسؤولية الأزمة على الولايات المتحدة.
وهنا لا يوجد ضمان بأن الضغط الاقتصادي سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار النظام. فالتجربة الإيرانية خلال العقود الماضية أظهرت قدرة النظام على التكيف مع العقوبات، وتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد حرب، وتحميل المجتمع جزءًا كبيرًا من التكلفة. كما أن النخب المرتبطة بالحرس الثوري وشبكات الاقتصاد الموازي تمتلك في بعض الأحيان قدرة أكبر على الوصول إلى الموارد من المواطن العادي.
لذلك تبدو استراتيجية واشنطن الحالية أقرب إلى معركة استنزاف طويلة منها إلى ضربة اقتصادية واحدة حاسمة. فالعقوبات الجديدة تضيف طبقات أخرى فوق منظومة العقوبات القديمة، وتوسع دائرة المخاطر لتشمل الوسطاء الأجانب، وتبعث برسالة واضحة إلى الأسواق: من يواصل التعامل مع إيران قد يصبح هو نفسه هدفًا أمريكيًا.
وهذه الرسالة ربما تكون أهم من أسماء الستين كيانًا الذين شملتهم العقوبات.
فإذا بدأت الشركات العالمية في الانسحاب خوفًا من العقوبات الثانوية، حتى من دون أن تُفرض عليها العقوبات فعليًا، تكون واشنطن قد حققت جزءًا من هدفها. إذ لا تحتاج الولايات المتحدة إلى معاقبة كل شركة؛ يكفي أحيانًا أن تجعل احتمال العقوبة حاضرًا في قرارات مجالس إداراتها.
لكن هذا السلاح نفسه قد يدفع العالم إلى البحث بصورة أسرع عن نظام تجاري ومالي أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة. فكلما اتسعت العقوبات الثانوية، زادت الحوافز أمام الصين وروسيا وإيران ودول أخرى لبناء قنوات بديلة للتجارة والتسويات المالية، واستخدام العملات المحلية، وتطوير شبكات شحن وتأمين خارج السيطرة الغربية.
وهنا تكمن المفارقة: قد تنجح واشنطن في خنق إيران على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه قد تسرّع عملية تفكيك النظام المالي العالمي الذي منح الولايات المتحدة هذا النفوذ أصلًا.
ولهذا فإن المعركة الحالية ليست فقط معركة بين واشنطن وطهران. إنها اختبار لقدرة الولايات المتحدة على استخدام سلاح العقوبات في عالم أصبح أكثر تعددًا في مراكز القوة. فإذا استطاعت واشنطن إجبار الصين ودول الخليج وآسيا وأوروبا على قطع القنوات التي تسمح لإيران بالبقاء، فقد تصبح العقوبات أداة حاسمة في تحديد نتيجة الحرب. أما إذا تمكنت طهران من الاحتفاظ بشبكاتها التجارية والمالية عبر الصين وروسيا والوسطاء الدوليين، فقد تتحول "العاصفة الاقتصادية" التي أعلنها بيسنت إلى جولة جديدة من العقوبات ضمن حرب طويلة لا تملك واشنطن ضمانة لإنهائها.

شارك