فرانس برس: أعلن الأكراد في سوريا، حل قواتهم المسلحة بعد سنوات من محاربة داعش وجهاديين آخرين

الأربعاء 26/أغسطس/2026 - 01:34 م
طباعة فرانس برس:  أعلن
 
تشكلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في عام 2015 بمبادرة من الولايات المتحدة، وشكلت جيش الإدارة الكردية المستقلة في سوريا، وحاربت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
أعلن الزعيم الكردي السوري مظلوم عبدي مساء الثلاثاء 25 أغسطس، حل قواته القوية التي هزمت جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك وفقاً لاتفاق مع الرئيس أحمد الشرع.
أعلن  عبدي، في خطاب ألقاه أولاً باللغة العربية ثم باللغة الكردية، "اليوم نعلن نهاية مهمة قوات سوريا الديمقراطية، ونعلن، بكامل المسؤولية، حلّها كقوة عسكرية مستقلة". جاء ذلك في خطاب ألقاه في القصر الرئاسي بدمشق، عقب اجتماعه مع الرئيس الإسلامي، بحضور مسؤولين عسكريين وسياسيين أكراد.
كانت الحكومة السورية والأكراد يتفاوضون منذ أشهر بشأن تنفيذ اتفاق تم التوصل إليه في يناير، والذي نص على الإدماج الكامل للمؤسسات الكردية في جهاز الدولة.
فور استيلائه على السلطة في ديسمبر 2024، شرع الزعيم الإسلامي السوري الجديد، الذي أطاح ببشار الأسد، في إعادة توحيد البلاد التي مزقتها حرب أهلية طويلة، وتفكيك الجماعات المسلحة. مستغلين فوضى الحرب الأهلية (2011-2024)، سيطر الأكراد على أجزاء واسعة من شمال وشمال شرق سوريا، وأقاموا فيها إدارة ذاتية.
بحسب التلفزيون السوري الرسمي، يتضمن إعلان عبدي أيضاً حلّ الإدارة الذاتية وجميع هياكلها العسكرية والمدنية التابعة لها، ودمجها بالكامل في مؤسسات الدولة السورية. وأوضح السيد عبدي أن حلّ قواته جاء "بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الرئيس الشرع واستكمال عملية دمج قواتنا في كتائب الجيش السوري "
"تاريخي بكل معنى الكلمة"
رحّب توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، ترحيباً حاراً بهذا   القرار "التاريخي بكل المقاييس"، والذي "يشبه الاندماج الحقيقي الذي يهدف إلى تعزيز سيادة سوريا". ويأتي هذا القرار بعد يوم واحد من إعلان الولايات المتحدة رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة هامة نحو الانتعاش الاقتصادي.
شكّلت قوات سوريا الديمقراطية، التي تأسست عام 2015 بمبادرة من واشنطن، جيش الإدارة الذاتية الكردية في سوريا، وحاربت تنظيم داعش الجهادي، المدعوم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وبلغ عدد مقاتليها في ذروة قوتها نحو 100 ألف مقاتل، من الأكراد والعرب، وسيطرت على مناطق شاسعة من شمال وشمال شرق سوريا، وهي مناطق غنية بالنفط.
أكد الزعيم الكردي أن مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، منذ تأسيسها، اضطلعوا بمسؤولية جسيمة خلال إحدى أصعب الفترات التي مرت بها سوريا. وأضاف: "لقد حرروا العديد من المدن والبلدات السورية، أولاً من نظام البعث، ثم من إرهاب داعش"، في إشارة إلى نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
نهاية حقبة، بحسب الخبراء
إن حلّ هذه القوة، التي كانت لفترة طويلة الأفضل تدريباً والأكثر تنظيماً في سوريا، يمثل، وفقاً للخبراء، نهاية حقبة بالنسبة لأكراد البلاد.
لقد حلموا طويلاً بالاستقلال الذاتي قبل سقوط بشار الأسد، الأمر الذي دفع واشنطن إلى إعادة توجيه دعمها نحو السلطات الجديدة في دمشق، التي كانت موالية للولايات المتحدة.
لا سيما وأن تنظيم داعش قد مُني بهزيمة إقليمية في سوريا عام 2019، على الرغم من استمرار وجود فلول من التنظيم في البلاد. وأضاف السيد عبدي: "لقد تغيرت الظروف اليوم، ودخلت البلاد مرحلة جديدة تتسم بالسلام والمشاركة ".
إلا أنه أكد مجدداً أن "الحق في التعليم باللغة الكردية من أهم الحقوق التي يطالب بها الشعب الكردي منذ عقود"، مُذكّراً بأن أحمد الشرع قد أكد مراراً وتكراراً التزامه بالحفاظ على هذا الحق. ووفقاً للمحلل فابريس بالانش، المتخصص في الشأن السوري، يُقدّر عدد الأكراد في سوريا بنحو مليوني نسمة، من إجمالي عدد السكان البالغ 20 مليون نسمة.
في يناير، وقّع الرئيس السوري مرسوماً يكرس الحقوق الوطنية للأكراد ويعترف باللغة الكردية كلغة وطنية، وهو إجراء غير مسبوق منذ استقلال سوريا عام 1946.
لكن المفارقة الأساسية في هذا التحول لا تكمن فقط في حل «قسد»، ولا في إعادة توزيع القوة بين دمشق والأكراد، وإنما في المسار الذي أوصل إلى هذه اللحظة. فالقوة التي تُحل اليوم كانت، طوال سنوات، الحاجز العسكري الأكثر فاعلية في مواجهة تنظيم «داعش» في سوريا، وخاض مقاتلوها معارك طويلة ودامية ضد الجهاديين، بدعم مباشر من الولايات المتحدة والتحالف الدولي. أما اليوم، فإن الأكراد الذين حملوا السلاح في مواجهة التنظيمات الجهادية يجدون أنفسهم مضطرين إلى تسليم سلاحهم والاندماج في مؤسسات دولة يقودها رئيس إسلامي جاء هو نفسه من بيئة جهادية مسلحة.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الأبرز.. فـ«قسد» لم تكن مجرد تشكيل عسكري كردي نشأ في ظروف الحرب الأهلية، وإنما كانت الأداة الرئيسية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة في القضاء على مشروع «داعش» الإقليمي داخل سوريا. وعندما كان التنظيم يسيطر على الرقة ودير الزور ومساحات واسعة من البلاد، كانت قوات سوريا الديمقراطية تخوض واحدة من أهم الحروب البرية ضده، فيما كانت الطائرات الأمريكية وطائرات التحالف تؤمن الغطاء الجوي لها. وقد دفع الأكراد ثمنًا بشريًا وسياسيًا باهظًا مقابل هذا الدور.
أما اليوم، وبعد أن تغيرت المعادلة السورية بالكامل، فقد تغيرت أيضًا قيمة هذا الدور بالنسبة إلى واشنطن. فالهزيمة الإقليمية لـ«داعش» جعلت الحاجة الأمريكية إلى قوة كردية مستقلة أقل إلحاحًا، بينما أصبح الحفاظ على وحدة الدولة السورية وإعادة بناء مؤسساتها أولوية أمريكية جديدة. وبذلك وجد الأكراد أنفسهم أمام الحقيقة القاسية التي كثيرًا ما واجهتها القوى المحلية التي تعتمد على دعم قوة دولية: الحليف الذي كان يرى فيك شريكًا لا غنى عنه في لحظة معينة، قد يرى فيك عبئًا أو عقبة أمام ترتيب جديد عندما تتغير مصالحه.
لكن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو طبيعة السلطة التي يُطلب من الأكراد الاندماج فيها. فالرئيس أحمد الشرع لم يصل إلى السلطة بوصفه قائدًا تقليديًا في دولة مستقرة، بل خرج من سنوات طويلة من العمل المسلح في البيئة الجهادية السورية، وقاد تنظيم «جبهة النصرة»، قبل أن ينتهي مساره السياسي والعسكري إلى قيادة المرحلة الجديدة في دمشق. ومن ثم فإن صورة المشهد تبدو شديدة التناقض: أكراد قاتلوا الجهاديين لسنوات، وسقط منهم آلاف المقاتلين في تلك الحرب، يضعون الآن مستقبل قواتهم ومؤسساتهم تحت سلطة رئيس كان جزءًا من الحركة الجهادية السورية التي حاربوا امتداداتها وتياراتها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن السلطة الجديدة هي ذاتها التنظيمات الجهادية التي قاتلتها «قسد»، فالمعادلة السياسية والعسكرية تغيرت، كما أن الشرع حاول تقديم نفسه بوصفه رجل دولة يسعى إلى بناء مؤسسات سورية جديدة والانفتاح على المجتمع الدولي. لكن الذاكرة الكردية لا يمكن أن تتجاهل الماضي القريب، كما أن الثقة بين الطرفين لا يمكن أن تُبنى بمجرد توقيع اتفاق سياسي أو إصدار مرسوم يعترف بحقوق الأكراد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل حُلّت «قسد»؟ فقد أصبح هذا الأمر واقعًا سياسيًا وعسكريًا. السؤال هو: ماذا بقي للأكراد بعد حل القوة التي كانت تحمي مناطقهم ومؤسساتهم؟.
إن التخلي عن السلاح يعني بالنسبة إلى الأكراد التخلي عن أهم أدوات القوة التي امتلكوها منذ اندلاع الحرب السورية. فالإدارة الذاتية، بما لها من مؤسسات مدنية وعسكرية، لم تكن مجرد تجربة إدارية عابرة، وإنما كانت نتاجًا لعقد ونصف تقريبًا من الحرب والفراغ السياسي، واستند بقاؤها إلى قوة عسكرية قادرة على الدفاع عن الأرض، وإلى دعم أمريكي وفر لها مظلة ردع في مواجهة دمشق وأنقرة والتنظيمات الجهادية.
وبحل «قسد» ودمج مقاتليها في الجيش السوري، تنتقل هذه القوة من وضع صاحب القرار العسكري في مناطق نفوذه إلى وضع جزء من مؤسسة عسكرية مركزية تابعة لدمشق. وهذا تحول جوهري؛ لأن القضية لم تعد فقط قضية تغيير الزي العسكري أو سلسلة القيادة، وإنما انتقال مركز القرار السياسي والعسكري من شمال شرق سوريا إلى العاصمة.
ومن هنا تأتي أهمية الضمانات التي حصل عليها الأكراد بشأن حقوقهم الثقافية واللغوية. فالاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية، وضمان التعليم بها، يمثلان بالنسبة إلى الأكراد مكسبًا تاريخيًا، خصوصًا أن الدولة السورية لعقود لم تتعامل مع المسألة الكردية باعتبارها قضية حقوق قومية كاملة. لكن هذه الحقوق ستظل، في النهاية، مرتبطة بقدرة الدولة الجديدة على احترامها وتطبيقها، وبقدرة الأكراد على الاحتفاظ بهامش سياسي يسمح لهم بالدفاع عنها.
فالخطر بالنسبة إليهم لا يكمن فقط في فقدان السلاح، وإنما في فقدان القدرة على التفاوض من موقع القوة.
وقد أثبت تاريخ سوريا والمنطقة أن الحقوق التي لا تستند إلى مؤسسات سياسية قوية وآليات دستورية واضحة يمكن أن تصبح عرضة للتراجع مع تغير موازين القوى. ولذلك فإن دمج «قسد» داخل الجيش السوري قد يكون بالفعل مدخلًا إلى دولة سورية موحدة، لكنه قد يكون أيضًا نهاية لمرحلة امتلك فيها الأكراد للمرة الأولى منذ عقود قوة عسكرية ومؤسسات إدارية جعلتهم طرفًا لا يمكن تجاهله في أي تسوية سورية.
ومع ذلك، لا يملك الأكراد في الظروف الراهنة خيارات كثيرة. فالدعم الأمريكي لم يعد كما كان، و«داعش» لم يعد القوة التي تبرر استمرار جيش كردي مستقل، وتركيا ترفض بصورة قاطعة قيام كيان كردي مسلح على حدودها، فيما تسعى دمشق إلى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية. ومن ثم فإن الاحتفاظ بـ«قسد» كجيش مستقل كان يعني الدخول في مواجهة مفتوحة مع ثلاثة أطراف في وقت واحد: دمشق وأنقرة، وربما واشنطن التي انتقلت إلى دعم مشروع توحيد الدولة.
ولهذا يبدو اتفاق عبدي والشرع أقرب إلى تسوية اضطرارية منه إلى انتصار طرف كامل على الطرف الآخر.
لقد حقق الشرع هدفًا بالغ الأهمية باستعادة الجزء الأكبر من القرار العسكري للدولة، بينما حصل الأكراد، في المقابل، على اعتراف رسمي بحقوق قومية ولغوية وعلى ضمانات بالمشاركة داخل مؤسسات الدولة. لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد انتهاء مراسم الاحتفال بالاتفاق، عندما تنتقل بنوده من الخطابات السياسية إلى الواقع اليومي.
فالمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان دمج «قسد» يعني بالفعل دمجًا متكافئًا داخل الدولة السورية، أم مجرد تفكيك للقوة الكردية وإعادة إخضاع مناطقها لسلطة مركزية. كما ستحدد ما إذا كان الأكراد سيصبحون مكوّنًا أساسيًا في سوريا الجديدة، أم مجرد جماعة قدمت السلاح والدم في الحرب على «داعش»، ثم فقدت أوراق قوتها عندما انتهت الحاجة إليها.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تلخص المأساة الكردية في سوريا: لقد قاتل الأكراد التنظيم الجهادي عندما كان يهدد الدولة والمجتمع، وحملوا العبء الأكبر من الحرب البرية ضده، ثم جاء اليوم الذي انتهت فيه مهمتهم العسكرية، فإذا بهم يسلّمون سلاحهم لدولة يقودها رجل خرج من الحركة الجهادية نفسها، وإن كان قد انتقل اليوم إلى موقع الدولة والسياسة.
إنها ليست فقط نهاية «قسد» كقوة عسكرية، بل نهاية مرحلة كاملة من التاريخ السوري؛ مرحلة كان فيها الأكراد لاعبًا مسلحًا مستقلًا، وحليفًا رئيسيًا لواشنطن، وقوة أساسية في الحرب على «داعش». أما المرحلة الجديدة، فستضعهم أمام اختبار مختلف تمامًا: كيف يحافظون على هويتهم وحقوقهم ومكتسباتهم، وهم ينتقلون من موقع القوة المسلحة إلى موقع الشراكة داخل دولة مركزية يقودها رئيس كان، حتى وقت قريب، جزءًا من عالم الجهاد الذي حاربوه.

شارك