باحثة مسلمة تحصل علي الدكتوراه في قديس د فكرية مصطفى:«لم أدرس باسيليوس لأؤمن بفكره»
الثلاثاء 22/سبتمبر/2026 - 11:54 ص
طباعة
روبيرالفارس
«من الفلسفة إلى اللاهوت».. هكذا اختارت الباحثة فكرية مصطفى محمود سيد أن تدخل إلى عالم القديس باسيليوس الكبير، أحد أبرز آباء الكنيسة في القرن الرابع، في رحلة علمية انتهت بحصولها على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف من كلية الآداب بجامعة القاهرة، قسم الدراسات اليونانية واللاتينية.
لم يكن اختيار باسيليوس بالنسبة إلى فكرية مجرد اختيار لشخصية من تاريخ الفكر المسيحي، وإنما كان بحثًا في منطقة شديدة الثراء تقع بين الفلسفة واللاهوت، وبين العقل والإيمان. وتقول الباحثة: «جذبني إلى القديس باسيليوس أنه يقف في منطقة شديدة الثراء بين الفلسفة واللاهوت»، مشيرة إلى أنه لم يتعامل مع الفلسفة اليونانية باعتبارها خصمًا يجب إقصاؤه، ولم يقبلها في الوقت نفسه بصورة مطلقة، وإنما امتلك قدرة نقدية على الانتقاء وإعادة التوظيف.
وترى د.فكرية أن أهمية باسيليوس لا تتوقف عند كونه شخصية تاريخية، إذ استطاع أن يحول الفلسفة من تراث سابق إلى أداة فاعلة داخل مشروعه اللاهوتي، وأن يضع حدودًا واضحة بين ما يمكن للعقل أن يبلغه وما يتصل بمجال الإيمان.
وتزداد خصوصية التجربة البحثية لفكرية كونها باحثة مسلمة اختارت دراسة أحد كبار آباء الكنيسة، وهي تجربة دفعتها، بحسب تعبيرها، إلى الفصل بين فهم الفكرة والإيمان بها، مؤكدة أن «الاختلاف في الانتماء لا ينبغي أن يكون حاجزًا أمام المعرفة، بل يمكن أن يكون دافعًا إلى مزيد من الدقة والموضوعية».
في هذا الحوار، تتحدث فكرية مصطفى عن رحلتها مع القديس باسيليوس، وكيف انتقلت من دراسة الفلسفة اليونانية إلى البحث في اللاهوت، وعن علاقة العقل بالإيمان في فكر باسيليوس، ومدى استفادته من أفلاطون وأرسطو والرواقيين، وما يمكن أن يقدمه تراثه للإنسان المعاصر، كما تكشف عن أبرز ما أثار انتباهها خلال سنوات البحث، وعن رؤيتها لمستقبل الدراسات التي تجمع بين الفلسفة اليونانية والفكر المسيحي المبكر.
رسالتك تحمل عنوان «من الفلسفة إلى اللاهوت: دراسة في فكر القديس باسيليوس الكبير».. ما الذي جذبك تحديدًا إلى القديس باسيليوس، وما الذي وجدته في فكره ويستحق أن يكون موضوعًا لرسالة دكتوراه؟
جذبني إلى القديس باسيليوس أنه يقف في منطقة شديدة الثراء بين الفلسفة واللاهوت. فهو لم يتعامل مع الفلسفة اليونانية باعتبارها خصمًا يجب إقصاؤه، ولم يقبلها في الوقت نفسه بصورة مطلقة، وإنما امتلك قدرة نقدية على الانتقاء وإعادة التوظيف.
وجدت أمامي مفكرًا استطاع أن يستخدم أدوات الفلسفة ومفاهيمها في بناء خطابه اللاهوتي والدفاع عن الإيمان. ومن هنا جاءت فكرة الرسالة: كيف انتقلت الفلسفة عند باسيليوس من كونها تراثًا فلسفيًا سابقًا إلى أداة فاعلة داخل المشروع اللاهوتي؟
وهذا ما جعلني أرى أن باسيليوس ليس مجرد شخصية تاريخية، بل نموذجًا مهمًا لدراسة تفاعل الأفكار وانتقالها من سياق إلى آخر.
ومع اتساع القراءة، لم يعد باسيليوس بالنسبة إليّ مجرد اسم في تاريخ الفكر المسيحي، وإنما أصبح مشروعًا بحثيًا متكاملًا: كيف تعامل مع الفلسفة؟ وكيف استخدم مفاهيمها؟ وكيف رسم الحدود بين ما يمكن للعقل أن يبلغه وما يتصل بمجال الإيمان؟
وهنا تحول الاهتمام الأول إلى مشروع أكاديمي انتهى بهذه الرسالة.
أنتِ باحثة مسلمة تدرسين أحد كبار آباء الكنيسة في القرن الرابع، وهي مساحة بحثية قد تبدو للبعض بعيدة عن تخصص الباحث المسلم. كيف بدأت علاقتك بفكر باسيليوس، ومتى تحول الاهتمام به إلى مشروع أكاديمي؟
ربما كان هذا من أكثر الأسئلة التي واجهتني أثناء رحلة البحث. لكنني كنت أتعامل مع باسيليوس أولًا باعتباره موضوعًا فلسفيًا وفكريًا، وليس باعتباره موضوعًا قائمًا على الانتماء الديني للباحث.
دراستي للفلسفة اليونانية قادتني إلى مرحلة مهمة جدًا من تاريخ الفكر، وهي المرحلة التي حدث فيها تفاعل عميق بين التراث الفلسفي اليوناني والفكر المسيحي. ومن هنا بدأت أكتشف باسيليوس بوصفه واحدًا من أهم النماذج التي يمكن من خلالها دراسة هذا التفاعل.
ومع اتساع القراءة، لم يعد باسيليوس بالنسبة إليّ مجرد اسم في تاريخ الفكر المسيحي، وإنما أصبح مشروعًا بحثيًا متكاملًا: كيف تعامل مع الفلسفة؟ وكيف استخدم مفاهيمها؟ وكيف رسم الحدود بين ما يمكن للعقل أن يبلغه وما يتصل بمجال الإيمان؟
وهنا تحول الاهتمام الأول إلى مشروع أكاديمي انتهى بهذه الرسالة.
هل كان اختيارك لباسيليوس نابعًا من اهتمام بالفلسفة أولًا، ثم قادك البحث إلى اللاهوت، أم أن اللاهوت المسيحي نفسه كان هو المدخل إلى دراسة فلسفته؟
الفلسفة كانت هي المدخل الأول بالفعل. أنا باحثة في الفلسفة اليونانية والدراسات اليونانية، ولذلك بدأت من السؤال الفلسفي: ماذا حدث للفلسفة اليونانية عندما دخلت في حوار مع الفكر المسيحي
ومن خلال هذا السؤال وصلت إلى باسيليوس. لكن المفارقة أن دراسة باسيليوس جعلتني أكتشف أن الفصل الحاد بين الفلسفة واللاهوت لا يفسر تجربته الفكرية بصورة كافية.
فباسيليوس لم يتعامل مع الفلسفة باعتبارها خصمًا مطلقًا، ولم يقبلها أيضًا قبولًا كاملًا دون نقد؛ بل انتقى منها ما يمكن أن يخدم بناءه الفكري والدفاع عن الإيمان. ولذلك يمكن القول إن رحلتي بدأت من الفلسفة، لكنها قادتني إلى فهم أعمق للعلاقة بين الفلسفة واللاهوت.
باسيليوس الكبير عاش في عصر كانت فيه الفلسفة اليونانية واللاهوت المسيحي في حوار وصدام في الوقت نفسه؛ كيف تعاملتِ في رسالتك مع العلاقة بين العقل الفلسفي والإيمان اللاهوتي عنده؟
حاولت في الرسالة ألا أتعامل مع العلاقة بين العقل والإيمان باعتبارها علاقة صراع دائم، لأن هذا التوصيف لا يعكس بصورة دقيقة موقف باسيليوس.
كان باسيليوس واعيًا بقوة العقل وبأهمية المعرفة الفلسفية، لكنه كان يضع لكل منهما مجاله وحدوده. فالعقل يمكنه أن يساعد الإنسان على الفهم والاستدلال والنقاش، ويمكن للفلسفة أن تقدم أدوات ومفاهيم مهمة، لكن ذلك لا يعني أن العقل وحده يصبح مصدرًا لكل حقيقة لاهوتية.
وهنا تكمن أهمية باسيليوس بالنسبة إليّ: فهو لا يلغي العقل أمام الإيمان، وإنما يحاول أن يجعل العقل يعمل داخل مشروع أوسع تحكمه غاية لاهوتية.
ومن ثم رأيت أن العلاقة عنده أقرب إلى التوظيف والنقد وإعادة الصياغة منها إلى مجرد القبول أو الرفض.
إلى أي مدى استفاد باسيليوس من الفلسفة اليونانية، خصوصًا أفكار أفلاطون وأرسطو والرواقيين، وأين نجح في إعادة صياغة هذه الأفكار داخل الإطار المسيحي؟
استفاد باسيليوس من التراث الفلسفي اليوناني بدرجات مختلفة، لكن المهم في رأيي ليس مجرد إثبات أنه قرأ أفلاطون أو أرسطو أو تأثر بالرواقيين، وإنما فهم كيف استخدم ما أخذه منهم.
فهو يستفيد من المفاهيم والأدوات الفلسفية، لكنه لا ينقلها كما هي إلى الفكر المسيحي، بل يعيد توجيهها بما يتناسب مع رؤيته اللاهوتية. وهذا يظهر في اهتمامه بمفاهيم مثل طبيعة الموجود، والمعرفة، والفضيلة، والنفس، والعالم، وفي طريقة استخدامه للجدل والمنطق والمفاهيم الفلسفية في مواجهة الخصوم اللاهوتيين.
السؤال الأهم هو: ماذا فعل بهذا التراث؟ وهنا تظهر أهمية التعامل مع التراث: أن تعرف ما تأخذ، وما تترك، وكيف تعيد توظيف ما أخذته في سياق جديد.
هل اكتشفتِ خلال البحث أن دراسة اللاهوت المسيحي من خارج الإيمان المسيحي تمنح الباحث أحيانًا مسافة نقدية مختلفة، أم أن هذه المسافة قد تكون عائقًا أمام فهم التجربة اللاهوتية من الداخل؟
أعتقد أن الأمرين ممكنان، بحسب طريقة الباحث في التعامل مع موضوعه.
كوني باحثة مسلمة جعلني حريصة جدًا على الفصل بين فهم الفكرة وبين الإيمان بها. فأنا لا أحتاج إلى أن أتبنى العقيدة التي أدرسها حتى أفهم بنيتها الفكرية أو السياق الذي نشأت فيه.
وفي المقابل، كنت حريصة على ألا تتحول المسافة البحثية إلى حكم مسبق على الموضوع. الباحث الجيد، في رأيي، يحتاج أولًا إلى أن يفهم الفكر الذي يدرسه من داخله، وأن يفهم مصطلحاته وسياقه ومشكلاته، ثم بعد ذلك يمارس التحليل والنقد.
ولذلك كانت تجربتي مع القديس باسيليوس فرصة لأتعلم أن الاختلاف في الانتماء لا ينبغي أن يكون حاجزًا أمام المعرفة، بل يمكن أن يكون دافعًا إلى مزيد من الدقة والموضوعية. والأهم هو التجرد التام أثناء البحث وارتداء عباءة الحقبة الزمنية التي أدرسها.
باسيليوس ليس مجرد مفكر لاهوتي، بل له موقف واضح من الإنسان والمجتمع والفقر والعدالة والتعليم. ماذا يمكن أن تقدم دراسة فكره للإنسان المعاصر بعيدًا عن حدود الانتماء الديني؟
ربما هذه من أكثر النقاط التي تجعل دراسة باسيليوس ممتدة إلى ما وراء حدود التاريخ واللاهوت.
فباسيليوس لم يتعامل مع الفكر باعتباره نشاطًا ذهنيًا منفصلًا عن حياة الإنسان. كان هناك ارتباط واضح بين رؤيته الفكرية وبين قضايا الإنسان والمجتمع والفقر والمسؤولية الأخلاقية.
والفكرة التي أراها شديدة الأهمية اليوم هي أن المعرفة لا ينبغي أن تكون منفصلة عن المسؤولية. فالفكر الحقيقي لا يكتفي بأن يجيب عن سؤال: ماذا أعرف؟ وإنما يدفعنا أيضًا إلى سؤال: ماذا أفعل بما أعرفه
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة باسيليوس اليوم باعتباره مفكرًا يربط بين المعرفة والفضيلة والمسؤولية تجاه الإنسان الآخر، وهي قضايا لا تتوقف أهميتها عند حدود دين أو عصر معين.
ما أكثر فكرة أو موقف في فكر باسيليوس فاجأك أثناء إعداد الرسالة، أو جعلك تعيدين النظر في تصور سابق لديك عن الفكر المسيحي في القرون الأولى؟
وجدت أمامي مفكرًا يعرف التراث الفلسفي جيدًا، ويميز بين ما يمكن الاستفادة منه وما ينبغي رفضه، ويستخدم أدوات الجدل العقلي في الدفاع عن رؤيته اللاهوتية.
والأكثر إثارة بالنسبة إليّ كان أن الفلسفة عنده لم تكن مجرد تراث ماضٍ، وإنما كانت أداة حية يمكن إعادة توجيهها لخدمة قضية جديدة.
وهذا تحديدًا غيّر لديّ تصورًا سابقًا عن العلاقة بين الفكر المسيحي المبكر والفلسفة اليونانية، وجعلني أراها علاقة أكثر تعقيدًا وثراءً.
ناقشتِ الرسالة أمام الأستاذ الدكتور سامح فاروق والدكتور طارق منصور، المعروف باهتمامه بتاريخ العقيدة والفكر المسيحي. كيف كان النقاش العلمي مع لجنة المناقشة، وما أبرز الملاحظات أو الأسئلة التي أثارتها اللجنة حول بحثك؟
كانت المناقشة بالنسبة إليّ لحظة مهمة جدًا؛ لأنها لم تكن مجرد تقييم للرسالة، وإنما كانت حوارًا علميًا حقيقيًا حول الأفكار التي حاولت بناءها خلال سنوات البحث.
الأسئلة والملاحظات دفعتني إلى إعادة النظر في بعض النقاط من زوايا مختلفة، خصوصًا فيما يتعلق بحدود التأثر الفلسفي عند باسيليوس، وطبيعة العلاقة بين المفاهيم الفلسفية والمصطلحات اللاهوتية، وكيف يمكن للباحث أن يميز بين مجرد التشابه بين فكرتين وبين وجود تأثير فكري حقيقي.
وأعتقد أن أجمل ما في المناقشة أنها جعلتني أشعر أن الرسالة خرجت من كونها نصًا مكتوبًا إلى كونها مشروعًا فكريًا قابلًا للنقاش والحوار.
وحصولي في النهاية على الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى كان بالنسبة إليّ تتويجًا لهذه الرحلة العلمية، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية تدفعني إلى مواصلة البحث وعدم اعتبار هذه الدرجة نهاية الطريق.
حصلتِ على الدكتوراه بمرتبة الشرف في موضوع يتعلق بأحد أبرز آباء المسيحية. بعد هذه الرحلة البحثية، هل ترين أن دراسة التراث الفكري المسيحي يمكن أن تصبح مساحة للحوار الثقافي بين المسلمين والمسيحيين، وليس مجرد دراسة أكاديمية متخصصة؟ وما المشروع الذي تتمنين أن تكمليه بعد باسيليوس؟
بالتأكيد، وأعتقد أن المعرفة يمكن أن تكون واحدة من أهم مساحات الحوار الحقيقي بين المسلمين والمسيحيين.
عندما يقرأ الإنسان تراثًا لا ينتمي إليه، ويكتشف ثراءه وتعقيداته وتنوعه، يصبح الحوار أكثر نضجًا وأقل اعتمادًا على الصور المسبقة.
وبالنسبة إليّ، كانت دراسة باسيليوس تجربة عملية في هذا الاتجاه؛ فقد دخلت إلى موضوع ينتمي إلى التراث المسيحي، لكنني تعاملت معه بأدوات الباحث في الفلسفة، وخرجت من التجربة بإدراك أكبر لأهمية دراسة التراث الديني والفلسفي في سياقه التاريخي والفكري.
أما بعد باسيليوس، فأطمح إلى مواصلة البحث في منطقة التفاعل بين الفلسفة اليونانية والفكر المسيحي المبكر، وأن أكون ناقلة لآراء الآباء وأفكارهم إلى عصرنا الحالي؛ لأننا نحتاج إلى نماذج إنسانية متنوعة تكون لنا مرجعًا أخلاقيًا يلهم ويدفع المجتمع إلى الصلاح على مستوى الروح والجسد والعقل.
فالكارثة الأخلاقية الحالية تحتاج إلى استرجاع هذه النماذج اللامعة التي كانت تعلم الشباب وتساهم في المجتمع بشكل فعال وحقيقي.
لمحة عن باسيليوس
واذا انتهي الحوار مع الدكتورة النابهة فكرية مصطفي كان لابد أن نقدم لمحة سريعة عن سيرة القديس باسيليوس
هو أحد أبرز آباء الكنيسة في القرن الرابع، ومن أهم المدافعين عن الإيمان النيقاوي نسبة لمجمع نيقية في مواجهة الآريوسية، كما يُعد واحدًا من آباء كبادوكيا الثلاثة إلى جانب غريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيسي.
وُلد نحو عام 329/330م في قيصرية الكبادوك، في أسرة مسيحية عُرفت بتقواها وخرج منها عدد من القديسين. تلقى تعليمًا واسعًا في قيصرية والقسطنطينية ثم أثينا، حيث ارتبط بصداقة وثيقة مع غريغوريوس النزينزي. وبعد فترة من البحث والدراسة، اتجه إلى الحياة النسكية، وزار عددًا من مراكز الرهبنة في مصر وسوريا وبلاد الرافدين، ثم عاد إلى كبادوكيا وأسهم في تنظيم الحياة الرهبانية.
رُسم كاهنًا ثم أصبح أسقفًا لقيصرية سنة 370م وفي أثناء خدمته واجه الصراعات اللاهوتية والسياسية التي أعقبت مجمع نيقية، ودافع بقوة عن الإيمان بألوهية الابن والروح القدس، وكان له دور مهم في بلورة الصياغات اللاهوتية التي أكدت وحدة الجوهر الإلهي وتمييز الأقانيم.
كما اهتم باسيليوس بالفقراء والمرضى والمهمشين، وأنشأ مؤسسة خيرية ضخمة عُرفت باسم "الباسيلياد"، ضمت مرافق لإيواء الفقراء ورعاية المرضى والمسافرين.
توفي في 1 يناير سنة 379م، عن نحو خمسين عامًا، بعد حياة قصيرة نسبيًا لكنها تركت تأثيرًا بالغًا في اللاهوت المسيحي والرهبنة والحياة الكنسية.
أهم كتاباته
. في الروح القدس – De Spiritu Sancto
من أشهر أعماله اللاهوتية، كتبه للدفاع عن ألوهية الروح القدس ومكانته في الثالوث، ويُعد من أهم النصوص الآبائية في تطوير اللاهوت الثالوثي في القرن الرابع.
. ضد أونوميوس – Against Eunomius
ثلاثة كتب يرد فيها على أونوميوس، أحد أبرز ممثلي التيار الآريوسي المتطرف، ويدافع باسيليوس فيها عن الإيمان بألوهية الابن، وعن إمكانية معرفة الله من خلال إعلانه وأعماله، مع التأكيد على أن جوهر الله يفوق الإدراك البشري الكامل.
. عظات الهكساميرون – Hexaemeron
مجموعة من العظات حول رواية خلق العالم في سفر التكوين، وفيها يناقش باسيليوس الخلق والطبيعة والإنسان، ويجمع بين التفسير الكتابي والتأمل اللاهوتي والملاحظات المتعلقة بالعالم الطبيعي كما كان معروفًا في عصره.
العظات والمواعظ
ترك عددًا كبيرًا من العظات، من بينها عظاته حول الصوم، والغنى والفقر، والأخلاق والحياة المسيحية. ومن أشهرها عظة «إلى الأغنياء»، التي ينتقد فيها احتكار الثروة ويدعو إلى استخدامها لمساعدة المحتاجين.
. القواعد الرهبانية – The Longer and Shorter Rules
تُعد من أهم أعماله في تنظيم الحياة الرهبانية. لم ينظر باسيليوس إلى الرهبنة باعتبارها حياة فردية منعزلة فقط، بل أكد أهمية الحياة المشتركة، والصلاة، والعمل، والطاعة، وخدمة الآخرين.
الرسائل
يضم عدد كبير من رسائله، وتكشف عن اهتمامه باللاهوت والكنيسة والرهبنة والعلاقات الاجتماعية والقضايا السياسية والكنسية في عصره. وتُعد رسائله مصدرًا مهمًا لفهم شخصيته وفكره والظروف الدينية في القرن الرابع.
أهميته الفكرية
يمكن تلخيص أهمية باسيليوس الكبير في ثلاثة محاور رئيسية: الدفاع عن عقيدة الثالوث، وتطوير الحياة الرهبانية، وربط الإيمان بالمسؤولية الاجتماعية. ولهذا لم يكن مجرد لاهوتي جدلي، بل كان مفكرًا كنسيًا رأى أن العقيدة المسيحية ينبغي أن تنعكس في حياة الإنسان وعلاقته بالله وبالمجتمع.
ولذلك فإن دراسة باسيليوس مهمة جدًا عند تناول الانتقال «من الفلسفة إلى اللاهوت» إذ تكشف كتاباته عن كيفية استخدام أدوات التفكير الفلسفي واللغة الدقيقة في خدمة البحث اللاهوتي، دون اختزال اللاهوت في الفلسفة أو الفصل بين الإيمان والعقل.
