إيران بين ضغط الخارج وقلق الداخل.. تحذيرات أمنية وأزمة اقتصادية تكشف هشاشة المشهد

الثلاثاء 29/سبتمبر/2026 - 10:42 ص
طباعة إيران بين ضغط الخارج روبير الفارس
 

 
في الوقت الذي تواجه فيه إيران ضغوطًا عسكرية واقتصادية متزايدة على المستوى الخارجي، تكشف تصريحات مسؤولين وقيادات أمنية وأكاديميين مقربين من دوائر الحكم عن قلق متنامٍ من تطورات الوضع الداخلي، ولا سيما في ظل الضغوط المعيشية والاحتجاجات الاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وخلال سبتمبر الجاري تكررت التحذيرات داخل المنظومة السياسية والأمنية الإيرانية من احتمال تحول احتجاجات محدودة أو أزمات اجتماعية واقتصادية إلى موجة أوسع من الاضطرابات، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز التعبئة الأمنية والسياسية لمواجهة ما تصفه بـ«الحرب الهجينة» التي تستهدف البلاد من جبهات متعددة.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي من شخصيات مرتبطة بالمؤسسات السياسية والأمنية الإيرانية، بما يعكس حجم الاهتمام الذي توليه السلطات لاحتمالات تجدد الاحتجاجات في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية.

جرس إنذار من داخل المؤسسة الأمنية

كان إسماعيل أحمدي مقدم، القائد السابق لقوى الأمن الداخلي، من بين أبرز المسؤولين الذين تحدثوا عن مخاطر الوضع الداخلي. وبحسب تقارير نقلت مضمون حديثه في سبتمبر، دعا أجهزة الأمن والاستخبارات والباسيج والحرس الثوري والشرطة إلى البقاء في حالة يقظة، محذرًا من إمكانية استغلال أي «شرارة» محلية وتحويلها إلى احتجاجات أوسع.
كما شدد أحمدي مقدم على أهمية تجنب إظهار الخلافات والانقسامات داخل مؤسسات الحكم أمام الجمهور، في إشارة إلى حساسية صورة التماسك الداخلي بالنسبة إلى السلطة في مرحلة تشهد ضغوطًا متعددة.
وتزامنت هذه التصريحات مع تحركات رسمية لتوسيع التعبئة الشعبية والأمنية. وكانت السلطات الإيرانية قد أطلقت في سبتمبر حملة تعبئة حملت اسم «التضحية من أجل إيران»، تضمنت تدريب متطوعين وتجهيزهم ضمن منظومة الباسيج، في خطوة ربطتها وسائل إعلام دولية بالاستعداد لمواجهة التهديدات الخارجية والداخلية. 

الاقتصاد في قلب الأزمة

إلى جانب العامل الأمني، تبدو الأزمة الاقتصادية أحد أبرز مصادر القلق داخل إيران.
وفي 26 سبتمبر، أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي أن معدل التضخم على أساس سنوي «نقطة إلى نقطة» بلغ 83.8% في سبتمبر، مقابل 84.4% في أغسطس، بينما بلغ معدل التضخم الشهري نحو 3.9%. ورغم أن الرقم الجديد يمثل انخفاضًا طفيفًا مقارنة بالشهر السابق، فإن البنك المركزي نفسه أقر بأن معدل التضخم الشهري الذي يقترب من 4% لا يزال مرتفعًا للغاية. 
وتشير هذه الأرقام إلى حجم الضغوط التي تواجه الأسر الإيرانية، خصوصًا مع استمرار تراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع والخدمات. كما تزامنت الأزمة الاقتصادية مع اضطرابات في إمدادات الطاقة والوقود وتداعيات الحرب والعقوبات والقيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني.
وفي قراءة للوضع الاقتصادي والاجتماعي، نقلت تقارير عن باحثين إيرانيين مقربين من دوائر السلطة أن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال يناير بدأت بمطالب معيشية واقتصادية قبل أن تتحول إلى شعارات سياسية. ووفق هذه القراءة، فإن التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها نتيجة مؤامرات خارجية فقط قد يؤدي إلى تجاهل الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع المواطنين إلى الشارع.

 مخاطر الداخل أكثر إثارة للقلق

وفي السياق ذاته، نقل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن الأكاديمي الإيراني بيجان عبد الكريمي تحذيره من أن المشكلات الداخلية قد تكون أكثر إثارة للقلق من التهديدات الخارجية.
وبحسب التقرير، حدد عبد الكريمي عاملين رئيسيين للضغط الداخلي: الانقسام الثقافي واتساع الفجوة الطبقية. كما تحدث، في سياق مناقشته لاحتجاجات يناير، عن مشاركة شرائح فقيرة ومهمشة اقتصاديًا في الاحتجاجات، رافضًا اختزال المشاركين فيها في كونهم مجرد عناصر تابعة للمعارضة أو جهات أجنبية. 
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من كونها صادرة عن أكاديمي ارتبط اسمه بالنقاشات الفكرية والسياسية داخل إيران، وإن كان مصدر نقلها في هذه الحالة جهة معارضة للنظام، وهو ما يستدعي التعامل معها باعتبارها رواية منقولة تحتاج إلى المقارنة مع مصادر أخرى.

«حرب هجينة» تشمل المجتمع

وفي 26 سبتمبر، وصف قائد القوات البرية في الحرس الثوري الإيراني، العميد محمد كرمي، الوضع الذي تواجهه البلاد بأنه «حرب هجينة شاملة»، قائلًا إن هذه الحرب تشمل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية والعسكرية.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، اتهم كرمي خصوم إيران باستخدام وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي للتأثير في الرأي العام وشن ما وصفه بالحرب النفسية. 
ويعكس هذا التوصيف توسع مفهوم الأمن القومي في الخطاب الرسمي الإيراني ليشمل مجالات تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية، لتصل إلى الاقتصاد والإعلام والثقافة والرأي العام.
كما تأتي هذه التصريحات في ظل استمرار التعامل الأمني مع عدد من القضايا الاجتماعية، بينها الاحتجاجات الطلابية وقضية الحجاب الإلزامي، وهي ملفات ظلت خلال السنوات الأخيرة من أبرز مصادر التوتر بين قطاعات من المجتمع والسلطات.

احتجاجات اجتماعية تحت ضغط اقتصادي

وفي سبتمبر، شهدت عدة مدن إيرانية احتجاجات شارك فيها متقاعدون وعمال وشباب يبحثون عن فرص عمل، وفق تقارير صادرة عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. وشملت المدن المذكورة طهران والأهواز وشوش ورشت وكرمانشاه وأصفهان ومشهد وهمدان وياسوج
وتشير هذه التحركات، بصرف النظر عن حجمها ومدى انتشارها، إلى أن الأزمة الاقتصادية لا تزال قادرة على إنتاج احتجاجات ذات طابع اجتماعي، خصوصًا بين الفئات التي تعتمد على الرواتب والمعاشات وتواجه تراجعًا مستمرًا في القوة الشرائية.
وفي المقابل، تواصل السلطات الإيرانية تقديم الوضع الداخلي في إطار أوسع يتعلق بالأمن القومي والمواجهة مع القوى الخارجية، خصوصًا الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يجعل من الصعب الفصل بصورة كاملة بين العاملين الداخلي والخارجي في الخطاب السياسي والأمني الإيراني.

بين التهديد الخارجي والاختبار الداخلي

تكشف التطورات الأخيرة عن معادلة معقدة تواجهها طهران: حرب وضغوط خارجية من جهة، وأزمة اقتصادية واجتماعية وأمنية من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه القيادة العسكرية الإيرانية استعدادها لمواجهة أي هجوم جديد، فإن تصريحات مسؤولين آخرين تكشف في الوقت نفسه عن اهتمام متزايد باحتمالات تجدد الاحتجاجات الداخلية. وكان محمد كرمي قد أكد في تصريحات أخرى خلال سبتمبر أن القوات المسلحة الإيرانية لن تتراجع أمام خصومها، في خطاب يعكس استمرار التركيز الرسمي على التهديد الخارجي.
لكن ارتفاع التضخم، وتراجع القوة الشرائية، والاحتجاجات الاجتماعية، واتساع الحديث داخل المؤسسات الإيرانية نفسها عن الانقسامات الثقافية والطبقية، تجعل الوضع الداخلي عاملًا لا يقل أهمية في حسابات السلطة.
وبذلك، لا تبدو الأزمة الإيرانية الحالية محصورة في مواجهة مع الخارج، بل تتداخل فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية مع تحديات اجتماعية وسياسية داخلية. وبينما تستطيع الدولة تعبئة مؤسساتها الأمنية والعسكرية لمواجهة التهديدات الخارجية، يبقى التعامل مع الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للاحتجاجات اختبارًا مختلفًا لطهران، لأن جذوره تمتد إلى الحياة اليومية للمواطنين وليس إلى الحدود أو ساحات القتال وحدها.

شارك