منع العبادة بالفارسية خبراء أمميون يحذرون من تصاعد القيود على مسيحيي إيران
الإثنين 05/أكتوبر/2026 - 10:33 ص
طباعة
روبير الفارس
حذر خبيران مستقلان تابعان للأمم المتحدة من استمرار القيود والانتهاكات التي يتعرض لها المسيحيون في إيران، وذلك على خلفية مصادرة مجمع كنيسة القديس بطرس الإنجيلية في العاصمة طهران، وإخلاء 27 مسيحيًا من الأرمن والآشوريين كانوا يقيمون داخل المجمع، في واقعة وصفها الخبيران بأنها تأتي في سياق أوسع من الإجراءات التي تستهدف المجتمع المسيحي، ولا سيما المسيحيين الذين يمارسون عبادتهم باللغة الفارسية.
وأصدر التحذير كل من ماي ساتو، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، ونظيلة غانيه، المقررة الخاصة المعنية بحرية الدين أو المعتقد. ويُعد المقرران من خبراء «الإجراءات الخاصة» التابعة لمجلس حقوق الإنسان، وهما خبراء مستقلون لا يعملون بوصفهم موظفين في الأمم المتحدة.
مصادرة مجمع تاريخي
تعود كنيسة القديس بطرس الإنجيلية في طهران إلى عام 1876، وهي من أقدم الكنائس البروتستانتية في إيران. ويضم المجمع، الذي تبلغ مساحته نحو عشرة أفدنة، مبنى الكنيسة ومدرستين ومساكن لعائلات مسيحية ومكاتب لمؤسسات كنسية، من بينها جمعية الكتاب المقدس ومجلس الكنائس الإنجيلية في إيران، الذي يقول الخبراء إن الأرض مسجلة باسمه.
وتعود خلفية النزاع على العقار إلى قرار صادر عن محكمة الثورة الإيرانية عام 1998 يقضي بنقل المجمع إلى «مؤسسة تنفيذ أمر الإمام الخميني»، وهي مؤسسة تابعة لمكتب المرشد الأعلى. ووفق المعلومات التي أوردها الخبراء الأمميون، لم يعلم مجلس الكنائس الإنجيلية بوجود القرار إلا في عام 2008، واستخدم القرار لاحقًا في عرقلة إعادة تسجيل المجلس.
وفي يوليو 2026، اكتملت عملية الاستيلاء على المجمع، فيما غادر آخر المقيمين الموقع في 12 يوليو، بعدما مُنحت نحو 20 عائلة مهلة أسبوعين فقط لإخلاء مساكنها. وقال الخبراء إن معظم الأسر من ذوي الدخل المحدود ومن المقيمين في المكان منذ فترة طويلة، وإن قادة الكنيسة تعرضوا لتهديدات بالاعتقال في حال عدم تنفيذ الإخلاء.
ولم تكن القضية بالنسبة إلى السكان مجرد نزاع على عقار؛ فالمجمع كان في الوقت نفسه مسكنًا ومدرسة ومكانًا للعبادة ومركزًا لنشاط مؤسسات مسيحية. ولذلك قال الخبيران إن الإخلاء القسري يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويمكن أن يؤدي إلى ترك أفراد من أقليات دينية وعرقية معترف بها في إيران بلا مأوى.
استهداف العبادة باللغة الفارسية
الجانب الأكثر إثارة للقلق في بيان الخبراء لا يتعلق بمصادرة العقار وحدها، وإنما بالسياق الذي وضعوا فيه هذه الواقعة.
وقال الخبيران إن مصادرة مجمع القديس بطرس ليست حادثة معزولة، بل تمثل، بحسب توصيفهما، نتيجة «نمط طويل» من الإجراءات التي طالت المجتمع المسيحي الإيراني، مع تركيز خاص على العبادة المسيحية باللغة الفارسية. وأشارا إلى أن إيران كانت تضم في السابق نحو 50 كنيسة بروتستانتية، كان معظمها يقدم صلوات وخدمات دينية باللغة الفارسية، بينما لم تعد هناك عمليًا كنائس بروتستانتية تقدم هذه الخدمات بصورة منتظمة.
كما أشارا إلى إغلاق الكنيسة الآشورية المشيخية في تبريز عام 2019، وهدم كنيسة مشيخية في مشهد في يونيو 2026، وهي كنيسة كانت قد أُجبرت على إغلاق أبوابها قبل ذلك بعقود. كما ظلت آخر ثلاث كنائس أنجليكانية كان مسموحًا لها بإقامة خدمات باللغة الفارسية في طهران وأصفهان وشيراز مغلقة منذ جائحة كورونا.
وتكتسب مسألة اللغة أهمية خاصة؛ لأن الاعتراف الرسمي بالمسيحيين في إيران ينطبق بصورة أساسية على الأرمن والآشوريين بوصفهم أقليات دينية معترفًا بها، بينما يواجه المتحولون من الإسلام إلى المسيحية وضعًا أكثر تعقيدًا. وتشير تقارير حقوقية إلى أن ممارسة المسيحية باللغة الفارسية، وإنشاء الكنائس المنزلية، وتوزيع الكتاب المقدس والأنشطة التبشيرية، كانت من بين الأنشطة التي تعرضت للقيود والملاحقات.
79 مسيحيًا قيد الاحتجاز
وربط الخبيران قضية الكنيسة بأوضاع المسيحيين المحتجزين في إيران، وقالا إن 79 مسيحيًا على الأقل كانوا، وقت صدور البيان، قيد الاحتجاز أو السجن، وغالبيتهم الساحقة من المتحولين إلى المسيحية
ومن الحالات التي أشار إليها البيان محمد نيكبخت، وهو مسيحي متحول قيل إنه اعتُقل في منزله بمدينة غولبايغان في مارس 2026، وتعرض للضرب، ثم احتُجز بمعزل عن العالم الخارجي في سجن دستگرد بمحافظة أصفهان. وقال الخبراء إن عائلته لم تحصل على معلومات بشأن وضعه القانوني ولم تتمكن من الوصول إلى محامٍ. وهذه المعلومات تظل، وفق صياغة الخبراء، ادعاءات تلقوها ويطالبون السلطات الإيرانية بالتحقيق فيها وتوضيح ملابساتها.
وتأتي هذه الأرقام في سياق أوسع من القيود المفروضة على المسيحيين الذين لا تندرج ممارستهم الدينية ضمن الأطر المعترف بها رسميًا. وتظهر تقارير حقوقية أن السلطات الإيرانية تستخدم في بعض الحالات اتهامات ذات طابع أمني في التعامل مع أنشطة مسيحية، بما في ذلك المشاركة في تجمعات دينية أو التواصل مع شبكات مسيحية ناطقة بالفارسية.
المنظمات الكنسية
لم يقتصر القلق على خبراء الأمم المتحدة. فقد أعرب مجلس الكنائس العالمي في يوليو عن «قلق بالغ» إزاء مصادرة كنيسة القديس بطرس وأمانة مجلس الكنائس الإنجيلية في إيران، وإجلاء السكان ووقف العبادة في الكنيسة.
وطالب الأمين العام للمجلس، جيري بيلاي، السلطات الإيرانية بإلغاء المصادرة وإعادة المجمع إلى مجلس الكنائس الإنجيلية في إيران، والسماح للسكان والمصلين بالعودة، وضمان حماية المجتمعات المسيحية وأماكن العبادة.
ما دلالة مصادرة القديس بطرس؟
تكمن أهمية الواقعة في أن كنيسة القديس بطرس ليست مجرد مبنى ديني تاريخي. فالمجمع كان مركزًا متكاملًا للحياة المسيحية البروتستانتية في طهران، يضم مكانًا للعبادة ومدارس ومساكن ومؤسسات كنسية. ولذلك فإن إخلاء السكان ومصادرة الأرض يضرب في الوقت نفسه البعد الديني والاجتماعي والمؤسسي للجماعة.
والأهم أن الواقعة تأتي في وقت يقول فيه خبراء الأمم المتحدة إن مساحة العبادة المسيحية العلنية باللغة الفارسية تقلصت بصورة حادة. ومن ثم فإن القضية، في نظرهم، لا تتعلق بحقوق ملكية فقط، وإنما بحرية الدين والمعتقد وحق الجماعة في ممارسة عبادتها جماعيًا وباللغة التي تختارها.
