السقيلبية ليست وحدها.. خريطة بؤر التوتر التي تقلق المسيحيين في سوريا
الثلاثاء 06/أكتوبر/2026 - 11:51 ص
طباعة
روبير الفارس
أعاد التوتر الأمني المتجدد في مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية بريف حماة الغربي فتح ملف أكثر اتساعًا يتعلق بمستوى الأمان الذي تشعر به الأقليات المسيحية في سوريا، في ظل حوادث متفرقة شهدتها خلال الأشهر الماضية مناطق ذات حضور مسيحي، من ريف حماة وحمص إلى دمشق.
وجاء تحذير النائب في مجلس الشعب السوري كبرئيل موشي من أعمال العنف وإطلاق النار والترويع التي شهدتها السقيلبية، مطالبًا بتحقيق شفاف ومحاسبة المتورطين، ليتجاوز حدود الحادثة نفسها، بعدما حذر من بؤر توتر مقلقة في مناطق مجاورة، بينها القصير وربلة، وشدد على مسؤولية الدولة في حماية جميع السوريين، وحصر السلاح بيد الدولة، ومواجهة خطاب الكراهية والفتنة.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل تكرار وقائع تتعلق بمناطق مسيحية أو بسكان مسيحيين، بعضها يأخذ طابعًا أمنيًا مباشرًا، وبعضها الآخر يرتبط بتهديدات أو اعتداءات على الممتلكات والرموز الدينية، بينما تأتي حوادث أخرى في سياق أوسع من الانفلات الأمني والصراع الأهلي.
السقيلبية.. التوتر الذي يتكرر
تأتي السقيلبية في مقدمة المناطق التي أثارت القلق المسيحي خلال عام 2026. ففي 3 و4 أكتوبر شهدت المدينة توترًا وإطلاق نار واعتداءات طالت محال تجارية وممتلكات خاصة، بعد مشاجرة بدأت بين شبان من المدينة وشبان من منطقة مجاورة، قبل أن تتطور إلى حالة من الاستنفار وإطلاق النار.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن شبانًا من بلدة مجاورة دخلوا إلى السقيلبية، ذات الغالبية المسيحية، قبل أن تتطور مشادة إلى اشتباك، بينما تحدثت تقارير عن محاولة مسلحين دخول المدينة وإطلاق النار باتجاه منازل ومحال. وعاد الهدوء الحذر لاحقًا مع انتشار أمني واعتقال عدد من الشبان.
لكن أهمية السقيلبية لا تعود إلى حادثة أكتوبر وحدها. ففي مارس الماضي شهدت المدينة توترًا آخر أعقب مشاجرة بين شبان، قبل أن تتدخل قوات الأمن. وتطورت الأحداث آنذاك إلى اعتداءات وأضرار في ممتلكات، فيما خرج سكان المدينة في احتجاجات طالبوا خلالها بنزع السلاح ومحاسبة المسؤولين وتعويض المتضررين.
وفي أعقاب أحداث مارس، عقدت قيادات ووجهاء من السقيلبية وقلعة المضيق جلسات للمصالحة، وأُعلن في أبريل عن اتفاق يهدف إلى منع تكرار الحوادث وتسوية الأضرار.
وهنا تبرز قلعة المضيق نفسها كجزء من معادلة التوتر المحلي، ليس باعتبارها مدينة مسيحية أو باعتبار سكانها مسؤولين جماعيًا عن الأحداث، وإنما لأنها المنطقة التي ارتبط بها عدد من أطراف الحوادث الأخيرة بحسب التقارير المحلية.
الهجوم على كاتدرائية حماة
ولا تقتصر المخاوف في محافظة حماة على السقيلبية.
ففي سبتمبر تعرضت كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في مدينة حماة لانفجار تسبب في أضرار مادية من دون تسجيل إصابات، بحسب أبرشية حماة ومصادر مسيحية نقلت تفاصيل الحادث. وأفادت تقارير بأن شخصين ملثمين كانا يستقلان دراجة نارية ألقيا عبوة قرب الكاتدرائية، فيما لم تعلن هوية المنفذين أو الجهة التي تقف وراء الحادث.
ويكتسب الحادث حساسية إضافية لأنه وقع عشية عيد رفع الصليب، في وقت كانت فيه الكنيسة والمجتمع المسيحي يحتفلان بالمناسبة الدينية.
أما مدينة محردة، إحدى أبرز البلدات المسيحية في ريف حماة، فقد شهدت خلال السنوات الماضية حوادث أمنية وضغوطًا مختلفة. وفي فبراير 2026 أثار مقتل الشاب المسيحي إيلي سمعان تكلا، البالغ 21 عامًا، برصاص مسلحين مجهولين خلال عملية سطو، حالة من القلق في المدينة، ودفع ذلك إلى تشديد الانتشار الأمني وإغلاق مداخلها وملاحقة المشتبه بهم.
ومن ثم فإن حماة وريفها الغربي يبدوان من المناطق التي تستحق مراقبة أمنية خاصة، ليس لأن كل حادثة فيها ذات دوافع طائفية، وإنما لأن وجود بلدات مسيحية كبيرة، إلى جانب انتشار السلاح والتوترات المحلية، يجعل أي حادث أمني قابلًا للتحول إلى أزمة ذات أبعاد طائفية.
القصير وربلة.. القلق عند الحدود
في جنوب حمص، تظهر منطقة القصير وربلة بصورة أكثر وضوحًا في خريطة المخاوف التي أشار إليها كبرئيل موشي.
ففي يونيو 2026 أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بتلقي عدد من المسيحيين في قرية ربلة، التابعة لمنطقة القصير، تهديدات على خلفية اتهامهم بالعمل مع النظام السابق أو الارتباط بمؤسساته العسكرية والأمنية. وحذر المرصد من أن استهداف الأشخاص على خلفيات سياسية أو دينية يمكن أن يزيد الاحتقان ويهدد السلم الأهلي في المنطقة.
لكن ربلة ليست نقطة القلق الوحيدة في المنطقة. فقد شهدت منطقة القصير نفسها خلال سبتمبر 2025 اعتداءات استهدفت منازل مسيحيين، بحسب تقرير حكومي بريطاني استند إلى مصادر متعددة، مع اتهامات للضحايا بأنهم من بقايا النظام السابق. وأشارت المصادر نفسها إلى أن هذه الأحداث أثارت مخاوف بشأن قدرة السلطات على توفير حماية فعالة للمسيحيين في المنطقة.
وفي 30 سبتمبر 2026، أي قبل أيام قليلة من تجدد التوتر في السقيلبية، أصدر سكان من القصير بيانًا طالبوا فيه السلطات بحماية المسيحيين وممتلكاتهم والتحقيق في التهديدات التي قالوا إنها طالتهم.
وبحسب تقرير لـ"SyriacPress"، بدأت التوترات الأخيرة عقب شكوى تقدم بها شاب مسيحي بشأن نشر صور له واتهامه بالعمل مع "الشبيحة"، ثم تزايدت الضغوط والتهديدات، وسط دعوات لإغلاق المحال التجارية المملوكة لمسيحيين إلى حين الإفراج عن شخص جرى توقيفه على خلفية القضية. وأكد السكان في بيانهم ضرورة معالجة الأمر عبر المؤسسات القانونية والأمنية وعدم تحويله إلى صراع طائفي.
وادي النصارى.. منطقة مسيحية تطلب تثبيت الأمن
إلى الغرب من حمص، يمثل وادي النصارى أحد أهم التجمعات المسيحية في سوريا، وتبرز فيه بلدات مثل مرمريتا والحصن ومناطق أخرى ذات حضور مسيحي كثيف.
وفي يونيو 2026 زار وفد أمني برئاسة قائد الأمن الداخلي في محافظة حمص المطرانية الأرثوذكسية في مرمريتا، حيث بحث مع رجال الدين والفعاليات الاجتماعية الأوضاع الأمنية والاجتماعية في وادي النصارى.
وأشارت وكالة سانا إلى أن اللقاء تناول "محاولات استهدفت زعزعة النسيج الاجتماعي والوطني"، فيما دعا المجتمعون إلى تشكيل لجنة للنظر في المظالم والقضايا التي قد تؤثر على العيش المشترك في منطقتي الوادي والحصن.
وتكشف هذه الخطوة الرسمية أن وادي النصارى لا يُنظر إليه فقط كمنطقة مسيحية مستقرة، وإنما باعتباره منطقة تحتاج إلى ترتيبات أمنية واجتماعية تحمي السلم الأهلي وتمنع انتقال توترات المناطق المحيطة إليها.
دمشق.. الخطر خلف أسوار العاصمة
وإذا كانت المناطق الريفية تشهد احتكاكات مرتبطة بالسلاح والحدود والنزاعات المحلية، فإن دمشق شهدت بدورها حوادث استهدفت الوجود المسيحي ورموزه الدينية.
ففي فبراير 2026 تعرض مزار سيدة صوفانية في حي باب توما للتخريب والسرقة، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وفي أبريل أعلنت السلطات الأمنية إحباط مخطط لتفجير عبوة قرب كنيسة مريمّية في منطقة باب توما، وتوقيف خلية قالت السلطات إنها كانت تخطط للعملية.
وتظل دويلا، في دمشق، واحدة من أكثر النقاط حساسية في الذاكرة الأمنية للمسيحيين السوريين، بعد الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في يونيو 2025، وأسفر عن مقتل 25 شخصًا وإصابة العشرات، في أكبر هجوم دموي يستهدف المسيحيين في سوريا منذ عقود، بحسب تقارير حقوقية ومراجع دولية.
وبذلك فإن خريطة القلق المسيحي في دمشق تشمل خصوصًا الأحياء ذات الكثافة المسيحية والرمزية الدينية، مثل باب توما ودويلا وباب شرقي، مع اختلاف طبيعة المخاطر بين حادث جنائي، وتهديد إرهابي، واعتداء على رمز ديني.
ليست كل حوادث العنف طائفية
وفي قراءة هذه الخريطة، تبرز ضرورة الفصل بين ثلاثة أنواع من الأحداث.
الأول هو الاعتداءات التي تستهدف مسيحيين أو ممتلكاتهم أو دور عبادتهم بسبب هويتهم الدينية، وهي الأخطر من ناحية تهديد الوجود المسيحي.
الثاني هو النزاعات المحلية التي تبدأ لأسباب شخصية أو جنائية ثم تأخذ منحى طائفيًا بفعل التوتر المجتمعي وانتشار السلاح، وهو ما ظهر بصورة واضحة في السقيلبية.
أما الثالث فهو العنف العام الذي يصيب السكان بغض النظر عن انتمائهم، لكنه يصبح أكثر خطورة في المناطق المختلطة أو المناطق التي تشعر فيها الأقليات بضعف الحماية الأمنية.
وتشير بيانات الوكالة الأوروبية للجوء إلى استمرار حوادث ذات خلفيات طائفية تستهدف مجتمعات علوية ومسيحية في مناطق ذات غالبية من هذه المكونات، كما سجلت الوكالة في السقيلبية خلال مارس 2026 هجومًا على ممتلكات مسيحيين، مشيرة إلى تساؤلات أثيرت حول فاعلية تدخل قوات الأمن في منع مثل هذه الانتهاكات.
وفي المقابل، لا تدعم البيانات المتاحة القول إن المسيحيين في سوريا يواجهون خطرًا عامًا ومتماثلًا في كل أنحاء البلاد. فمذكرة الحكومة البريطانية المحدثة في يوليو 2026 تخلص إلى أن المسيحيين، بصورة عامة، لا يواجهون خطرًا عامًا موحدًا من الاضطهاد أو الأذى الجسيم، مع الإقرار بوجود حوادث اعتداء وتهديد وتمييز في مناطق مختلفة.
لكن المشكلة تكمن في أن الخطر قد يكون محليًا ومركّزًا، وأن تكرار الحوادث في مناطق بعينها يمكن أن يولد شعورًا بعدم الأمان يتجاوز حجم كل حادثة منفردة.
خريطة القلق المسيحي
يمكن، استنادًا إلى الوقائع الموثقة خلال 2025 و2026، وضع عدد من المناطق على خريطة المراقبة الأمنية والاجتماعية:
السقيلبية وريفها الغربي: بسبب تكرار التوترات والاشتباكات والاعتداءات على الممتلكات، وارتباط بعض الأحداث بمناطق مجاورة.
قلعة المضيق ومحيطها: باعتبارها جزءًا من المجال الجغرافي الذي ارتبط بحوادث التوتر مع السقيلبية، مع ضرورة تجنب تحميل سكانها مسؤولية جماعية.
مدينة حماة: بسبب الاعتداء الذي طال كاتدرائية القديس جاورجيوس في سبتمبر، وما يحيط بالمدينة من حوادث أمنية متفرقة.
محردة: بسبب حضورها المسيحي الكبير والحوادث الجنائية والأمنية التي أثارت مخاوف السكان.
القصير وربلة: بسبب تهديدات طالت مسيحيين في 2026، ووقائع اعتداءات سابقة على مسيحيين وممتلكاتهم في المنطقة.
وادي النصارى وبلدات مرمريتا والحصن: بسبب الحاجة التي أظهرتها اللقاءات الأمنية والكنسية إلى تعزيز الحماية ومعالجة المظالم وترسيخ الاستقرار.
دمشق، خصوصًا باب توما وباب شرقي ودويلا: بسبب استهداف رموز ومواقع مسيحية، فضلًا عن الهجوم الإرهابي الدموي على كنيسة مار إلياس في 2025.
المعادلة الأوسع
اللافت في خريطة هذه المناطق أن القلق المسيحي لا يرتبط بعامل واحد. ففي السقيلبية يرتبط بالسلاح والتوترات المحلية؛ وفي القصير وربلة يتداخل مع الحدود والتوتر السياسي والإرث الثقيل للحرب؛ وفي وادي النصارى يتعلق بتثبيت الأمن ومنع انتقال الاضطرابات؛ أما في دمشق فيظهر خطر الإرهاب واستهداف الرموز الدينية.
ولهذا فإن مطلب كبرئيل موشي بحصر السلاح بيد الدولة لا يأتي بمعزل عن طبيعة هذه الخريطة. فالمشكلة التي تواجه الأقليات لا تبدأ بالضرورة عندما يقع الاعتداء، وإنما تبدأ عندما يصبح المواطن غير قادر على معرفة الجهة التي تستطيع حمايته، أو عندما تتحول الخصومة الفردية إلى نزاع جماعي، أو عندما يصبح الانتماء الديني أو السياسي سببًا للانتقام.
وتكشف التطورات الأخيرة أن حماية المسيحيين لا يمكن فصلها عن حماية بقية السوريين، وأن معالجة الخوف المسيحي لا تكون بإجراءات أمنية مؤقتة وحدها، وإنما بتحقيقات معلنة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، ومنع التحريض وخطاب الكراهية، وضبط السلاح، وضمان قدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون في جميع المناطق.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: أين يخاف المسيحيون في سوريا؟ وإنما: هل تستطيع الدولة تحويل هذه البؤر المتفرقة من مناطق قابلة للاشتعال إلى مناطق يحكمها القانون، بحيث لا تتحول حادثة فردية في السقيلبية أو ربلة أو أي مدينة أخرى إلى شرارة لصراع طائفي أوسع؟
فالقلق الذي تعكسه هذه الأحداث لا يتعلق بمدينة واحدة، بل باختبار أوسع لمستقبل العيش المشترك في سوريا الجديدة.
