تحذير كنسي جديد: الوجود المسيحي في الأرض المقدسة يواجه ضغوطًا لا تطاق

الثلاثاء 06/أكتوبر/2026 - 11:54 ص
طباعة تحذير كنسي جديد: روبير الفارس
 
 
 

حذّر الأب برنارد بوجي، رئيس المعهد الإكليريكي التابع للبطريركية اللاتينية في بيت جالا قرب بيت لحم، من أن الوجود المسيحي في الأرض المقدسة يمر بمرحلة شديدة الصعوبة، في ظل تراكم الضغوط الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وقيود الحركة، بما يجعل بقاء كثير من العائلات المسيحية أكثر صعوبة.
وجاء تحذير بوجي خلال مشاركته في يوم للصلاة من أجل مسيحيي الشرق الأوسط نظمته منظمة «عون الكنيسة المتألمة» في مدينة أوغسبورغ الألمانية   
وتكمن أهمية شهادة الأب بوجي في أنه لا يتحدث عن الهجرة المسيحية باعتبارها نتيجة أمر مباشر أو قرار واحد، وإنما باعتبارها حصيلة ضغوط يومية متراكمة.
وقال إن «أحدًا ليس بحاجة إلى أن يأمر المسيحيين صراحة بمغادرة البلاد»، موضحًا أن تراكم الحواجز وإغلاق الطرق، وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، ونقص فرص العمل وتصاريح العمل، إلى جانب الترهيب وغياب الآفاق المستقبلية، يجعل البقاء أكثر صعوبة.
ويختصر بوجي جوهر الأزمة بالقول إن الأسرة عندما تصل إلى قناعة بأن مغادرة البلاد هي الوسيلة الوحيدة لضمان مستقبل آمن لأطفالها، فإن الهجرة «لا تعود قرارًا حرًا حقًا».
وهنا ينتقل مفهوم الهجرة من كونه اختيارًا اقتصاديًا أو شخصيًا إلى ما يمكن وصفه بـ«الهجرة تحت الضغط»، حيث لا تكون الأسرة قد اختارت الرحيل لأنها تريد ترك أرضها، وإنما لأنها لم تعد ترى فيها شروطًا كافية لبناء مستقبل أبنائها.

الطيبة.. اختبار صعب لبقاء المسيحيين

وأشار الأب بوجي إلى الوضع في بلدة الطيبة، الواقعة شمال شرق رام الله، والتي تُعد آخر بلدة فلسطينية ذات غالبية مسيحية بالكامل في الضفة الغربية.
وتواجه الطيبة خلال العام الحالي اعتداءات متكررة على الأراضي والممتلكات والأعمال الزراعية، فضلًا عن توترات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني. وفي مارس 2026، أفادت تقارير كنسية بأن مستوطنين دخلوا إلى منشآت اقتصادية في البلدة، بينها مصنع للإسمنت ومقلع للحجارة، في تطور اعتبره كاهن الرعية الأب بشار فوادلة جزءًا من تصعيد يستهدف البنية الاقتصادية للبلدة. 
وفي يونيو، وثّقت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين حادثة إطلاق مستوطنين ماشيتهم في أراضٍ زراعية خاصة شرق الطيبة، إلى جانب حوادث أخرى شملت الاعتداء على ممتلكات وعمال. 
كما تحدث الأب فوادلة في يوليو عن عمليات إحراق للأراضي وتخريب للمزارع وقيود على الطرق وحركة السكان، محذرًا من أن استمرار هذه الظروف يمكن أن يدفع عائلات إلى التخلي عن أراضيها.
وفي أغسطس، أغلقت السلطات العسكرية الإسرائيلية دخول الإسرائيليين غير المقيمين إلى الطيبة، في إجراء قالت إنه جاء على خلفية تصاعد اعتداءات المستوطنين في المنطقة. 

بيت لحم.. عندما تتوقف السياحة 

ولا تنفصل المخاوف الأمنية عن الأزمة الاقتصادية، خصوصًا في بيت لحم، حيث ترتبط قطاعات واسعة من الاقتصاد المحلي بالحج المسيحي والسياحة الدينية.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة السياحة والآثار، انخفض عدد نزلاء الفنادق في الضفة الغربية خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 28.5% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بينما تراجع عدد زوار المواقع السياحية القادمين للزيارة اليومية بنسبة 19%. وفي محافظة بيت لحم تحديدًا، انخفض عدد نزلاء الفنادق من 24,034 في النصف الأول من 2025 إلى 12,170 في الفترة نفسها من 2026، أي بنحو النصف. 
وكانت الأزمة أكثر حدة في السنوات السابقة؛ إذ أشارت تقارير إلى أن البطالة في بيت لحم وصلت إلى 31%، وأن المدينة كانت تخسر ملايين الدولارات يوميًا من إيرادات السياحة، فيما تضررت الفنادق والمطاعم ومحال الهدايا والحرف التقليدية والإرشاد السياحي. 
وهذا الجانب مهم بصورة خاصة بالنسبة إلى المسيحيين، لأن قطاعات الحج والسياحة والحرف المرتبطة بالمواقع الدينية تمثل مصدر دخل أساسي لعدد كبير من العائلات المسيحية في بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور.
فحين يغيب الحاج عن كنيسة المهد، لا تتأثر الكنيسة وحدها، وإنما تتأثر سلسلة اقتصادية كاملة تمتد إلى الفندق والمطعم وسائق الحافلة والمرشد السياحي وصانع التحف الخشبية ومحال بيع المنتجات الدينية.

 أزمة حركة وليست أزمة أمن فقط

ويضيف الأب بوجي إلى الصورة عاملًا آخر هو القيود المفروضة على الحركة.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» إلى أنه حتى ديسمبر 2025، كان هناك 925 عائقًا للحركة بصورة دائمة أو متقطعة في الضفة الغربية، بينها حواجز وبوابات طرق وإغلاقات وحواجز ترابية، وهي عوائق تؤثر في حركة ملايين الفلسطينيين.
وبالنسبة إلى المسيحيين، تكتسب هذه القيود بعدًا خاصًا؛ فالمجتمع المسيحي في الضفة الغربية صغير أصلًا وموزع بين بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور والطيبة والقدس وغيرها من البلدات والمناطق. وبالتالي فإن تقييد الحركة لا يعني فقط صعوبة الوصول إلى العمل، وإنما قد يعني أيضًا صعوبة الوصول إلى الكنيسة والمدرسة والأرض والأقارب وحتى الأماكن المقدسة.

 الكنيسة أمام معادلة «البقاء أو الرحيل»
وتشير البطريركية اللاتينية في القدس نفسها إلى أن الوجود المسيحي في موطن المسيحية يواجه مرحلة حرجة، موضحة أن القيود على الحركة، وإلغاء تصاريح العمل، وشلل قطاع السياحة، أثرت بصورة مباشرة في قدرة العائلات المسيحية على العمل وتأمين احتياجاتها. 
وهكذا تتشكل معادلة معقدة: العنف يولد الخوف، والقيود على الحركة تقلل فرص العمل، وانهيار السياحة يضرب الاقتصاد، والأزمة الاقتصادية تدفع الشباب إلى البحث عن فرص خارج البلاد، ثم يؤدي رحيل الشباب والعائلات إلى إضعاف المجتمع المسيحي نفسه.
وتصبح الهجرة هنا ليست مجرد نتيجة جانبية للصراع، وإنما عاملًا يعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية للوجود المسيحي في الأرض المقدسة.

«العيش» إلى جانب «الوجود»

لكن تحذير الأب بوجي لا يحمل رسالة تشاؤم مطلق. فقد شدد على أن الرجاء لا يزال حاضرًا، وأن الجماعات المسيحية في الأرض المقدسة لا تزال حية وقادرة على مواصلة حياتها وشهادتها.
وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة؛ لأن القضية، من وجهة نظر الكنيسة المحلية، ليست الحفاظ على مبانٍ تاريخية أو مواقع أثرية فحسب، وإنما الحفاظ على «الحجارة الحية»؛ أي المسيحيين الذين يعيشون في المدن والقرى التي ارتبط اسمها بتاريخ المسيحية منذ القرون الأولى.
فكنيسة المهد، وكنيسة القيامة، والأديرة والمزارات يمكن ترميمها إذا تعرضت للأضرار، لكن إعادة بناء مجتمع مسيحي غادر أرضه أمر مختلف تمامًا.

 نداء إلى الكنيسة والعالم

ومن هنا جاء نداء بوجي الذي يلخص جوهر الأزمة: «لا تساعدونا فقط لكي نتجاوز الأزمة. ساعدوا الكنيسة لكي يتمكن الجيل المقبل من البقاء في الأرض المقدسة».
فالرسالة ليست طلب مساعدات إغاثية مؤقتة فقط، وإنما دعم القدرة على البقاء: توفير فرص العمل، دعم التعليم، حماية العائلات، مساعدة المشروعات الصغيرة، الحفاظ على الأراضي الزراعية، وتنشيط السياحة والحج عندما تسمح الظروف، إلى جانب حماية حرية الحركة والأمن.
وفي هذا السياق، يصبح مستقبل المسيحيين في الأرض المقدسة مرتبطًا ليس فقط بحجم المساعدات التي تصل إليهم، وإنما بقدرتهم على امتلاك شروط الحياة الطبيعية في موطنهم.
وتكشف شهادة الأب برنارد بوجي أن الخطر الأكبر على الوجود المسيحي قد لا يكون في لحظة واحدة أو حادثة منفردة، وإنما في عملية بطيئة من الاستنزاف: عائلة تفقد مصدر دخلها، وأخرى تعجز عن الوصول إلى أرضها، وشاب لا يجد عملًا، وأسرة تخشى على أطفالها، ثم قرار بالهجرة يبدو فرديًا في ظاهره، لكنه عندما يتكرر على مستوى عشرات ومئات الأسر يتحول إلى تغيير ديموغرافي عميق.
وبينما تستمر الضغوط، يبقى السؤال الذي يطرحه بوجي مفتوحًا أمام الكنائس والعالم: هل يكتفي المجتمع الدولي بالحفاظ على مواقع المسيحية التاريخية، أم يعمل أيضًا على ضمان بقاء المسيحيين الذين ما زالوا يعيشون حول هذه المواقع

شارك