محاكمات عناصر داعش تتواصل.. 10 فرنسيين أمام القضاء العراقي خلال أسبوع

الجمعة 30/أكتوبر/2026 - 12:16 م
طباعة محاكمات عناصر داعش فاطمة عبدالغني
 
تتواصل محاكمات المواطنين الفرنسيين المتهمين بالانتماء إلى تنظيم داعش في العراق، مع إصدار محكمة جنايات الكرخ في بغداد، الخميس 29 أكتوبر، أحكامًا بالسجن المؤبد على ثلاثة فرنسيين جدد، ليرتفع عدد المدانين خلال الأسبوع إلى عشرة. 
وتأتي هذه الأحكام ضمن محاكمة 47 مواطنًا فرنسيًا نُقلوا من شمال شرق سوريا إلى العراق في يوليو 2025، وسط استمرار الجدل بشأن مصير المقاتلين الأجانب الذين لم تستعدهم بلدانهم.

وذكرت صحيفة "ذا ناشيونال" أن الأحكام صدرت بموجب قانون مكافحة الإرهاب العراقي، الذي يعاقب على الانتماء إلى الجماعات الإرهابية، فيما تعادل عقوبة السجن المؤبد في العراق السجن لمدة 20 عامًا، وتخضع للمراجعة التلقائية أمام محكمة النقض خلال 30 يومًا.

الحكم بالسجن على 10 فرنسيين لانضمامهم لتنظيم داعش

جاءت الأحكام الأخيرة بعد أن قضت المحكمة، الثلاثاء 27 أكتوبر، بسجن سبعة فرنسيين آخرين، إذ حُكم على ستة منهم بالسجن 20 عامًا، وعلى السابع بالسجن 15 عامًا، وترأس القاضي محمد سلمان جلسات المحاكمة، مؤكدًا أن الأدلة كافية للإدانة، وأن التهم تستوجب عقوبة الإعدام، لكنه أشار إلى منح المتهمين فرصة لإصلاح أنفسهم وتغيير مسار حياتهم.

وكان من بين المحكوم عليهم الخميس تشارلي صن ريموند، البالغ 32 عامًا، وهو فرنسي من أصل فيتنامي اتخذ اسم "أبو سفيان الفرنسي" خلال انضمامه إلى داعش.

وقال ريموند، خلال جلسة سابقة، إنه سافر إلى تركيا لقضاء عطلة بناءً على دعوة من أخته التي اعتنقت الإسلام في باريس عام 2011، وإنه رافقها إلى مدينة أورفة التركية لمساعدتها في الوصول إلى رجل كانت على علاقة به في سوريا. وأضاف أنه وافق على عبور الحدود لمرافقتها ثم العودة، لكن عناصر التنظيم أقنعوه بالبقاء.

وذكر أنه التحق بدورة في الشريعة الإسلامية استمرت أسبوعين، ولم يفهم محتواها لأنها كانت باللغة العربية، قبل أن يبايع زعيم التنظيم السابق أبا بكر البغدادي. وقال إنه انضم لاحقًا إلى الشرطة الإسلامية ثم ديوان الجند، وعمل في مواقع عسكرية في شمال سوريا والرقة، قبل نقله إلى سجن مدني كان يُحتجز فيه أشخاص ارتكبوا مخالفات، مثل التدخين والسرقة.

وأضاف ريموند أنه كان يتقاضى 100 دولار شهريًا، وتزوج في سوريا وأنجب طفلين، كما أُصيب في يده اليسرى خلال غارة جوية. وخلال المحاكمة، شكك القاضي في روايته بشأن اعتقاله في الباغوز أثناء محاولته الفرار، مشيرًا إلى مشاركته في اشتباكات عام 2019 وإصابته خلالها. كما واجهه بمعلومات عن العثور على مواد متطرفة ومقاطع فيديو داعمة لمنظمات إرهابية على هاتفه في فرنسا، بينما أظهرت بيانات داعش وصفه بأنه "مجاهد".

ورغم ادعائه أنه تخلى عن التنظيم عام 2017 وبقي في سوريا من أجل أخته، أقر ريموند بذنبه، معربًا عن ندمه، وقال إنه تعرض لغسل الدماغ لثماني سنوات، وإنه بات يرى الأمور بوضوح.

ومن بين المحكوم عليهم أيضًا كمال حبيب أحمد بن مبارك، البالغ 42 عامًا، الذي قال إن رحلته إلى سوريا بدأت بالتزامن مع انتفاضات الربيع العربي عام 2011، وإن مشاهد الظلم والانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري أثارت غضبه.

وأوضح بن مبارك أن دعاية داعش كانت قوية في البداية، وأنه لم يجد من ينصحه بشأن الانضمام إلى التنظيم. وأضاف أنه دخل معسكرًا لتعليم الشريعة في سوريا، ثم عمل في الشرطة الداخلية التابعة لداعش، التي كانت تتولى اعتقال عناصر متهمين بالرشوة والفساد.

وأعرب عن ندمه على الانضمام إلى التنظيم، قائلًا إنه استخدم أجزاء من الدين وتجاهل أجزاء أخرى، ومعلنًا تبرؤه من الجماعة وجرائمها واعتذاره للضحايا وعائلاتهم، كما أقر بذنبه أمام المحكمة.

وفي سياق جلسات المحاكمة، استجوبت المحكمة نجيب فاطمي عبد القادر، البالغ 38 عامًا، وهو فرنسي من أصل جزائري حاصل على شهادة في الصيدلة. ووصف انضمامه إلى داعش بأنه أسوأ قرار اتخذه في حياته، رغم تفوقه الدراسي السابق.

وقال عبد القادر إنه وصل إلى سوريا مطلع عام 2014، قبل أشهر من إعلان التنظيم خلافته، بعدما سبقه شقيقه إلى هناك. واتخذ اسم "أبو سليمان الجزائري" داخل التنظيم، وكان يتقاضى 160 دولارًا شهريًا.

وبحسب شهادته، لم يشارك في القتال، بل عمل صيدليًا وممرضًا في المستشفيات، وتولى توزيع الأدوية من المستودعات. كما تزوج أواخر عام 2014، وله ابن وابنة في سوريا.

وأوضح أنه تأثر بالأحداث في سوريا، وكان يعتقد في البداية أن انضمامه إلى التنظيم سيساعد على حماية الشعب السوري، لكنه اكتشف مع مرور الوقت حقيقة داعش، وأدرك أن شعارات الدفاع عن السوريين كانت وسيلة لاستقطاب المنضمين إليه.

وأضاف أنه حاول الفرار عام 2017، لكنه أُلقي القبض عليه، معربًا عن ندمه الشديد على ما وصفه بتدمير حياته. وأكد أن هدفه الحالي هو العودة إلى أسرته وأطفاله وتربيتهم، كما أقر بذنبه، واصفًا داعش بأنه تنظيم إرهابي والسلفية الجهادية بأنها نهج إجرامي.

واستمعت المحكمة كذلك إلى نور الدين عبد القادر المنصوري، وهو مواطن فرنسي من أصل مغربي، عمل في فرنسا بمجال توزيع المواد الغذائية. وقبل بدء محاكمته، عرض عليه القاضي بيانًا من الحكومة الفرنسية بشأن سحب جنسيته.

وقال المنصوري إنه قرر الانضمام إلى داعش عام 2014 متأثرًا بالتغطية الإعلامية للأحداث في سوريا، موضحًا أنه كان ينظر آنذاك إلى الجهاد والمقاتلين باعتبارهم جزءًا من المقاومة، وأن سهولة الوصول إلى سوريا وانتقال مقاتلين أجانب إليها جعلاه يعتقد أن الانضمام أمر طبيعي ومقبول.

وأضاف أنه التحق بمعسكر للتدريب العسكري عقب وصوله إلى سوريا، ثم درس الشريعة، قبل تعيينه في القسم الإداري بمدينة منبج، حيث عمل في الصيانة والاتصالات والحاسوب مقابل 100 دولار شهريًا. وذكر أن زوجته، التي كان متزوجًا منها منذ عام 2004، رافقته إلى سوريا.

وبحسب روايته، توقف عن العمل مع التنظيم بعدما قال إنه اكتشف حقيقته، وانتقل إلى الرقة، ثم غادرها مع زوجته عقب عملية عسكرية، وبقي من دون عمل. وأعرب عن ندمه على ما حدث، قائلًا إنه أدرك أن التنظيم كان يغسل أدمغة أعضائه ويحرمهم من الحرية، وأقر بذنبه أمام المحكمة.

كما افتتحت المحكمة محاكمة إبراهيم خليل أزهاف، وقدمت الأدلة والتهم الموجهة إليه، واستمعت إلى قضيتين أخريين، في إطار استمرار الإجراءات القضائية بحق المتهمين الفرنسيين.

العراق ومحاكمة المقاتلين الأجانب

بدأت المحاكمات في بغداد أواخر سبتمبر، لتسلط الضوء على معضلة أوروبية مستمرة بشأن مصير المواطنين الذين انضموا إلى داعش. ففي ظل غياب محكمة دولية مختصة وتردد الدول الأوروبية في إعادة مواطنيها، يتولى العراق محاكمة مقاتلين أجانب نُقلوا من سوريا.

ووفقًا للمعلومات الواردة في تقرير "ذا ناشيونال"، نقل الجيش الأمريكي 5704 معتقلين يُشتبه في انتمائهم إلى داعش إلى العراق جوًا وبرًا خلال عملية نُفذت في يناير وفبراير من العام الجاري، وأفاد المجلس الأعلى للقضاء العراقي بأن المعتقلين ينتمون إلى 67 جنسية، من بينهم 474 عراقيًا و3497 سوريًا، ومن المقرر أن يخضعوا للمحاكمة في بغداد.

وكان تنظيم داعش قد سيطر على مناطق واسعة من العراق وسوريا منذ عام 2014، قبل إعلان هزيمته في العراق عام 2017، ثم دحره في سوريا عام 2019 على يد قوات سوريا الديمقراطية.

وسبق أن حاكم العراق آلافًا من مواطنيه بتهمة الانضمام إلى التنظيم، استنادًا إلى قانون مكافحة الإرهاب الذي ينص على عقوبة الإعدام للانتماء إلى جماعة إرهابية، وواجه المواطنون الأجانب إجراءات مماثلة، وهي سياسة انتقدتها جماعات حقوقية، بينما تدافع عنها بغداد باعتبارها مسألة سيادة وردع.

وفي عام 2019، صدرت أحكام بالإعدام على عدد من المواطنين الفرنسيين الذين نُقلوا من سوريا إلى بغداد، قبل تخفيفها إلى السجن المؤبد.

ويرى المراقبون أن محاكمات الفرنسيين في العراق تعكس تعقيدات التعامل مع المقاتلين الأجانب بعد انهيار سيطرة داعش، في ظل تردد دول أوروبية في استعادة مواطنيها وتباين المواقف بشأن مكان محاكمتهم، كما تبرز هذه القضية التداخل بين تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب، ومطالب المساءلة عن الجرائم، والانتقادات الحقوقية الموجهة إلى محاكمة الأجانب أمام القضاء العراقي.

شارك