صياحات التجديد الديني (3)

الأحد 06/أبريل/2014 - 10:18 م
طباعة
 
وإذا كنا نؤكد أن رفاعة الطهطاوي هو صاحب الحرف الأول فى كتاب التجديد الديني فإنه قد أتى مستنداً على الفعل التحديثي الذي استنبته محمد علي في التربة المصرية، فكان هناك الشيخ حسن العطار الذي تتلمذ رفاعة على يديه وكان أدبياً وشاعراً ورحاله زار تركيا وفلسطين وجاب بلاد الشام وخالط ضباط الحملة الفرنسية وعلمائها وقام بتدريس اللغة العربية لهم، وتعلم حب المعرفة وضرورة التجديد. ويتذكر رفاعة دوماً ما كرره عليه أستاذه العطار "إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها" . وكان هناك الشيخ عياد الطنطاوي الذي سافر إلى سان بطرسبرج في زمن الإمبراطورية الروسية وقام بتدريس اللغة العربية في جامعتها وأسهم في تطوير الاستشراق الروسي وعاد ومعه كتاباً أسماه "تحفة الأذكيا بأخبار بلاد روسيا" وهو يشبه إلى حد كبير كتاب رفاعة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" . وكان هناك أيضاً الشيخ حسين المرصفي الذي صاغ كتاباً رائعاً وتجديدياً أسماه "الكلم الثمان .. عن الحق والعدل والحرية". يذهب رفاعة إلى باريس ويعود ليخوض معركة التجديد في زمن بالغ الصعوبة وتخيم عليه غيوم التخلف الفكري والانصياع لخرافات وأكاذيب فرضت نفسها على العقول باعتبارها الدين ذاته وهي أبعد ما تكون عن الدين . وكانت قضية الأرض هل هي كرة أم مسطحة؟ وهل تدور أم لا؟ ويراوغ رفاعة قائلاً "قال البعض أن القول بدوران الأرض واستدارتها لا يخالف ما ورد فى الكتب السماوية ، وذلك لأن الكتب السماوية قد ذكرت هذه الأشياء في معرض وعظ ونحوه، جرياً على ما يظهر للعامة لا تدقيقاً فلسفياً ، مثل ما ورد فى الشرع أن الله تعالى أوقف الشمس ، فالمراد هنا تأخير غيابها عن الأعين وهذا يحصل بتوقيف دوران الأرض، وإنما أوقع الله الوقوف على الشمس لأنها هى التي يظهر فى الأعين سيرها" [د. عبد اللطيف حمزة – أبطال الدفاع عن اللغة العربية – مقال مجلة الثقافة – عدد يوليو 1965] والحقيقة أن هذا الموضوع كان مثار تشبث شديد سواء من رجال الدين المسيحى أو الاسلامى وكان تأكيدهم أن الكتب السماوية أكدت أن الأرض مسطحة ولا تتحرك، لكن رفاعة امتلك رأياً آخر ووجد لنفسه مخرجاً للتعبير عنه. فإذا كان قد اضطر إلى شطب العبارة السابقة والخاصة بوقف دوران الأرض بعد أن أوردها في مسودة كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" فإنه جازف وكتب "ووقعت محاورة بين العلامة الشيخ محمد المناعي التونسي المالكي المدرس بجامعة الزيتونة وبين المفتي العلامة الشيخ محمد البيرم المؤلف لعدة كتب في المنقول والمعقول، وله أيضاً تاريخ دولة بني عثمان، وجرت المحاورة حول كروية الأرض أو بسطها، البسط قال به المناعي والكروية للشيخ محمد البيرم، وممن قال من علماء المغرب أن الأرض مستديرة وأنها سائرة العلامة الشيخ مختار الكنتاوي بأرض أذوات بقرب بلاد تمبكتو وهو مؤلف مختصر في فقه مالك ضاهى به متن الخليل، وضاهى أيضاً ألفية إبن مالك، وله مؤلفات كثيرة، وألف كتاباً أسمه "النزهة" جمع فيه جملة علوم ، فذكر بالمناسبة علم الهيئة ، فتكلم عن كروية الأرض وعن سيرها ووضح ذلك ، فتلخص من كلامه أن الأرض كرة ولا يضير الاعتقاد بتحركها أو سكونها [الطهطاوي - تخليص الإبريز فى تلخيص باريز – صـ97] .. ولعل من حقنا أن نتأمل كتابه هذا المجدد الماكر فى الحديث عن كروية الأرض فهو يتحدث عن الشيخ العلامة محمد البيرم وعن العلامة الشيخ مختار الكنتاوي بما يشبه الإعجاب ويقدمهما للقارئ كعلماء أجلاء لهما أبحاث وكتب عديدة . ومع ذلك فإن رفاعة لم يسلم عن الهجوم لا هو ولا البيرم ولا الكنتاوي ، فيرد في أدب بالغ على علماء الأزهر الذين هاجموه قائلاً "ولا تتوهم إن علماء الفرنسيس هم القسوس . فالقسوس علماء في الدين فقط ، وأما من يطلق عليه أسم العالم فهو من يمتلك معرفة فى العلوم العقلية التي من جملتها علم الأحكام والسياسات وعلم الهيئة [الطهطاوي - تخليص الإبريز- صـ273،208] .. وهكذا كاد أن يقول لعلماء الأزهر .. "لا دخل لكم فيما لا تعلمون" .. ونمضي مع رفاعة مجدداً. 

شارك