الإخوان وأمريكا (9-11).. 11 سبتمبر .. ولقاءاتُ “الطمأنة”:
الجمعة 13/فبراير/2026 - 07:30 م
طباعة
حسام الحداد
يُقدم هذا الطرح قراءة تحليلية بالغة الأهمية تكشف خفايا العلاقات المتشابكة والبراغماتية التي أدارها التنظيم الدولي للإخوان مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وقد برع الدكتور عبد الرحيم علي كعادته في تفكيك هذه السرديات المعقدة وتسليط الضوء على المسافة الفاصلة بين الخطاب المعلن والجذور الفكرية القطبية التي غلفت تلك المرحلة، حيث يثبت ببحثه الرصين وتوثيقه للمحطات المفصلية — بدءًا من دور عبدالله عزام وصولًا إلى تحالفات "بريمر" في العراق — امتلاكه لرؤية استشرافية وخبرة استثنائية في تعرية مشروع الإسلام السياسي وكشف تناقضاته أمام الرأي العام العربي والدولي.
11 سبتمبر .. ولقاءاتُ “الطمأنة”:
عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، أكدت دراسة أعدها القسم السياسي بالتنظيم الدولي للإخوان ضرورة عقد لقاءات سريعة مع الأمريكيين، لشرح وجهة نظر التنظيم، وإقناعهم بأن الإخوان بعيدون تمامًا عن تلك المجموعات التي نفذت الهجمات.
لكن قادة الجماعة – بحسب ما تكشفه الوقائع – كانوا يعرفون أن المسافة بين خطاب التطمين وبين الجذور الفكرية ليست مريحة. فالصلة الفكرية واضحة عبر أفكار سيد قطب التي تدين بها الجماعة، والتي صارت معينًا استقت منه جماعات إرهابية عديدة أفكارها، وعلى رأسها تنظيم القاعدة وزعيماه أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
وفي هذا السياق، يبرز ما كتبه الظواهري في “فرسان تحت راية النبي” عن كلمات سيد قطب الأخيرة ورفضه طلب العفو من جمال عبد الناصر، وكيف تحولت هذه الرمزية إلى “منهج” يدرسه الأصوليون في الثبات على المبدأ، ثم حديثه عن الحاكمية والمعركة العقائدية، وعن “العدو الداخلي” بوصفه أداة العدو الخارجي.
أما الصلة التنظيمية، فتظهر في شخصية الدكتور عبدالله عزام: عضو مجلس شورى التنظيم الدولي ومبعوثه إلى أفغانستان، والذي تعتبره هذه السردية “الأب الروحي” لتنظيم القاعدة وبن لادن. وتتلخص الفكرة كما وردت في مذكرات عزام نفسه: في استغلال وجود هذا الكم الهائل من الشباب المسلم للجهاد في افغانستان، وتكوين جيش صغير يتحول إلى قوة انتشار سريعة يستخدمها التنظيم الدولي في مساعدة الأقليات المسلمة المضطهدة، وفق تعبيره، في كل بقاع الأرض.
وقد تم تجنيد عزام لهذه المهمة عام 1981 في اجتماع عقد لهذا الغرض بينه وبين كمال السنانيري، حيث أبلغه الأخير برسالة مكتب الإرشاد في مصر ودعمهم له.
وقد مرت هذه الفكرة فيما بعد بتحولات عديدة، من مكتب خدمات المجاهدين إلى قاعدة بيانات المقاتلين العرب.
ثم يأتي التحول المفصلي: بعد مقتل عزام، عندما تحولت تلك القاعدة من البيانات إلى تنظيم سمي تيمّنًا بها “تنظيم القاعدة”، بعد اختطاف الفكرة من قبل الظواهري ومجموعة “المقاتلين المصريين”، ثم استخدامها في مواجهة الولايات المتحدة، وصولًا إلى أحداث سبتمبر 2001 الشهيرة.
لقاء الرئيس بوش:
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، استعان الإخوان بقادة جناح التنظيم الدولي في الولايات المتحدة، ومن أبرزهم الدكتور حسان حتحوت، رئيس إحدى أكبر المنظمات الإسلامية بأمريكا، نظرًا لعلاقته القديمة بالرئيس الأمريكي آنذاك.
حيث كان حتحوت أول من استقبل بوش في المركز الإسلامي التابع للتنظيم بالعاصمة الأمريكية واشنطن عقب الأحداث مباشرة.
ومن خلاله، وجهت الجماعة رسالة إلى الإدارة الأمريكية، تؤكد فيها قدرتها على تقديم العون فيما يتعلق بامتصاص غضب الشباب المسلم وتحويله إلى نشاط إيجابي بعيدًا عن سلبية الجماعات المتطرفة، بشرط أن تدعم أمريكا الجماعة في مواجهة الحكومات “الديكتاتورية” في البلدان العربية.
واستمرت اللقاءات في الانعقاد بشكل سري حتى احتلال العراق، وهنا تظهر محطة أخرى مهمة وخطيرة في العلاقات المشتركة:
حيث قرر محمد مهدي عاكف – بصفته مرشدًا عامًا للتنظيم – آنذاك، بتوجيه فرع التنظيم الدولي في العراق (الحزب الإسلامي العراقي بقيادة محسن عبدالحميد، والاتحاد الإسلامي الكردستاني بقيادة صلاح الدين بهاء الدين) للتعاون الكامل مع الحاكم الأمريكي “بول بريمر”، والمشاركة في الحكومة الانتقالية، والموافقة الكاملة على حل الجيش العراقي.
وقد أدى هذا القرار إلى أزمة كبيرة داخل التنظيم بالعراق، وعدد من البلدان الأخرى، ومنها مصر، التي كان التنظيم فيها يشارك بتظاهرات تدين الغزو الأمريكي للعراق. وعندها تدخل عاكف بقرار ملتوٍ، يؤكد أن مشاركة الإخوان في الحكومة الانتقالية في العراق شأن داخلي يخص القيادة العراقية، ما ترتب عليه استقالات وتشكيلات معارضة داخل العراق نفسها، ولقاء حارث الضاري لعاكف مرتين بالقاهرة، مطالبًا بإنهاء العلاقة مع حكومة بريمر، لكن عاكف رفض باعتبار الأمر شأنًا داخليًا؛ في محاولة لصرف الأنظار عن التحالف القائم آنذاك بين التنظيم الدولي والولايات المتحدة الأمريكية بقيادة بوش الابن.
وللحديث بقية…
ونكمل غدًا…
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.
