كيف توظف داعش ’القيامة‘ لترميم تصدعاتها؟

الجمعة 13/فبراير/2026 - 08:45 م
طباعة كيف توظف داعش ’القيامة‘ حسام الحداد
 
تأتي افتتاحية صحيفة "النبأ" في عددها رقم (534) لتكشف عن ملامح الارتباك الأيديولوجي والعملياتي الذي يعيشه تنظيم "داعش" في مطلع عام 2026؛ فخلف ستار اللغة التراثية المتشددة، يطل واقع العزلة الدولية الخانقة التي ترجمها اعتراف التنظيم بانضمام "الدولة التسعين" للتحالف الدولي ضده. إن هذا النص ليس مجرد مقال وعظي، بل هو وثيقة سياسية وعسكرية تحاول يائسة امتصاص صدمة الهزائم الميدانية وتحويلها إلى "انتصار معنوي" متوهم، عبر إعادة تدوير مفاهيم "الطائفة المنصورة" وحصرها في كيان تنظيمي يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الاستهداف العالمي.
ومن خلال تشريح بنية الخطاب، يتضح أن التنظيم يسعى لشن حرب نفسية استباقية تستهدف منع الانشقاقات الداخلية التي بدأت تضرب صفوفه نتيجة "الاستنزاف الطويل". يعتمد الخطاب في ذلك على ترسانة من المصطلحات الإقصائية التي تنجس "الهوية الوطنية" وتجرم الاعتدال السياسي، في محاولة لعزل المقاتلين داخل "فقاعة فكرية" تجعل من الموت وسيلة وحيدة للنجاة، ومن العنف هوية وجودية لا تقبل التفاوض، مستخدمةً في ذلك سرديات "نهاية الزمان" لتعطيل أي منطق واقعي قد يدفع الأتباع للمراجعة أو التراجع.

السياق العام للافتتاحية
يكشف ذكر "الدولة التسعين" المنظمة للتحالف الدولي في افتتاحية "النبأ" عن إقرار ضمني من التنظيم باتساع رقعة العزلة الدولية من حوله؛ حيث لم يعد الرقم مجرد إحصائية عسكرية، بل مؤشر على حصار جيوسياسي خانق. ويلجأ الخطاب الدعائي للتنظيم إلى "سيكولوجية التعويض" عبر تصوير هذا الإجماع العالمي بوصفه "تظافراً لقوى الكفر" ضد "فسطاط الإيمان"، في محاولة استراتيجية لتحويل الانكسارات الدبلوماسية والهزائم الميدانية إلى "انتصارات معنوية" توهم الأتباع بصحة المسار وسطوة الاستهداف.
يبرز الهجوم الشرس في المقال على من وصموا التنظيم بـ "الخارجية" عمق الأزمة الشرعية التي لا تزال تلاحقه داخل الدوائر الإسلامية والجهادية على حد سواء. إن الاشتباك اللفظي مع من أسماهم "المتمسحين بالطائفة المنصورة" يعكس صراعاً محتدماً على "التمثيل الحصري" للمنهج السلفي، مما يشير إلى فشل التنظيم في كسب اعتراف التيارات الجهادية الأخرى، واستمرار النزاع حول القواعد الشعبية التي بدأت ترفض ممارساته وتصنفه كجماعة مارقة ومعزولة فكرياً.
تعد المصطلحات التي غص بها النص مثل "سنوات الابتلاء" و"تعثر المتساقطين" بمثابة "رادار" كاشف للحالة المتردية داخل صفوف التنظيم في مطلع عام 2026؛ إذ يوحي هذا القلق الخطابي بوجود موجات من الانشقاق واليأس وتراجع الروح المعنوية لدى المقاتلين. وتأتي هذه الافتتاحية كجرعة "تثبيت" عاطفية قسرية، تحاول يائسة كبح جماح ظاهرة الهروب من الميدان ومواجهة مراجعات الأفكار التي بدأت تضرب الهيكل التنظيمي نتيجة الاستنزاف الطويل.
في مواجهة تنامي الوعي الشعبي والروح الوطنية في المناطق المضطربة، عمد الخطاب إلى "تنجيس" الرابطة الوطنية ووصفها بـ "العفنة والقذرة" في محاولة لقطع الطريق أمام استعادة الدولة لسيادتها. ويسعى التنظيم من خلال هذا الطرح إلى تفكيك مفهوم المواطنة وإحلال "الأممية الجهادية" محلها، لضمان استمرارية ولاء المقاتلين لكيان عابر للحدود، وذلك بعد أن استشعر خطورة "الهوية الوطنية" كحائط صد منيع يهدد قدرته على التغلغل والسيطرة الاجتماعية.

الاستراتيجية اللغوية والخطابية
استخدم كاتب المقال ترسانة لغوية تعتمد على "لغة التجييش" المشحونة عاطفياً، حيث تعمد إحياء مصطلحات تراثية ضاربة في القدم (مثل: السنان، المسانيد، الملاحم، بيضة الإسلام) لنقل القارئ من الواقع المعاصر إلى أجواء الصراعات التاريخية الكبرى. هذه الهندسة اللغوية ليست مجرد استعراض بلاغي، بل هي محاولة واعية لربط معارك التنظيم الحالية بالذاكرة الجمعية الإسلامية، مما يمنح العمليات العسكرية صبغة "ملحمية" تخرجها من إطار التمرد المسلح إلى إطار "الجهاد المقدس" الذي لا يقبل المراجعة أو النقاش.
عمد الخطاب إلى إحداث عملية ربط مباشر وقسري بين الممارسات الميدانية للتنظيم وبين أحاديث "الفرقة الناجية" و"الطائفة المنصورة"، بهدف إضفاء هالة من القدسية على قراراته السياسية والعسكرية. ومن خلال هذا الربط، يسعى التنظيم لإيهام القارئ بأنه ليس مجرد جماعة عابرة، بل هو "الامتداد الحصري والوحيد" لعهد الصحابة والقرون المفضلة. هذه الاستراتيجية تهدف إلى جعل الانضمام للتنظيم واجباً عقدياً، والتخلف عنه "تخلفاً عن ركب النبوة"، مما يلغي مشروعية أي كيان إسلامي آخر ويحصر الحق في فصيل واحد.
اعتمد المقال لغة "استعلاء إيماني" حادة، تجلت في وصف كل من هم خارج دائرة التنظيم بألفاظ تحقيرية مثل "الهمج الرعاع" و"الغوغاء" و"المتمسحين". تهدف هذه الألفاظ إلى خلق فجوة نفسية عميقة بين الأتباع ومجتمعاتهم، حيث يشعر "الجندي" أو "المناصر" بتميز زائف وتفوق أخلاقي وعقدي يجعله ينظر إلى بقية المجتمع نظرة دونية. هذا الاستعلاء اللغوي هو الممهد النفسي لعمليات القتل والتنكيل، حيث يتم "نزع الإنسانية" عن المخالفين وتصنيفهم كفئات منحطة لا تستحق الحياة أو الاحترام.
في الفقرة الختامية لهذا التحليل اللغوي، نجد أن الخطاب يسعى لبناء "فقاعة فكرية" مغلقة حول المتلقي، حيث يتم تحصينه ضد أي نقد خارجي عبر وصم الناقدين بصفات "التخذيل" أو "النفاق". إن التلاعب بالألفاظ الواضحة والصريحة، واستخدام "البراءة" كأداة للفصل المجتمعي، يحول اللغة من وسيلة للتواصل إلى أداة للقطيعة. وبذلك، تنجح الاستراتيجية الخطابية في تحويل المقاتل إلى أداة تنفذ الأوامر دون تفكير، مدفوعاً بوهم أنه يمثل "النخبة المختارة" التي تقاتل في معركة نهاية الزمان ضد عالم يصفه المقال بالجهل والردة.

التوظيف الأيديولوجي لمفهوم "الطائفة المنصورة"
مارس المقال عملية "اختطاف أيديولوجي" ممنهجة لمفهوم "الطائفة المنصورة"، محولاً إياه من بشارة نبوية عامة تتعلق ببقاء الحق في الأمة، إلى "صك ملكية" حصري لمنظومته التنظيمية. ومن خلال هذا التوظيف، يسعى التنظيم إلى تجريد المصطلح من سياقاته العلمية والتاريخية الواسعة التي شملت عبر العصور العلماء والعباد وعموم أهل الحق، ليحصره في "فعل عسكري" مشروط بمبايعة قيادته فقط؛ وبذلك يتحول النص الديني من مصدر للهداية إلى أداة لشرعنة الوجود السياسي والعسكري للتنظيم فوق الأرض.
تبنى الخطاب معايير "تعجيزية" وإقصائية لتعريف الطائفة المنصورة، صممت بدقة لتنطبق حصرياً على منهج التنظيم دون غيره. فالمقال لا يكتفي بمهاجمة الخصوم التقليديين، بل يذهب بعيداً ليعتبر أن أي مخالفة لمنهجه —سواء كانت عبر ممارسة الديمقراطية، أو التمسك بالهوية الوطنية، أو حتى تبني رؤى إسلامية مغايرة— هي وقوع مباشر في "حمأة الردة" وخروج عن الملة. هذا الإقصاء يهدف إلى نسف أي مشروعية للمخالفين، وتصدير فكرة أن النجاة الأخروية مرتبطة عضوياً بالانضواء تحت راية التنظيم لا غير.
يعيد المقال إحياء عقيدة "الفسطاطين" الصدامية، مقسماً العالم برؤية ثنائية متطرفة لا تقبل القسمة على ثلاثة؛ حيث يضع "جبهة الخلافة" (بزعمه) في مقابل "التحالف الدولي الصليبي" ومن حالفه. وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية في إلغائها المتعمد لأي مساحات رمادية أو مواقف سياسية مستقلة، حيث يُجبر المجتمعات والأفراد على خيارين أحلاهما مر: إما الانخراط في مشروع التنظيم الدموي، أو التصنيف كـ "عدو محارب" ضمن جبهة التحالف الدولي، مما يشرعن استباحة دماء كل من يقف على الحياد.
واخيرا يتضح أن الهدف النهائي من هذا التوظيف الأيديولوجي هو تحويل العقيدة الإسلامية من منظومة قيمية وأخلاقية إلى "مانيفستو" عسكري وأداة تعبئة للمواجهة الشاملة. فالمقال يربط بين "رسوخ العقيدة" وبين "بسط سلطان الإسلام بالسيف"، جاعلاً من العمليات القتالية شرطاً لا ينفك عن صحة التوحيد. هذا الربط القسري يحول الأيديولوجيا إلى وقود للحروب الدائمة، ويمنع أي إمكانية للتعايش السلمي، حيث تصبح "البراءة من المخالف" ممارسة قتالية ميدانية وليست مجرد موقف قلبي أو فكري.

استهداف الدولة "التسعين" (التحالف الدولي)
يبرز المقال انضمام الدولة "التسعين" للتحالف الدولي كحدث مركزي، وهو ما يعد اعترافاً غير مباشر بتعاظم الجبهة العالمية المناهضة للتنظيم في عام 2026. لكن الخطاب يحاول الالتفاف على حقيقة "الإجماع الدولي" عبر تصويره كحشد "صليبي" يهدف لاستئصال الإسلام، محولاً الرقم من مؤشر على العزلة والرفض العالمي لمشروعه إلى دليل "اصطفاء" شرعي. هذه الاستراتيجية تهدف إلى إقناع الأتباع بأن تزايد الأعداء ليس نتيجة لضلال المنهج أو بشاعة الممارسات، بل هو "قدر الطائفة المنصورة" التي يحيط بها العالم من كل جانب.
يركز النقد الموجه للدولة المعنية (رقم 90) على وصمها بـ"العلمانية" و"الوطنية العفنة"، في هجوم صريح لا يستهدف تلك الدولة فحسب، بل ينسحب على منظومة "الدولة الوطنية" الحديثة ككل. يرفض التنظيم من خلال هذا الخطاب القاطع أي حدود جغرافية أو انتماءات قومية، معتبراً إياها "أوثانًا عصرية" تصادم فكرة "الأممية الجهادية" التي يروج لها. إن استخدام ألفاظ قاسية مثل "الحمأة" و"الوحل" لوصف الوطنية يعكس سعي التنظيم لسلخ الأفراد عن هوياتهم الوطنية وتحويل ولائهم بالكامل لكيان تنظيمي عابر للحدود، لا يعترف بالقانون الدولي أو السيادة المحلية.
يسعى المقال من خلال هجومه على الدولة التسعين إلى تصفية حسابات فكرية قديمة، خاصة فيما يتعلق بتهمة "الخوارج" التي تلاحقه تاريخياً. فبدلاً من الدفاع عن نفسه، يقوم التنظيم بـ "قلب الطاولة" عبر اتهام خصومه من الدول والجماعات الإسلامية التي تعارضه بأنهم "جنود محضرون" في خدمة مشروع أجنبي. هذا التحول الخطابي يهدف إلى نقل تهمة "الخيانة والعمالة" للطرف الآخر، وتصوير كل من ينخرط في المنظومة الدولية أو يلتزم بحدود الدولة الوطنية كشريك في "الغدر والكفر"، مبرراً بذلك حربه ضد كافة القوى السياسية والعسكرية في المنطقة.
واخيرا يتبدى البعد العملياتي للخطاب؛ إذ إن التركيز على الدولة المنضمة حديثاً للتحالف يعمل كـ "إشارة استهداف" واضحة لخلاياه النائمة أو ما يعرف بـ "الذئاب المنفردة". من خلال تجريد هذه الدولة من شرعيتها ووصفها بـ "المرتدة"، يمهد المقال الطريق لتنفيذ عمليات انتقامية ضد مصالحها ورعاياها، محاولاً إرسال رسالة ترهيب مفادها أن الانضمام للجهد الدولي لمحاربة الإرهاب له ثمن دامي. وبذلك، يتحول التحليل السياسي في الصحيفة إلى وقود لتحركات ميدانية تستهدف زعزعة استقرار الدول وتوسيع رقعة العنف العالمي.

فلسفة القوة والعنف
يرتكز الخطاب في هذا الجزء على فلسفة قتالية صلبة تكرس تلازم "الكتاب الهادي مع السيف الناصر"، وهي رؤية لا ترى في الدين منظومة روحية أو أخلاقية فحسب، بل مشروعاً سياسياً لا يقوم إلا بالقوة المادية الصرفة. ومن خلال هذا الدمج، يسعى التنظيم إلى شرعنة العنف بوصفه "الركن المتمم" للإيمان، حيث لا قيمة للكتاب (القرآن) في أدبياتهم دون قوة تحميه وتفرضه بالقهر. هذه "العسكرة للعقيدة" تهدف إلى تحويل الدين من دعوة وجدانية إلى آلة حربية، معتبرين أن "السيف" هو الأداة الوحيدة القادرة على حسم الصراعات الوجودية مع الخصوم.
يعلن المقال صراحةً رفضه المطلق لما وصفه بـ "المداهنة" أو "أنصاف الحلول"، في هجوم مبطن وشرس على التيارات الإسلامية الأخرى (مثل الإخوان المسلمين أو السلفية الإصلاحية) التي تنخرط في العمل السياسي أو تؤمن بالتدرج في تطبيق الشريعة. يرى التنظيم أن أي قبول بالتفاوض أو بالحلول الوسط هو "خيانة للدين"، وهو ما يعكس رغبة التنظيم في عزل أتباعه عن أي مسارات سلمية أو ديمقراطية. هذا الرفض للتدرج ليس مجرد خيار فقهي، بل هو استراتيجية لغلق الباب أمام أي "اعتدال" قد يفكك البنية المتشددة للتنظيم.
في مواجهة الحصار العسكري الخانق الذي يشهده عام 2026، يلجأ المقال إلى استراتيجية دفاعية نفسية بارعة عبر "الاحتفاء بالمعاناة". فبدلاً من الاعتراف بالهزائم الميدانية أو التراجع كفشل استراتيجي، يقوم النص بتصوير هذه الحالة بوصفها "غربة إسلامية ثانية" و"ابتلاءً إلهياً" يمحص المؤمنين. إن استدعاء مفهوم "الغربة" يهدف إلى خلق حصانة نفسية لدى المقاتلين ضد اليأس، حيث يتم تصوير الضغط العسكري العالمي ليس كدليل على بطلان المنهج، بل كعلامة "قداسة" تؤكد أنهم هم وحدهم السائرون على درب النبوة وسط عالم يخذلهم.
في الفقرة الختامية لهذا المحور، يتبين أن فلسفة العنف لدى التنظيم تتجاوز حدود الغاية العسكرية لتصبح "هوية" في حد ذاتها. فالمقال يمجّد "دماء السلف" التي تسقي الطريق، معتبراً أن الاستشهاد والموت هو الانتصار الحقيقي. هذا التركيز على "التضحية بالمهج" يجعل من التنظيم كياناً يقتات على الموت لا على برامج البناء أو الإصلاح؛ فليس مهماً لدى كاتب الافتتاحية حجم الدمار أو الفشل المادي ما دام "الثبات على الموقف" مستمراً. وبذلك، تتحول القوة والعنف من وسائل لتحقيق غاية، إلى غاية في حد ذاتها تبرر للتنظيم استمراره في صراعات صفرية لا تنتهي.

الرؤية القيامية 
يختتم المقال سرديته بربط وجود التنظيم بـ "المعركة الأخيرة" ونزول عيسى عليه السلام لقتال الدجال، وهي استراتيجية تهدف إلى نقل الصراع من حيزه السياسي والعسكري القابل للقياس إلى حيز "غيبي" خارج نطاق الزمن. ومن خلال هذا الربط، يسعى التنظيم إلى تعطيل المنطق الواقعي لدى أتباعه؛ فحين يعتقد المقاتل أنه جزء من "ملحمة نهاية الزمان"، تصبح موازين القوى الأرضية، وتفوق التحالف الدولي التقني، والهزائم الميدانية، مجرد تفاصيل عابرة لا قيمة لها أمام "الوعد الإلهي" المحتوم، مما يخلق حالة من الانفصال عن الواقع تخدم استمرارية القتال مهما كانت النتائج.
يهدف هذا الربط "القيامي" إلى رفع الروح المعنوية للمقاتلين عبر إيهامهم بأنهم ليسوا مجرد أفراد في جماعة مسلحة، بل هم "نخبة البشرية" المختارة لختام التاريخ. إن تصوير المقاتلين كأحفاد مباشرين لجيش الملاحم يمنحهم شعوراً بالتميز الوجداني، ويجعل من صمودهم في عام 2026، رغم الحصار الخانق، جزءاً من سيناريو كوني معدّ سلفاً. هذا الشعور بأنهم "جند الله" في المعركة الفاصلة يمنح الأفراد طاقة انتحارية، حيث يتحول الموت من خسارة بشرية إلى "بوابة عبور" للمشاركة في نصر غيبي موعود.
يحول هذا الخطاب الصراع إلى قضية "وجودية" صفرية لا تقبل التفاوض أو التراجع أو حتى المراجعات الفكرية. فمن خلال ربط المصير الشخصي والتنظيمي بأحداث "القيامة"، يضع التنظيم أتباعه في مأزق أخلاقي وعقدي؛ فالتراجع عن القتال هنا ليس انسحاباً تكتيكياً، بل هو "فرار من الزحف" في معركة الإيمان الكبرى ضد الدجال. هذه الاستراتيجية تهدف إلى إغلاق كافة مسارات الحلول السياسية، وتجعل من الاستسلام أو إلقاء السلاح معادلاً للكفر، مما يضمن بقاء المقاتلين في حالة استنفار دائم حتى النهاية.
في الفقرة الختامية، يتبين أن اللجوء للرؤية "الأسكاتولوجية" هو اعتراف مضمر بالضعف المادي؛ فعندما تضيق خيارات الأرض، يتم فتح نوافذ السماء (بمنظور التنظيم). إن استخدام "الغيب" كأداة تعبئة في عام 2026 يعكس محاولة بائسة لترميم التصدعات النفسية الناتجة عن التفوق الكاسح للتحالف الدولي. وبذلك، تصبح "الرؤية القيامية" هي الملجأ الأخير للتنظيم للحفاظ على تماسكه التنظيمي، حيث يتم استبدال "البرامج السياسية الواقعية" بـ "أساطير الملاحم"، لضمان تدفق الدماء في عروق خلاياه التي أرهقها الاستنزاف الطويل.

"النبأ" كأداة للتحريض العابر للحدود
تتجاوز افتتاحية صحيفة "النبأ" كونها نصاً وعظياً لتتحول إلى "خريطة طريق" عملياتية تهدف إلى إشعال فتيل العنف في جغرافيا ممتدة؛ فهي تعمل كآلية لاستنفار الخلايا النائمة وتحويل الإحباط السياسي لدى بعض الشباب إلى طاقة تدميرية. ومن خلال تفكيك مضامينها، يمكن رصد أثرها التحريضي على ثلاثة مستويات استراتيجية تبدأ من الضبط الداخلي لتصل إلى تهديد الأمن والسلم الدوليين، مستغلةً في ذلك تعقيدات المشهدين السياسي والأمني في عام 2026.
على المستوى المحلي، تعمل الافتتاحية كأداة صارمة لـ "الضبط والربط" داخل المناطق التي يمتلك فيها التنظيم حضوراً تقليدياً؛ إذ يهدف استخدام مصطلحات مثل "المتساقطين" و"المخذلين" إلى خلق سياج نفسي يمنع التصدعات الداخلية والفرار من الميدان تحت وطأة الضغط العسكري المكثف للتحالف الدولي. والأخطر من ذلك هو دور النص في "شرعنة الاغتيالات"؛ فبمجرد وصم "الدولة التسعين" بالردة، يمنح التنظيم ضوءاً أخضر لخلاياه لتنفيذ عمليات تصفية وتفجير محلياً تحت غطاء "البراءة من المشركين"، مما يحول الفتاوى الدينية إلى أوامر قتل فورية تستهدف المسؤولين والمدنيين على حد سواء.
إقليمياً، تسعى الافتتاحية لاستغلال النزاعات البينية وحالة "القطيعة المتزايدة" بين بعض القوى الغربية ودول في إفريقيا وآسيا، لتقدم التنظيم كبديل وحيد "قائم بأمر الله" وسط ركام الفشل السياسي. هذا الخطاب يغذي النزاعات الأهلية في مناطق كدول الساحل وجنوب آسيا، ويحولها إلى بؤر استقطاب جاذبة للمقاتلين الأجانب. ومن خلال تصوير الصراع كمعركة "كونية" بين التحالف الـتسعين والطائفة المنصورة، ينجح التنظيم في إغواء العناصر المتطرفة في دول الجوار، وتوجيه إحباطهم نحو جبهات قتالية جديدة، مما يهدد بتدفق موجات إرهابية عابرة للحدود الإقليمية.
عالمياً، تبرز صحيفة "النبأ" كبوق دعائي عابر للحدود عبر الفضاء الرقمي، حيث تحرض صراحةً على الهجمات "المستوحاة" من خلال نداءاتها المتكررة لعدم "التخلف عن الركب". هذا الخطاب موجه خصيصاً لـ "الذئاب المنفردة" في الدول الغربية، محرضاً إياهم على تنفيذ عمليات انتقامية في عمق دول التحالف. وما يجعل المواجهة الفكرية بالغة الصعوبة هو تصدير "سردية المظلومية" المصبوغة بـ "الهوس الأخروي"؛ فربط الواقع المعاصر بـ "جيش عيسى عليه السلام" يحول الصراع في ذهنية المتطرفين من قضية سياسية قابلة للتفاوض إلى معركة غيبية "مقدسة"، مما يعقد جهود مكافحة التطرف عالمياً ويخلق جيلاً من المتشددين المنسلخين تماماً عن الواقع.

الخاتمة
في المحصلة، يظهر تحليل افتتاحية "النبأ" أن تنظيم داعش في عام 2026 بات يقتات على "الخيال الغيبي" لتعويض "العجز المادي"؛ فكلما ضاقت عليه خيارات الأرض، فتح نوافذ "الأسكاتولوجيا" أو الرؤية القيامية لضمان استمرار تدفق الدماء في عروق خلاياه المتآكلة. إن خطورة هذا الخطاب لا تكمن في قوته العسكرية، بل في قدرته على "عولمة الإرهاب" رقمياً، وتحويل الإحباط السياسي إلى "هوس أخروي" يستهدف أمن الدول الوطنية واستقرارها؛ مما يجعل معركة تفكيك هذه السرديات فكرياً لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية في الميدان، لكسر حدة السيف الذي يحاول التنظيم تسليطه على رقاب الأمة والعالم باسم "الملاحم الكبرى".

شارك