مستقبل مضيق هرمز بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني.. تحديات إعادة فتح أهم ممر نفطي في العالم

السبت 20/يونيو/2026 - 10:49 ص
طباعة مستقبل مضيق هرمز فاطمة عبدالغني
 
تعد الممرات البحرية الاستراتيجية شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب، ورغم الإعلان عن اتفاق سلام مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن ترتيبات لإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة، فإن التحديات الأمنية واللوجستية المرتبطة بالمضيق لا تزال قائمة. 
وفي تقرير تحليلي نشره معهد "تشاتام هاوس"، يرى الباحث نيتيا لاب أن الأزمة الحالية كشفت هشاشة واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، محذراً من أن أي اضطرابات مستقبلية قد تمتد إلى مضيق باب المندب وقناة السويس، بما يهدد الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.

إعادة فتح مضيق هرمز.. طريق طويل مليء بالتحديات

على الرغم من أن الاتفاق الأمريكي الإيراني ينص على استئناف حركة السفن التجارية بشكل فوري، فإن الواقع العملي يشير إلى أن إعادة فتح المضيق بصورة آمنة ستستغرق وقتاً أطول، فالاتفاق يتضمن التزاماً إيرانياً بإزالة الألغام والعوائق البحرية خلال فترة تصل إلى 30 يوماً، وهي عملية معقدة ومكلفة قد تتطلب دعماً ومراقبة دولية.

كما أن إزالة الألغام لا تمثل التحدي الوحيد، إذ لا تزال هناك مخاطر ناجمة عن الذخائر غير المنفجرة التي خلفتها الحرب، إضافة إلى غياب منظومة متكاملة لإدارة حركة الملاحة البحرية وضمان سلامة السفن العابرة، لذلك يرى التقرير أن الحديث عن عودة المضيق إلى وضعه الطبيعي لا يزال سابقاً لأوانه، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن آليات الإدارة المستقبلية للممر البحري.

ويضيف التقرير أن شركات التأمين البحري لم تخفض أقساط التأمين بشكل ملموس حتى الآن، ما يعكس استمرار المخاوف بشأن الاستقرار الأمني، كما أن شركات الشحن العالمية تنتظر مؤشرات أكثر وضوحاً حول التزام الأطراف بتنفيذ الاتفاق قبل العودة إلى استخدام المضيق بصورة طبيعية.

هرمز وباب المندب.. تهديد متزامن للملاحة العالمية

يحذر التقرير من أن إعادة فتح مضيق هرمز لا تعني انتهاء المخاطر، إذ تحتفظ إيران بقدرتها على تهديد الملاحة أو إعادة إغلاق المضيق مستقبلاً في حال اندلاع أزمات جديدة، بل إن مجرد التهديد بإغلاقه قد يكون كافياً لإرباك الأسواق العالمية ورفع تكاليف الشحن والتأمين.

وفي المقابل، يبرز مضيق باب المندب كمصدر تهديد آخر، خاصة مع استمرار قدرات الحوثيين العسكرية في اليمن، ويشير التقرير إلى أن الجماعة أظهرت خلال السنوات الماضية قدرتها على تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر، حيث نفذت هجمات استهدفت أكثر من 190 سفينة تجارية بين عامي 2024 و2025، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في التجارة العالمية.

وتزداد خطورة هذا السيناريو مع اعتماد بعض البدائل المستخدمة حالياً لتعويض إغلاق هرمز على المرور عبر البحر الأحمر، فخطوط نقل النفط إلى ميناء ينبع السعودي، على سبيل المثال، تعتمد في جزء من فاعليتها على استقرار الملاحة في باب المندب، ما يجعل أي تهديد لهذا المضيق مضاعف التأثير على الأسواق العالمية.

انعكاسات الإغلاق على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة

يرى التقرير أن أي تعطيل متزامن للممرات البحرية الرئيسية سيؤدي إلى آثار اقتصادية واسعة النطاق، فارتفاع مخاطر الملاحة ينعكس مباشرة على أقساط التأمين البحري، كما تؤدي الرحلات الأطول عبر رأس الرجاء الصالح إلى زيادة استهلاك الوقود وارتفاع تكاليف النقل.

ومن المتوقع أن يتسبب تراجع انسيابية صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج في ضغوط إضافية على أسواق الطاقة العالمية، وهو ما قد يقود إلى موجة جديدة من التضخم تؤثر على مختلف القطاعات الاقتصادية.

وتبدو الدول المستوردة للغذاء والطاقة الأكثر عرضة للتأثر بهذه التطورات، خصوصاً الاقتصادات النامية التي تعاني أصلاً من أزمات مالية وضغوط معيشية، كما يحذر التقرير من أن استمرار الاضطرابات قد يدفع بعض الدول والشركات إلى البحث عن ترتيبات ثنائية مع إيران أو أطراف أخرى لضمان مرور سفنها، وهو ما قد يغير طبيعة إدارة الممرات البحرية الدولية مستقبلاً.

لماذا تواجه المبادرات الأمنية الحالية تحديات كبيرة؟

رغم وجود العديد من المبادرات الدولية الرامية إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر، فإن التقرير يرى أن هذه الجهود ما زالت تواجه عقبات كبيرة، فمعظم الأطر الأمنية الحالية صُممت لمكافحة القرصنة البحرية، وليس للتعامل مع تهديدات أكثر تعقيداً مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية السريعة.

كما أن النزاعات المستمرة في اليمن والصومال تعرقل جهود التنسيق الإقليمي وتحد من فعالية الترتيبات الأمنية القائمة، ويضاف إلى ذلك عامل الكلفة، إذ تتطلب عمليات الحماية البحرية استثمارات ضخمة، بينما تظل الوسائل المستخدمة لتعطيل الملاحة منخفضة التكلفة نسبياً، ما يمنح الجماعات المسلحة قدرة أكبر على استنزاف الموارد الدولية.

الاستعداد لأزمات المستقبل

يشدد التقرير على ضرورة الانتقال من سياسة الاستجابة للأزمات إلى سياسة الاستعداد المسبق، ويقترح تعزيز قدرات التخزين في الموانئ، وتحسين التخطيط اللوجستي للتعامل مع أي اضطرابات مفاجئة في سلاسل الإمداد.

كما يدعو إلى توسيع نطاق الاهتمام الأمني ليشمل الممرات البديلة مثل رأس الرجاء الصالح وقناة موزمبيق وقناة بنما ومضيق ملقا، إضافة إلى تعزيز التعاون بين الحكومات وقطاع الشحن البحري وشركات التأمين لتبادل المعلومات وتقييم المخاطر بصورة أكثر فاعلية.

ويؤكد التقرير أيضاً أهمية تطوير آليات إقليمية أكثر كفاءة للبحث والإنقاذ والاستجابة للطوارئ، في ظل تزايد احتمالات الحوادث البحرية في بيئة تشغيلية تزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.

ويرى المراقبون أن أزمة مضيق هرمز الأخيرة لم تكشف فقط هشاشة أحد أهم الممرات النفطية في العالم، بل أظهرت أيضاً مدى الترابط بين نقاط الاختناق البحرية الرئيسية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، ويعتقد هؤلاء أن الخطر الأكبر لا يكمن في إغلاق ممر بحري واحد، بل في احتمال تعرض عدة ممرات استراتيجية، مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس، لاضطرابات متزامنة. 
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن تداعياته قد تمتد من أسواق الطاقة إلى سلاسل الإمداد العالمية والأمن الغذائي للدول المستوردة، ما يجعل الاستثمار في أمن الملاحة والتخطيط الاستباقي ضرورة استراتيجية وليست مجرد خياراً سياسياً.

شارك