بعد أكثر من قرن نقل رفات شهيدين بمذبحة "سيفو" في العراق
الإثنين 22/يونيو/2026 - 11:48 ص
طباعة
روبيرالفارس
شهدت بلدة بغديدا (قره قوش) في سهل نينوى شمال العراق مراسم مهيبة لنقل رفات الكاهنين الشهيدين الأب يوسف سكريا والأب بهنام ميخو من دير الأم الطاهرة للراهبات الدومنيكيات إلى كاتدرائية الطاهرة الكبرى، وسط مشاركة واسعة من الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات وجموع المؤمنين الذين حضروا لتكريم ذكرى اثنين من شهداء الإيمان الذين سقطوا خلال أحداث الإبادة الآشورية المعروفة باسم «سيفو» عام 1915.
وجاءت المراسم في أجواء روحية ووطنية مؤثرة، حيث رُفعت الصلوات والتراتيل الخاصة بالشهداء، وتقدمت المواكب الكنسية حاملة الرفات إلى الكاتدرائية التي تُعد اليوم أحد أبرز الرموز الروحية للمسيحيين في سهل نينوى، بعد أن أعيد ترميمها عقب الدمار الذي ألحقه بها تنظيم داعش خلال احتلاله المنطقة بين عامي 2014 و2017.
من هما الشهيدان؟
كان الأب يوسف سكريا والأب بهنام ميخو من الكهنة الذين خدموا أبناء الكنيسة الكلدانية في المناطق الواقعة بين هكاري وأورميا وسهل نينوى خلال السنوات العصيبة التي سبقت الحرب العالمية الأولى. ومع تصاعد حملات التهجير والقتل التي نفذتها السلطات العثمانية وبعض المجموعات المتحالفة معها ضد المسيحيين، تعرض الكاهنان للاعتقال والاستهداف بسبب تمسكهما بخدمة المؤمنين ورفضهما التخلي عن رسالتهما الكهنوتية.
وفي عام 1915 قُتِل الكاهنان برصاص القوات العثمانية، لينضما إلى آلاف الضحايا من رجال الدين والعلمانيين الذين سقطوا خلال موجة الإبادة التي اجتاحت مناطق واسعة من الأناضول وشمال بلاد ما بين النهرين.
إبادة «سيفو»
يطلق السريان والآشوريون والكلدان على أحداث عام 1915 اسم «سيفو» (Seyfo)، وهي كلمة سريانية تعني «السيف»، في إشارة إلى حملات القتل الجماعي التي استهدفت المسيحيين في الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.
وشملت هذه الإبادة مناطق هكاري وطور عبدين وديار بكر وماردين وأورميا وأجزاء من الموصل وسهل نينوى، وأسفرت عن مقتل مئات الآلاف من السريان والآشوريين والكلدان، إضافة إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان وتدمير قرى وأديرة وكنائس تاريخية. ويرى العديد من المؤرخين والهيئات الحقوقية أن «سيفو» تشكل جزءًا من موجة الإبادات الجماعية التي شهدتها تلك الفترة ضد الأقليات المسيحية في الشرق.
لماذا الآن؟
يأتي نقل رفات الشهيدين في إطار جهود الكنيسة لإحياء ذاكرة الشهداء والحفاظ على تراثهم الروحي والتاريخي، خاصة مع تزايد الاهتمام خلال السنوات الأخيرة بتوثيق أحداث «سيفو» وإبراز تضحيات رجال الدين والمؤمنين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لإيمانهم.
كما يحمل اختيار كاتدرائية الطاهرة الكبرى في بغديدا دلالة رمزية خاصة، إذ أصبحت الكاتدرائية بعد إعادة إعمارها مركزًا روحيًا جامعًا للمسيحيين في سهل نينوى، ومكانًا مناسبًا لتكريم الشهداء وربط الأجيال الجديدة بتاريخ الكنيسة ومعاناتها عبر العقود.
ويرى مسؤولون كنسيون أن وجود رفات الشهيدين داخل الكاتدرائية يتيح للمؤمنين فرصة أوسع لتكريم ذكراهما والصلاة عند ضريحيهما، كما يشكل شهادة حية على صمود المسيحيين في العراق والشرق الأوسط رغم ما تعرضوا له من اضطهادات ومآسٍ تاريخية متعاقبة.
رسالة تتجاوز الماضي
لا يقتصر نقل الرفات على كونه حدثًا طقسيًا أو تذكاريًا، بل يحمل رسالة تتجاوز استذكار الماضي، إذ يؤكد تمسك الكنيسة بذاكرة شهدائها وإرثها التاريخي، ويجسد استمرار الحضور المسيحي في أرض الآباء والأجداد رغم قرن كامل من التحديات والتهجير والعنف.
وفي الوقت الذي يستحضر فيه المؤمنون ذكرى الشهيدين يوسف سكريا وبهنام ميخو، تبقى قصة «سيفو» جرحًا تاريخيًا مفتوحًا في ذاكرة الكنائس السريانية والكلدانية والآشورية، وشاهدًا على واحدة من أكبر المآسي التي تعرض لها مسيحيو الشرق في العصر الحديث.
