أوروبا تُغيّر القواعد: من تحذيرات برلين إلى حظر نانت، "الإخوان" يواجهون جبهة قارية موحدة بينما تتعثر لندن في "المراجعة الدقيقة"

الأربعاء 24/يونيو/2026 - 11:32 ص
طباعة أوروبا تُغيّر القواعد: حسام الحداد
 
في غضون أسبوع واحد، رسمت ثلاث عواصم أوروبية ملامح مقاربة جديدة تجاه جماعة الإخوان المسلمين: ففي برلين، حذّر رئيس جهاز حماية الدستور الفيدرالي الألماني (BfV)، سنان سلين، نواب البوندستاج  في لقاء مغلق من مساعٍ "متعمدة" للجماعة للتأثير على الأحزاب السياسية الألمانية بهدف إعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق الشريعة؛ وفي نانت الفرنسية، أيدت محكمة إدارية حظر السلطات المحلية لتجمع سنوي تعتبره باريس واجهة وطنية للتنظيم؛ أما في لندن، فلا يزال مكتب رئيس الوزراء كير ستارمر متمسكاً بصيغة "المراجعة الدقيقة جداً" دون أي قرار حاسم. هذا التباين المتصاعد بين النهج القاري الصارم والتردد البريطاني يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: كيف ينبغي للدول الديمقراطية الغربية التمييز بين حرية التنظيم الديني والنشاط السياسي المضمر؟

برلين: تحذير من "نفوذ مزدوج الولاء"
في لقاء وُصف بأنه غير معتاد في علنيته النسبية، اختار سلين، وهو نفسه من أصول إسطنبولية، أن يوجّه تحذيراً مباشراً لنواب البوندستاج  بشأن ما اعتبره استراتيجية تسلل منهجية تتبناها الجماعة داخل الأحزاب السياسية الألمانية. وبحسب ما تناقلته أوساط أمنية أوروبية، فإن جوهر القلق الألماني لا يتعلق بالعنف المباشر، بل بـ"ولاء انتقائي للقانون"، حيث يلتزم الفاعلون المحسوبون على الجماعة بالتشريعات الألمانية فقط في حدود توافقها مع الشريعة الإسلامية، فيما تبقى الغاية النهائية - بحسب هذا التوصيف - إقامة مجتمع إسلامي بمعايير مغايرة لأسس الدولة العلمانية.
يُعلّق محلل أمني أوروبي مطلع على الملف، في تصريح يعكس الموقف الرائج داخل دوائر الاستخبارات الألمانية: "المشكلة ليست في خطاب علني يدعو للعنف، بل في بنية تنظيمية صبورة تراهن على عقود من التراكم الهادئ داخل المؤسسات، وهذا تحدٍ يصعب على القانون الجنائي التقليدي ملاحقته."

نانت: القضاء الفرنسي يحسم في "الواجهة التنظيمية"
في خطوة موازية، منحت المحكمة الإدارية في نانت غطاءً قانونياً لقرار البريفكتورة المحلية بحظر "التجمع السنوي لمسلمي غرب فرنسا"، وهو حدث تعتبره السلطات الفرنسية امتداداً تنظيمياً للفرع الوطني للإخوان المسلمين في البلاد. يأتي هذا الحكم في سياق فرنسي أكثر تشدداً عموماً، حيث صادقت الجمعية الوطنية الفرنسية مطلع العام الجاري على قرار غير ملزم يدعو الاتحاد الأوروبي لبحث إدراج الجماعة على قائمته للتنظيمات الإرهابية.
من جهتها، ترفض أوساط مقرّبة من الجماعة في فرنسا هذا التوصيف القانوني، وتصفه كجزء من مناخ عام تعتبره معادياً للحريات الدينية للمسلمين. ويقول مصدر مقرب من المنظّمين، في تصريح يلخّص الموقف المتكرر للجماعة في مواجهة هذه الإجراءات: "هذا التجمع نشاط ثقافي وديني علني يخدم الجالية المسلمة، وتصنيفنا تعسفاً كـ’واجهة‘ لتنظيم دولي هو تسييس فاضح لحرية التجمع."

لندن: عقيدة "المراجعة المستمرة" تحت الضغط
في المقابل، يبدو الموقف البريطاني أكثر التباساً. فحين سُئل مكتب رئيس الوزراء عن الموضوع، جاء الرد بأن الجماعة "تحت المراجعة الدقيقة جداً"، في صيغة دبلوماسية متكررة منذ إعلان الإدارة الأمريكية في نوفمبر 2025 عزمها تصنيف فروع مصرية وأردنية ولبنانية للجماعة كمنظمات إرهابية. هذا التحفظ يقابله ضغط برلماني متصاعد؛ فقد طالب أحد كبار مستشاري الحكومة البريطانية السابقين لشؤون التطرف الوزراء بتأكيد إدراكهم لخطر الجماعة في تقويض المؤسسات الديمقراطية البريطانية سعياً لاستبدالها بنظام خلافة، بينما يرد المسؤولون الحكوميون بأن السلطات لديها صلاحيات بديلة - تنظيم الجمعيات الخيرية، والبث، والتعليم، والهجرة - لمواجهة أي تهديد دون الحاجة الفورية للحظر الرسمي.
ويعلّق مسؤول بريطاني مطلع على ملف مكافحة التطرف، في تصريح يجسّد الموقف الرسمي الحذر: "الحظر القانوني سلاح ذو حدين؛ إن لم يصمد أمام الطعن القضائي، فإنه يمنح الجماعة مادة دعائية مجانية حول ’الاستهداف السياسي‘. نحن نفضّل أدوات أكثر دقة وأقل عرضة للطعن."
ويعود الجدل البريطاني إلى مراجعة داخلية كلّف بها رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون في 2014، وخلصت حين نُشرت موجزاً في 2015 إلى أن الجماعة "متعمدة الغموض" وتحمل "علاقة شديدة الالتباس بالتطرف العنيف"، دون أن تصل إلى عتبة قانونية كافية للحظر. منذ ذلك الحين، تباينت المسارات الأوروبية بشكل متزايد: حظرت مصر والإمارات والسعودية والبحرين الجماعة منذ سنوات، وانضمت إليها واشنطن جزئياً مع تصنيف ترامب الأخير لفروع محددة، بينما ظلت بروكسل وبرلين وباريس تتحرك بحذر أكبر، إلى أن بدأت التقارير الاستخباراتية الألمانية والفرنسية الأخيرة - إلى جانب تقارير مماثلة في بلجيكا والنمسا والدنمارك - تعكس تحولاً تدريجياً نحو معاملة "الإسلام السياسي" كملف أمني-مؤسسي قائم بذاته، لا مجرد ملف اندماج اجتماعي.

الخاتمة
يكشف هذا المسار المتباين عن معضلة بنيوية تواجه الديمقراطيات الغربية: غياب تعريف قانوني موحّد لـ"الإخوان المسلمين" كتنظيم، في ظل بنية متعمدة الغموض تتيح لها التموضع كشبكة اجتماعية-ثقافية في بلد، وفاعلاً سياسياً مباشراً في آخر. وبينما تراهن برلين وباريس على تكثيف الرصد الاستخباراتي والقضائي دون انتظار حظر شامل، يبدو أن لندن - في ظل ضغط متصاعد من حلفائها الأوروبيين وواشنطن والخليج - ستجد نفسها مضطرة عاجلاً أم آجلاً لحسم موقفها، خصوصاً إذا ما تحول النقاش البرلماني الحالي إلى قضية انتخابية تتقاطع مع ملفي الهجرة والأمن القومي في الدورة الانتخابية المقبلة. أما المسار الأوروبي الأوسع، فيبقى مرهوناً بما إذا كانت بروكسل ستتجه إلى تبني تصنيف موحد على مستوى الاتحاد، وهو خيار لا يزال بعيد المنال في غياب توافق بين الدول الأعضاء.

شارك