الساحل الأفريقي يتحول إلى ساحة حرب بين "نصرة الإسلام" وداعش، بينما تتمدد الجبهة شرقاً إلى نيجيريا

الأربعاء 24/يونيو/2026 - 11:53 ص
طباعة  الساحل الأفريقي حسام الحداد
 
في منطقتي تيلابيري ودوسو جنوب غرب النيجر، تتصاعد منذ أسابيع مواجهات متكررة بين "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم "ولاية الساحل" التابع لداعش (ISSP)، في تنافس دموي على الأرض والنفوذ والموارد، وذلك بعد أيام قليلة من هجوم JNIM الكبير على مطار "ديوري حماني" الدولي في نيامي يوم 18 يونيو الجاري، والذي وصفه مشروع رصد النزاعات "أكليد" بأنه "تحول خطير" في طبيعة التهديد الجهادي في الساحل. وفي موازاة ذلك، أعلن تنظيم داعش عبر منصة "تيليجرام" مسؤوليته عن هجوم على قرية في ولاية أداماوا شمال شرق نيجيريا، في مؤشر على أن رقعة الاشتعال الجهادي تتمدد من قلب الساحل نحو حوض بحيرة تشاد، وسط تراجع متواصل في القدرة الأمنية للجيوش المحلية على ضبط هذا التمدد المتعدد الجبهات.

نيامي: من التمرد الريفي إلى استهداف البنية الحيوية
شكّل هجوم 18 يونيو على مطار نيامي الدولي والقاعدة الجوية الملاصقة له نقطة تحول وصفها محللون بأنها "إعلان نوايا" من JNIM، إذ لم يكن الهدف موقعاً عسكرياً معزولاً، بل مرفقاً استراتيجياً يضم المقر الجوي للحكومة العسكرية النيجرية ومعظم طائراتها ومسيّراتها، فضلاً عن كونه مقراً للتحالف الإقليمي الذي يجمع قوات النيجر ومالي وبوركينا فاسو. ويرى مشروع "أكليد" أن هذا الهجوم "يسلّط الضوء على تصاعد خطير في القدرة والطموح لدى هذه الجماعات، في تحول عن التمرد الريفي المحلي نحو ضربات منسّقة تستهدف بنية تحتية حيوية على مستوى الدولة".
من جانبها، حمّلت الحكومة العسكرية في نيامي أطرافاً خارجية مسؤولية الهجوم، في موقف يعكسه تصريح افتراضي لمسؤول أمني نيجري: "ما جرى ليس مجرد عملية جهادية عابرة، بل رسالة موجّهة ضد سيادتنا، ولن نسمح لأي طرف، داخلي كان أم خارجي، بزعزعة استقرار الدولة." في المقابل، ينفي الجانب الفرنسي أي صلة بهذه الاتهامات، فيما يرى دبلوماسيون غربيون أن هذا النوع من التصريحات يعكس أزمة ثقة متجذرة بين السلطات العسكرية في الساحل وشركائها الغربيين السابقين منذ الانقلابات التي شهدتها المنطقة.

تيلابيري ودوسو: ساحة "حرب نفوذ" بين القاعدة وداعش
في الوقت ذاته، تكشف تقارير صادرة اليوم عن أن منطقتي تيلابيري ودوسو جنوب غرب النيجر باتت مسرحاً لتصعيد متجدد بين JNIM وتنظيم "ولاية الساحل"، في صراع يوصف بأنه "أيديولوجي وإقليمي" في آنٍ واحد، إذ يسعى كل تنظيم لفرض سيطرته الترابية وضمان مصادر تمويله، من فرض "إتاوات" على السكان إلى السيطرة على طرق التهريب والموارد المحلية.
ويختصر أحد الباحثين المتخصصين في شؤون الساحل، في تصريح افتراضي يعكس تحليلات متكررة لمراكز رصد مماثلة، طبيعة هذا التنافس بالقول: *"هذا ليس تحالفاً بين جهاديين، بل حرب استنزاف متبادلة؛ كل تنظيم يعتبر الآخر مرتداً أو منحرفاً عن المسار الصحيح، وهذا الخطاب التكفيري المتبادل يغذي مزيداً من العنف بدل أن يخفّفه." أما من الجانب الجهادي، فتعكس البيانات الدعائية المتكررة لكل من الجماعتين خطاباً متطابقاً تقريباً في تبرير المواجهة: كل طرف يقدّم نفسه "حامياً" للسكان المحليين في مواجهة "انحراف" الطرف الآخر عن "المنهج الصحيح".

نيجيريا: تمدد الجبهة شرقاً
في موازاة الاشتعال المتجدد في النيجر، أعلن تنظيم داعش عبر بيان نشره على "تيليجرام" مسؤوليته عن هجوم استهدف قرية "غويياكو" في ولاية أداماوا، ما يؤكد استمرار نشاط "ولاية غرب أفريقيا" (ISWAP) في منطقة الحوض الشمالي الشرقي لنيجيريا، التي تشهد منذ أكثر من عقد تمرداً معقداً يتقاسم نشاطه عدة فروع جهادية متنافسة. وتتعامل السلطات النيجيرية مع هذا الملف عبر مزيج من العمليات العسكرية المباشرة والتعاون الأمني المتجدد مع واشنطن، التي أرسلت في فبراير الماضي قوات استشارية لدعم الجيش النيجيري.
يلخّص مسؤول أمني نيجيري، في تصريح افتراضي يعبّر عن الموقف الرسمي المتكرر، حجم التحدي بالقول: "نحن لا نواجه تنظيماً واحداً، بل شبكة من الفروع المتنافسة والمتشابكة في آنٍ واحد، وهذا يجعل أي استجابة أمنية أحادية الجانب غير كافية لتفكيك هذا التهديد."
تأسست "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي عام 2017 كتحالف بين عدة فصائل جهادية بقيادة الطارقي إياد آغ غالي والفولاني أمادو كوفا، وأصبحت أقوى تنظيم جهادي في الساحل، بانتشار يمتد من مالي وبوركينا فاسو إلى النيجر وبنين وتوغو. وفي المقابل، نشأ تنظيم "ولاية الساحل" التابع لداعش كفرع منافس، توسّع عدده من نحو 400 مقاتل عام 2018 إلى أكثر من 3000 مقاتل حالياً، في ظل تنافس مستمر مع JNIM منذ 2020. وقد تفاقم هذا المشهد الأمني المعقد بعد سحب القوات الفرنسية والأمريكية من المنطقة وتراجع التعاون الإقليمي عبر مجموعة "G5 الساحل"، وهو فراغ استغلته الجماعتان لتوسيع نطاق سيطرتهما، وسط استعانة الأنظمة العسكرية الحاكمة في باماكو وواغادوغو ونيامي بمرتزقة روس بدلاً من الشركاء الغربيين السابقين.

الخاتمة
يكشف المشهد الراهن في الساحل عن معادلة أمنية متناقضة: فبينما يتنافس الفاعلون الجهاديون فيما بينهم على النفوذ والموارد، فإن هذا التنافس - بعيداً عن إضعافهم - يغذي دوامة عنف متصاعدة تدفع كلا الطرفين إلى استعراض القوة عبر عمليات أكثر جرأة وتعقيداً، كما يظهر في استهداف بنية تحتية استراتيجية مثل مطار نيامي. وفي ظل غياب أي مؤشر على عودة وشيكة لتنسيق أمني إقليمي-غربي فعّال، يرى محللون أن استمرار هذا "التنافس التدميري" قد يدفع أحد التنظيمين، أو كلاهما، لمحاولة حسم الغلبة عبر عمليات أكبر، فيما يبقى التمدد الموازي لتنظيم داعش نحو حوض بحيرة تشاد ونيجيريا مؤشراً إضافياً على أن أزمة الساحل لم تعد قابلة للحصر الجغرافي، بل تتحول تدريجياً إلى تهديد عابر للحدود يصعب احتواؤه بأدوات أمنية وطنية منفردة.

شارك