القوة الأوروبية في مضيق هرمز.. مهمة أمنية تواجه تحديات سياسية معقدة
الجمعة 26/يونيو/2026 - 11:20 ص
طباعة
فاطمة عبدالغني
في ظل المتغيرات الأمنية التي أعقبت التهدئة الأخيرة في منطقة الخليج، تتجه الدول الأوروبية إلى تعزيز حضورها البحري في الممرات المائية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، كشف تقرير نشرته مجلة "ذا ماريتايم إكزكيوتيف" The Maritime Executive عن تحركات أوروبية لتشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات تهدف إلى مراقبة وتأمين حرية الملاحة وإزالة الألغام البحرية، إلا أن نجاح هذه المهمة لا يزال مرهوناً بعوامل سياسية وأمنية معقدة، تتصدرها مواقف إيران وسلطنة عمان.
تحالف أوروبي يتجه نحو بحر العرب
بحسب التقرير، تجمعت مجموعة من السفن العسكرية والداعمة في بحر العرب لتعزيز قدرات مجموعة حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول"، ضمن ائتلاف تقوده فرنسا وبريطانيا ويحظى بدعم دول مجموعة السبع.
وضم الأسطول سفينة الدعم البريطانية "آر إف إيه لايم باي"، وكاسحة الألغام الألمانية "إف جي إس فولدا"، إلى جانب سفينة القيادة والدعم الألمانية "إف جي إس موزيل"، وقد عبرت هذه القطع البحرية قناة السويس ثم واصلت إبحارها عبر البحر الأحمر وصولاً إلى منطقة العمليات.
كما انضمت المدمرة البريطانية المتخصصة في الدفاع الجوي "إتش إم إس دراغون" إلى القوة البحرية بعد عبورها مضيق باب المندب، لتأمين الحماية الجوية للأسطول خلال مروره في المناطق التي شهدت خلال الأشهر الماضية تهديدات متكررة من الحوثيين ضد حركة الملاحة الدولية.
إزالة الألغام البحرية في صدارة المهمة
يشير التقرير إلى أن المهمة الأساسية للتحالف الأوروبي تتمثل في إزالة الألغام البحرية وتأمين الممرات الملاحية باستخدام أنظمة ذاتية التشغيل وتقنيات حديثة غير مأهولة.
وستؤدي السفينة البريطانية "آر إف إيه لايم باي" دور السفينة الأم للعملية متعددة الجنسيات، فيما سارعت بريطانيا إلى رفع جاهزية قواتها المشاركة بعد فترة طويلة من الإعداد والتجهيز.
في المقابل، تشارك ألمانيا بقدرات مستقلة في مجال إزالة الألغام، مع توقع تولي ضابط ألماني قيادة المهمة من على متن السفينة "إف جي إس موزيل". كما تدرس كل من إيطاليا وهولندا الانضمام إلى العملية عبر إرسال كاسحات ألغام إضافية، ما يعزز الطابع الأوروبي للمهمة ويمنحها قدرات تقنية متقدمة.
أما مجموعة حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول" فستبقى قوة احتياطية جاهزة للتدخل السريع في حال حدوث أي تطورات أمنية أو طارئة تهدد سلامة الملاحة في المنطقة.
تهديدات الحوثيين ودور الردع البحري
رغم أن الحوثيين لوحوا خلال الأسابيع الأخيرة بإمكانية استئناف الهجمات ضد السفن التجارية والعسكرية في المنطقة، فإن تلك التهديدات لم تتحول حتى الآن إلى عمليات فعلية.
ويرى التقرير أن نشر المدمرة البريطانية "إتش إم إس دراغون" يأتي كإجراء احترازي يهدف إلى توفير مظلة دفاع جوي متقدمة وردع أي تهديدات محتملة قد تستهدف السفن المشاركة في المهمة أو خطوط الملاحة الحيوية الممتدة من باب المندب إلى الخليج العربي.
كما أن انتماء جميع الدول المشاركة حالياً إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" يمنح القوة المشتركة ميزة إضافية تتمثل في سهولة التنسيق العملياتي وتوحيد إجراءات القيادة والسيطرة بين الوحدات المختلفة.
موافقة إيران وعُمان.. العقبة الأكبر أمام الانتشار
ورغم الجاهزية العسكرية المتزايدة، يلفت التقرير إلى أن مستقبل المهمة لا يتوقف على القدرات البحرية وحدها، بل يرتبط بشكل مباشر بمواقف الدول الساحلية المطلة على مضيق هرمز، وفي مقدمتها إيران وسلطنة عُمان.
فبحسب المعطيات الواردة في التقرير، تعتمد البحرية العُمانية على مسار ملاحي ساحلي داخل مياهها الإقليمية لتجنب المناطق التي قد تحتوي على ألغام بحرية، بينما تمر السفن المغادرة عبر مسار آخر يخضع لإدارة ومراقبة السلطات الإيرانية شمال المنطقة.
وبناءً على هذا الواقع، لا ترى بعض الأطراف الإقليمية ضرورة عاجلة لإطلاق عمليات واسعة لإزالة الألغام في المناطق الواقعة بين هذين المسارين، وهو ما قد يدفع إيران وعُمان إلى النظر للقوة متعددة الجنسيات باعتبارها عنصراً قد يزيد المشهد الأمني تعقيداً بدلاً من أن يسهم في استقراره.
وتزداد هذه التحديات مع استمرار الجدل حول قواعد الاشتباك وآليات تطبيق أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهي ملفات لم تُحسم بشكل نهائي حتى الآن، الأمر الذي يدفع بعض الدول المرشحة للمشاركة إلى التريث قبل تقديم التزامات كاملة بشأن القوات والموارد المطلوبة.
مستقبل المهمة بين النجاح والتحول إلى قوة أممية
ويخلص التقرير إلى أن نجاح التحالف الأوروبي سيعتمد بصورة كبيرة على نتائج المفاوضات السياسية الجارية وعلى مدى قبول الدول الساحلية بوجود هذه القوة في المضيق.
فإيران لطالما اعتبرت تقليص الوجود العسكري الأجنبي في الخليج هدفاً استراتيجياً رئيسياً، وهو ما قد يحد من فرص انتشار القوة الأوروبية رغم خلوها من أي مشاركة أمريكية مباشرة، وفي حال تعثر المفاوضات أو فشل التفاهمات السياسية، قد لا تتمكن القوة من الوصول إلى مرحلة الانتشار الكامل، أو قد تضطر إلى الانسحاب بعد فترة قصيرة من بدء عملها.
ويرى المراقبون أن المبادرة الأوروبية تعكس رغبة متزايدة لدى الدول الأوروبية في لعب دور أكثر استقلالية في حماية الممرات البحرية الاستراتيجية، إلا أن نجاحها سيظل مرتبطاً بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين المتطلبات الأمنية والمصالح السياسية للدول الإقليمية، كما يؤكدون أن أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد في مضيق هرمز لن تكون قابلة للاستمرار دون توافق مباشر مع إيران وسلطنة عُمان، وهو ما يجعل المسار الدبلوماسي عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن القدرات العسكرية المنتشرة في المنطقة.
