الحرب الإيرانية ومستقبل الصراعات.. لماذا لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية؟

الجمعة 26/يونيو/2026 - 11:53 ص
طباعة الحرب الإيرانية ومستقبل فاطمة محمد علي
 
كشفت الحرب الإيرانية الأخيرة عن تحول عميق في طبيعة الصراعات الحديثة، إذ لم تعد المواجهات العسكرية تحسم فقط في ميادين القتال أو عبر التفوق الجوي والبحري، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بقدرة الدول على إدارة شبكات معقدة من المصالح الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية. 
وفي تقرير تحليلي نشره معهد الحرب الحديثة (Modern War Institute) بأكاديمية ويست بوينت، ترى الباحثة ندا بلورچي أن أهم ما كشفته الحرب لم يكن حجم القوة العسكرية للأطراف المتحاربة، بل مدى قدرة الخصوم على استهداف الأنظمة التي تجعل هذه القوة قابلة للاستخدام والاستمرار.

ويؤكد التقرير أن الحرب غير النظامية دخلت مرحلة جديدة، حيث أصبحت الموانئ وشركات التأمين ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية وسلاسل الإمداد العالمية جزءاً من ساحة المعركة، بما يجعل التأثير السياسي والاقتصادي عاملاً لا يقل أهمية عن الإنجازات العسكرية المباشرة.

نقل المعركة إلى خارج الحدود الإيرانية

يشير التقرير إلى أن إيران لم تسعَ إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي على الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل ركزت على توسيع نطاق الصراع إلى دوائر أوسع يصعب التحكم بها، فبدلاً من مواجهة التفوق العسكري الغربي بشكل مباشر، عملت طهران على نقل مركز الثقل إلى أسواق الطاقة، وحركة الشحن التجاري، وشركات التأمين، والعلاقات الإقليمية، والبنية التحتية الحيوية في الخليج.

وبحسب التقرير، اعتمدت إيران استراتيجية تقوم على رفع الكلفة السياسية والاقتصادية للصراع، مستهدفة الأنظمة الأكثر حساسية للتأثر بالاضطرابات، وبهذا الأسلوب أصبحت عواصم الخليج والأسواق العالمية وشبكات التجارة الدولية جزءاً من المواجهة، الأمر الذي مكنها من فرض ضغوط تتجاوز حدود ساحة المعركة التقليدية.

ويخلص التقرير إلى أن أحد أهم دروس الحرب غير النظامية يتمثل في أن الخصوم لم يعودوا بحاجة إلى هزيمة الجيوش الكبرى ميدانياً، بل يكفيهم جعل كلفة استمرار العمليات العسكرية مرتفعة إلى مستويات يصعب تحملها سياسياً واقتصادياً.

مضيق هرمز والثقة التجارية كسلاح استراتيجي

يبرز التقرير أهمية مضيق هرمز باعتباره نموذجاً واضحاً للتحولات التي تشهدها الحروب الحديثة، فرغم امتلاك الولايات المتحدة وحلفائها قدرات عسكرية متفوقة، فإن السيطرة على الممرات البحرية لم تعد مرتبطة بالقوة العسكرية وحدها، بل أصبحت تعتمد على ثقة الأسواق وشركات الشحن والتأمين.

ويوضح التقرير أن حركة الملاحة عبر المضيق شهدت تراجعاً حاداً مع تصاعد التوترات العسكرية، حيث أدى ارتفاع المخاطر إلى عزوف العديد من الشركات عن استخدام الممر البحري، حتى دون حدوث إغلاق فعلي له.

ويشير التقرير إلى أن إيران لم تكن بحاجة إلى فرض سيطرة بحرية تقليدية، بل اكتفت برفع مستوى المخاطر المتصورة من خلال التهديدات والألغام والطائرات المسيّرة والصواريخ، وهو ما دفع الجهات التجارية إلى إعادة تقييم قراراتها التشغيلية.

كما يقارن التقرير هذه التجربة بما حدث في البحر الأحمر عقب هجمات الحوثيين، حيث نجحت الجماعة في التأثير على حركة التجارة العالمية ورفع تكاليف الشحن والتأمين دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى البحرية الكبرى.

استهداف النموذج الخليجي والبنية التحتية الرقمية

يرى التقرير أن الضغوط الإيرانية لم تركز فقط على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، بل استهدفت الأسس التي يقوم عليها النموذج الاقتصادي الخليجي، والمتمثلة في الاستقرار وجذب الاستثمارات والاندماج في الاقتصاد العالمي.

فالمطارات المدنية ومحطات تحلية المياه ومرافق الطاقة والخدمات اللوجستية ومراكز البيانات أصبحت جميعها أهدافاً ذات قيمة استراتيجية، نظراً لدورها الحيوي في استقرار الدول المضيفة واستمرار قدرتها على دعم العمليات العسكرية والتحالفات الدولية.

وفي السياق ذاته، يؤكد التقرير أن الحرب أبرزت تحول مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي إلى عناصر أساسية في الجغرافيا العسكرية الحديثة، فشركات التكنولوجيا الكبرى والبنية التحتية الرقمية لم تعد مجرد جهات مدنية بعيدة عن الصراع، بل أصبحت جزءاً من منظومة العمليات العسكرية والاقتصادية.

ويحذر التقرير من أن اعتماد الجيوش الحديثة على بنى تحتية رقمية يمتلكها القطاع الخاص يخلق تحديات جديدة، إذ قد تتحول هذه المنشآت إلى أهداف محتملة في أي صراع مستقبلي، ما يستدعي تطوير آليات أكثر فعالية للتنسيق بين الحكومات والشركات التكنولوجية.

الذكاء الاصطناعي والذخائر.. معادلة جديدة للقوة

بحسب التقرير، فإن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في الحروب، بل أصبح عاملاً مؤثراً في سرعة اتخاذ القرار العسكري وتحديد الأهداف، إلا أن هذا التطور يطرح تحديات تتعلق بالشرعية القانونية والسياسية، خاصة عندما تتجاوز سرعة العمليات قدرة المؤسسات على مراجعة القرارات وتفسيرها للرأي العام والحلفاء.

ويؤكد التقرير أن الحفاظ على الشرعية أصبح جزءاً لا يتجزأ من القدرة العسكرية، وأن فعالية أنظمة الذكاء الاصطناعي ستقاس مستقبلاً بمدى قابليتها للتدقيق والشفافية، وليس فقط بقدرتها على تسريع العمليات.

وفي الوقت نفسه، برزت قضية الذخائر باعتبارها عنصراً استراتيجياً حاسماً، فالحرب أظهرت أن مخزونات الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي لم تعد مجرد موارد عسكرية، بل أصبحت جزءاً من الحسابات السياسية والاستراتيجية طويلة المدى، خاصة مع تعدد مسارح الصراع العالمية وتزايد المنافسة على الموارد الدفاعية المحدودة.

من إعادة الإعمار إلى إنهاء الحرب

يلفت التقرير إلى أن التحدي الأكبر لا يبدأ عند تدمير الأهداف العسكرية، بل عند مرحلة إعادة البناء واستعادة الاستقرار، فإصلاح البنية التحتية وإعادة تشغيل الموانئ، واستعادة ثقة المستثمرين، وإعادة ملء مخزونات الذخائر، كلها عوامل تحدد النتائج الاستراتيجية للحرب أكثر مما تحدده الضربات العسكرية نفسها.

كما يؤكد أن إنهاء الحروب الحديثة أصبح أكثر تعقيداً من مجرد التوصل إلى وقف إطلاق نار، نظراً لتداخل ملفات الأمن البحري والعقوبات والبرامج النووية وشبكات الوكلاء والأسواق العالمية في إطار تفاوضي واحد.

ويضيف التقرير أن الصراعات الحديثة أصبحت أيضاً ساحات مفتوحة للتعلم السريع، حيث لا تقتصر الدروس المستفادة على أطراف الحرب المباشرين، بل تمتد إلى الدول المنافسة وشركات التكنولوجيا وشركات التأمين والجهات الفاعلة غير الحكومية، ما يزيد من سرعة تطور بيئة الصراع العالمي.

ويرى المراقبون أن تقرير معهد الحرب الحديثة يقدم قراءة متقدمة لمستقبل الحروب في القرن الحادي والعشرين، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، فالصراعات الحديثة لم تعد تحسم فقط عبر التفوق الناري أو السيطرة الميدانية، بل عبر القدرة على إدارة شبكات معقدة من المصالح والاعتمادات المتبادلة التي تربط الاقتصاد العالمي بالتكنولوجيا والبنية التحتية الحيوية.

ويؤكد المراقبون أن الحرب الإيرانية أظهرت بوضوح أن السيطرة الاستراتيجية أصبحت مرتبطة بحماية سلاسل الإمداد، وتأمين الثقة التجارية، والحفاظ على استقرار الدول الحليفة، وإدارة تأثيرات الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية.
 وفي ظل هذا الواقع، فإن الطرف الأكثر قدرة على فهم هذه الأنظمة والتكيف معها بسرعة قد لا يربح كل معركة عسكرية، لكنه سيكون الأقدر على تشكيل النتيجة النهائية للصراع.

شارك