مؤتمر «المعية» في عمّان.. ما بعد كنيسة الكرك: من حماية الوجود المسيحي إلى الشراكة

الإثنين 02/نوفمبر/2026 - 10:20 ص
طباعة مؤتمر «المعية» في روبيرالفارس
 
 

لم يأتِ انعقاد مؤتمر «المعية» (Togetherness)، الذي استضافته العاصمة الأردنية عمّان، في توقيت عادي بالنسبة إلى مسيحيي المنطقة، بل جاء في ظل أجواء إقليمية شديدة الحساسية، وبعد الهجوم الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في منطقة حمود بمحافظة الكرك، وما أثاره من مخاوف وتساؤلات حول أمن الكنائس ومستقبل الوجود المسيحي في الشرق الأوسط.
ومن هنا تكتسب مداولات المؤتمر وبيانه الختامي أهمية تتجاوز حدود اللقاء الكنسي والأكاديمي؛ إذ يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: هل يظل الحديث عن مسيحيي الشرق محصوراً في حماية وجودهم من التراجع والهجرة والاعتداءات، أم يمكن الانتقال إلى مرحلة جديدة يصبحون فيها شركاء فاعلين في صياغة مستقبل بلدانهم؟
فالرسالة الأهم التي حملها المؤتمر هي أن المسيحيين ليسوا مجرد جماعات تحتاج إلى الحماية أو المساعدة، وإنما مكوّن أصيل في تاريخ المنطقة ونسيجها الاجتماعي والثقافي، وأن استمرارهم لا ينفصل عن بناء دول تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام التعددية.

 من الكرك إلى عمّان.. 

جاء المؤتمر بعد أيام قليلة من الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، أثناء مراسم تشييع سيدة، عندما أطلق ثلاثة مسلحين النار على المشيعين، في اعتداء دامٍ لم يقتصر على استهداف مكان عبادة، بل طال مواطنين تجمعوا لتوديع إحدى سيدات البلدة.
و أسفر الهجوم عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، بعدما أطلق المهاجمون النار بكثافة على الموجودين في محيط الكنيسة، وحاولوا اقتحامها، ثم أطلقوا الرصاص على بعض المصابين الذين سقطوا أرضاً. وأعلنت السلطات الأردنية القبض على المتهمين بتنفيذ الهجوم، فيما امتدت تداعيات القضية إلى تطورات أمنية إقليمية.
وأعاد الاعتداء إلى الواجهة مخاوف المسيحيين في المنطقة، ليس فقط بسبب استهداف كنيسة، وإنما لأن الحادث وقع في الأردن، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد النماذج المهمة للاستقرار النسبي والتعايش الإسلامي المسيحي في الشرق الأوسط.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن يتوقف البيان الختامي لمؤتمر «المعية» أمام جريمة الكرك بصورة مباشرة، إذ أعرب المشاركون عن حزنهم لسقوط تسعة من أبناء الوطن، وقدموا التعازي إلى أسر الضحايا والملك عبدالله الثاني والأسرة الأردنية، وأدانوا الاعتداء، رافضين جميع أشكال الإرهاب والتطرف والعنف.
كما أشاد البيان بمواقف التضامن التي عبّر عنها الأردنيون، مسلمين ومسيحيين، معتبراً أنها جسدت قوة النسيج الاجتماعي الأردني في مواجهة محاولات بث الخوف والفرقة.
وهنا تبرز دلالة مهمة: لم يتعامل المؤتمر مع حادث الكنيسة باعتباره شأناً مسيحياً منفصلاً، بل باعتباره اعتداءً على المجتمع الأردني بأكمله. وهي رسالة سياسية واجتماعية مهمة، لأن تحويل الاعتداءات ذات الطابع الديني إلى قضية وطنية عامة يمثل أحد أهم شروط مواجهة التطرف ومنع تحويل الاختلاف الديني إلى صراع بين المواطنين.

 ماذا ناقش المؤتمر؟

انعقد المؤتمر يومي 29 و30 أكتوبر، تحت رعاية رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، وبحضور وزير السياحة والآثار عماد حجازين ممثلاً عنه، ونظمه المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، بمشاركة شخصيات كنسية وسياسية وأكاديمية من الأردن ولبنان ومصر وسوريا والعراق وفلسطين، إلى جانب مشاركين من ألمانيا
ولم تقتصر أعمال المؤتمر على مناقشة المخاطر التي تواجه المسيحيين، بل توزعت على ثلاثة مسارات أساسية:

أولاً: الوحدة بين الكنائس رغم الاختلافات الطائفية.
ناقشت الجلسة الأولى أهمية تجاوز الانقسامات التاريخية بين الكنائس، وتطوير العمل المشترك، باعتبار أن التعدد الكنسي لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام الدفاع عن الحضور المسيحي أو المشاركة في الحياة العامة.
وشارك فيها الأب الدكتور باسم الراعي، والدكتورة فيولا الراهب، والدكتور جورج طريف، وأدارها عمر عبوي، المدير التنفيذي لكاريتاس الأردن.

ثانياً: أبناء الانتشار ودورهم في حماية مستقبل مسيحيي الشرق.
تناولت الجلسة الثانية في اليوم الأول كيفية تحويل الاغتراب المسيحي من عامل يؤدي إلى الانفصال التدريجي عن الجذور إلى جسر يربط الأجيال الجديدة بأوطانها الأصلية، والاستفادة من الخبرات والموارد التي يمتلكها أبناء الانتشار في دعم المجتمعات والمؤسسات المحلية.
وشارك فيها الأب الدكتور ألبير هشام نعوم، والدكتورة لارا حنا وكيم، والدكتور برنارد سابيلا، وأدارها الدكتور بدر الماضي.

ثالثاً: الشراكة المسيحية الإسلامية والصالح العام.

ناقشت الجلسة الثالثة ضرورة الانتقال من الحوار الديني التقليدي إلى التعاون العملي في مجالات التنمية والتعليم ومواجهة التطرف وخطاب الكراهية، بمشاركة النائب كبرييل موشي كوريه، والدكتورة وديعة خوري، والدكتور جمال الشلبي، وأدارها الدكتور عامر الحافي.
أما جلسات اليوم الثاني، فقد تناولت تجارب المسيحيين في الأردن ولبنان ومصر، ثم العراق وسوريا وفلسطين، وسبل استمرار إسهامهم في بناء أوطانهم والحفاظ على صلاتهم بمناطقهم التاريخية.
وشارك في الجلسة الثانية المطران حنا جلوف، النائب الرسولي للاتين في سوريا، والدكتور سعد سلوم، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة المستنصرية ومدير مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية في العراق، والدكتور برنارد سابيلا، ممثلاً عن فلسطين، وأدارتها الدكتورة أماني غازي جرار، الأمين العام بالإنابة لمنتدى الفكر العربي في الأردن.


 لا نريد البقاء فقط بل المشاركة

لعل أبرز ما يميز المؤتمر هو محاولته تغيير زاوية النظر إلى القضية المسيحية في الشرق الأوسط. فسنوات طويلة من الحروب والاضطرابات والتهجير جعلت الحديث عن المسيحيين يرتبط غالباً بمفردات الخطر والانقراض والهجرة والحماية، حتى أصبح السؤال المطروح في كثير من المؤتمرات: كيف نحافظ على ما تبقى منهم؟
لكن مؤتمر «المعية» حاول تقديم إجابة مختلفة، تقوم على أن الحفاظ على الوجود لا يتحقق بمجرد تأمين الكنائس أو تقديم المساعدات الإنسانية، وإنما بإيجاد أسباب حقيقية تدفع المسيحيين إلى البقاء، من خلال المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضمان فرص العمل والتعليم، وحماية الحقوق والحريات.
وهذا التحول ظهر بوضوح في توصيات البيان الختامي، التي دعت إلى:
اولا  ترسيخ المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام الحريات الدينية.
ثانيا تعزيز مشاركة المسيحيين في الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي وصناعة القرار.
ثالثا توسيع التعاون بين الكنائس في التعليم والصحة والعمل الإنساني.
رابعا بناء جسور مستدامة مع أبناء الانتشار والاستفادة من خبراتهم وإمكاناتهم.
خامسا  تحويل الشراكة المسيحية الإسلامية إلى مشروعات عملية تخدم المجتمع
سادسا حماية المدنيين ودور العبادة والمؤسسات الدينية.
سابعاً تمكين الشباب والمرأة، وتوسيع مشاركتهم في القيادة وصناعة القرار.
وتعكس هذه التوصيات إدراكاً بأن الهجرة المسيحية ليست مجرد أزمة دينية، بل نتيجة متشابكة لعوامل سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية، وأن معالجة نتائجها من دون معالجة أسبابها لن توقف نزيف الهجرة.

الأردن يقدم نفسه نموذجاً للعيش المشترك

يحمل اختيار عمّان لاستضافة المؤتمر دلالة إضافية، خصوصاً أن الأردن يسعى إلى ترسيخ صورته باعتباره مساحة للتلاقي بين الأديان، وبلداً يحتفظ بحضور مسيحي تاريخي ومؤسسات كنسية فاعلة، رغم التحديات التي تشهدها المنطقة.
وفي هذا السياق، أشار الأب رفعت بدر إلى الاستعدادات الأردنية لإحياء الذكرى الألفين لعماد السيد المسيح عام 2030، باعتبارها فرصة لإبراز الإرث المسيحي في المملكة وتعزيز مكانتها وجهة عالمية للحج المسيحي.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة، لأنها تربط الحضور المسيحي ليس فقط بالجانب الديني، وإنما أيضاً بالتراث الوطني والسياحة الثقافية والاقتصاد، وتؤكد أن المواقع المسيحية التاريخية جزء من هوية الأردن ومكانته الحضارية.
لكن الاعتداء الذي شهدته الكرك يضع هذا النموذج أمام اختبار حقيقي؛ فالتعايش لا يُقاس فقط بالخطابات الرسمية أو المؤتمرات، وإنما بقدرة الدولة والمجتمع على حماية المواطنين، ومحاسبة مرتكبي الاعتداءات، ومواجهة الأفكار التي تستهدف التعددية الدينية.

  وهل تتحول التوصيات إلى واقع؟

يمكن قراءة أهمية مؤتمر «المعية» من خلال ثلاثة أبعاد:

البعد الأول: توحيد الصوت المسيحي الإقليمي.

جمع المؤتمر ممثلين عن كنائس ومؤسسات مسيحية وشخصيات أكاديمية من ست دول عربية، وهو ما يتيح تبادل الخبرات وتكوين رؤية مشتركة بشأن قضايا الهجرة والتهميش والمواطنة، بدلاً من التعامل مع كل أزمة مسيحية باعتبارها حالة منفصلة.

البعد الثاني: إعادة تعريف العلاقة مع المجتمعات الإسلامية.

فالحديث عن الشراكة المسيحية الإسلامية في المؤتمر لم يتوقف عند عبارات التسامح والتعايش، بل حاول الانتقال إلى التعاون في التعليم والتنمية والعمل الإنساني ومواجهة خطاب الكراهية. وهذه نقطة جوهرية، لأن حماية التنوع الديني لا يمكن أن تتحقق من خلال الكنائس وحدها، وإنما تحتاج إلى شراكة مجتمعية واسعة.

البعد الثالث: مواجهة الهجرة من جذورها.

إن ربط المسيحيين في الداخل بأبناء الانتشار يمكن أن يوفر فرصاً مهمة لدعم المشروعات المحلية والتعليم والتشغيل، وإعادة بناء الروابط الثقافية والوطنية للأجيال التي ولدت خارج المنطقة. لكن ذلك يتطلب مشروعات مستمرة، وليس مجرد دعوات عاطفية للعودة إلى الجذور.

ومع ذلك، تظل هناك فجوة ينبغي الانتباه إليها: فالبيان الختامي قدم مجموعة من المبادئ والتوصيات المهمة، لكنه لم يحدد آليات تنفيذ تفصيلية أو جداول زمنية أو جهات مسؤولة عن متابعة كل توصية، وهو ما يجعل الاختبار الحقيقي للمؤتمر مرتبطاً بما سيحدث بعد انتهاء جلساته.

فالمسيحيون في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان لا يحتاجون فقط إلى بيانات تؤكد أنهم شركاء في بناء المستقبل، وإنما يحتاجون إلى ضمانات قانونية وأمنية، وفرص اقتصادية، ومشاركة سياسية حقيقية، وحماية لممتلكاتهم وكنائسهم وحقهم في البقاء.

 من حادث الكرك إلى رسالة عمّان

ربما تكون أهم دلالة لمؤتمر «المعية» أنه انعقد بعد أيام قليلة من جريمة استهدفت كنيسة في الأردن، ليؤكد أن الخوف لا ينبغي أن يكون أساس العلاقة بين مكونات المجتمع، وأن استهداف المسيحيين لا يمكن فصله عن استهداف فكرة الدولة التي تتسع لجميع مواطنيها.
لقد وضعت جريمة كنيسة حمود سؤال الحماية والأمن في مقدمة المشهد، بينما حاول مؤتمر عمّان تقديم إجابة أوسع تتعلق بالمواطنة والمشاركة والشراكة والمستقبل.
لكن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج من المؤتمر ليست أن المسيحيين يريدون البقاء في الشرق فحسب، بل أن الشرق نفسه يحتاج إلى بقائهم، وأن خسارة هذا المكوّن التاريخي ليست خسارة للكنائس وحدها، وإنما خسارة للتنوع الثقافي والحضاري والاجتماعي للمنطقة بأكملها.
وبين دماء ضحايا كنيسة الكرك وتوصيات مؤتمر المعية، تبقى المسافة بين الخطاب والواقع هي التحدي الأكبر: كيف يتحول التأكيد على المواطنة المتساوية إلى ممارسة يومية، وكيف تصبح الشراكة حقيقة سياسية واجتماعية، لا مجرد شعار يتكرر في المؤتمرات؟

شارك